هل الهجوم على نطنز والوطية رسالة أيضا لأثيوبيا ؟

 

الحروب والمعارك لم تكن حلا لأي نزاعات أو قضايا شائكة أو مهددة لأمن الشعوب، فيحيط بالوطن العربي مشاريع إقليمية لدول إسلامية من الشرق إيران ومن الشمال تركيا وأثيوبيا جنوب السودان في شرق أفريقيا، رغم أن السعودية ودولة الإمارات رعت مصالحة بين أثيوبيا وبين ارتيريا الذي استمر الصراع عقود من الزمن.
تعاني دول المنطقة أقصد السعودية ومصر بشكل خاص ملفات غاية في التعقيد لأسباب عدة منها ما هو تاريخي ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي ومنها ما هو تآمر إقليمي ودولي أي تعددت الأسباب والمشاكل واحدة لم تعد إسرائيل المشكلة الوحيدة كما كانت من قبل بل لم تقوم بما تقوم به إيران وتركيا، بل هما يستخدمان احتلال إسرائيل لفلسطين ورقة وشعارا تحت بند المقاومة والممانعة لتنفيذ مشاريعهما، رغم أنهما أول من تحالف مع الصهيونية العالمية لكن من أجل مكاسب شعبوية عربية وإسلامية تحالفت إيران وتركيا مع المتشددين دينيا وفكريا من العرب.
تتمتع قيادة السعودية ومصر ودولة الإمارات بقدرة على مواجهة تلك القضايا تجمع بين القوة الدبلوماسية والحنكة والاتزان بعيدا عن الشعارات الرنانة التي تستخدمهما إيران وتركيا لكسب شعبيات مزيفة على حساب قضايا المنطقة الإقليمية وعلى غرار حكام سابقين مثل جمال عبد الناصر الذي اعتمد على كسب شعبيته الواسعة لقاء الدعوة للقومية العربية التي سميت فيما بعد بالناصريين ولا يزالون موجودين حتى الآن أو عنتريات صدام حسين في ضرب العدو الصهيوني، والقذافي وخامنئ اليوم وأردوغان وحسن نصر الله والحوثيين لكنهم يرفعون شعارات ويتحالفون باطنيا مع الصهيونية العالمية لكن الصهيونية العالمية تبرأت منهم وأدركت أنهم يسعون لتحقيق مشاريعهم على حسابها.
لو جمعنا ورصدنا لوجدنا أن البلدين السعودية ومصر يتبعان التحركات السياسية والدبلوماسية المكثفة مع إتباع سياسة النفس الطويل وضبط النفس والتعامل مع المتغيرات التي تشبه الرمال المتحركة، حتى جعلتا العالم يصطف إلى جانبهما في جل قضاياهم بسبب تعاملهم الحكيم.
فأمريكا تدعم السعودية ضد إيران فانسحبت من الاتفاق النووي ووضعت عقوبات صارمة على إيران حتى تجلس إيران على طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جديد يتضمن وقف سلوكها الإقليمي، وكذلك دعمت أمريكا مصر حول حقوقها في سد النهضة، والآن جميع دول العالم وبشكل خاص الاتحاد الأوربي منزعج من عنتريات أردوغان ومن تحركات مليشياته الغلمانية في ليبيا.
هجوم في أقصى الشرق الإسلامي في إيران استهدف أهم مجمع نووي يسمى بنطنز وفي أقصى الغرب تدمير قوات تركية في ليبيا في قاعدة الوطية وتدمير صواريخ أميركية بصورايخ فرنسية وكلا الهجومين مجهولين، بالطبع لم تتوقع لا إيران ولا تركيا وهي رسالة أيضا لأثيوبيا الذي يقود الاتحاد الأفريقي الذي ترأسه دولة جنوب أفريقيا تلك المفاوضات، وبحضور الوزراء من الدول الثلاث وممثلي الدول والمراقبين والتي تهدف التباحث حول اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة التي بدأت المفاوضات في 9/7/2020 والتي تهدف لمحاولة تقريب وجهات النظر بشأن النقاط الخلافية في كلا المسارين.
الغرب منزعج من غزوات أردوغان الذي يود الاستيلاء على ثروات البلدان العربية والاستيلاء الكامل على مقدرات ليبيا وقرارها السيادي، بعدما ضايقته روسيا في سوريا وأخرجته مصر من نادي الغاز الذي مقره القاهرة، لم يجد أردوغان سوى إبرام اتفاقية بحرية وعسكرية مع حكومة السراج في نوفمبر 2019 وترسيم الحدود البحرية التي أصبحت مثار جدل عربي ودولي واسع ضد التدخلات المتتالية لنظام أنقرة في أكثر من بلد عربي ظنا منه أن الولايات المتحدة ستغض الطرف بعدما حصل حفتر على دعم روسيا في أبريل 2019.
ما يجعله يعمل على تدعيم مليشيات إسلامية متطرفة تسيطر على العاصمة طرابلس، وإرسال مرتزقة من السوريين استغل فقرهم وحاجتهم يحاربون نيابة عن الجنود الأتراك حتى لا يتسبب مقتلهم أزمة له في الداخل التركي، لم يتوقع أن ضرب قاعدة الوطية يتسبب في مقتل قادة أتراك أحرجت أردوغان في الداخل التركي، ويرى متابعون إلى أن التدخل التركي تشرع لتقسيم ليبيا ورهن جزء من أراضيها لتركيا التي لا تتوقف عن التورط عسكريا في أكثر من جبهة، لكن التدخل العسكري في ليبيا تهدد السلم والأمن الدوليين والملاحة البحرية وتؤثر بشكل مباشر على مصالح دول حوض المتوسط من خلال محاولة تركيا توسيع نفوذها وتحقيق أطماعها في المنطقة التي كانت تابعة للدولة العثمانية قبل 1923.
من التصدي لأردوغان في ليبيا يبدأ بسحب الشرعية الدولية عن حكومة الوفاق ومجلسها الرئاسي اللذين تحولا إلى واجهة سياسية لخدمة تيار الإسلام السياسي لا سيما بعد انسحاب أغلب أعضاء المجلس احتجاجا على هيمنة الإسلاميين على القرار.
هناك حصار اردوغان بالمتوسط فأعلنت مصر مناورات حسم في غرب مصر على ساحل المتوسط وكذلك أميركا أنها تعتزم إجراء تدريبات عسكرية مع قبرص للمرة الأولى بعد 33 عاما عندما احتلت تركيا ثلث قبرص الشمالية عام 1974 مما أغضب تركيا تلك المناورات العسكرية المشتركة اعتبرها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو أنها لتعزيز العلاقات مع الشركاء الإقليميين الرئيسيين لتعزيز الاستقرار في شرق المتوسط، كما أعلنت فرنسا عن المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع قبرص وإيطاليا واليونان تأتي هذه المناورات في ظل تصاعد التوتر بين الدول الأربعة ( قبرص، اليونان، فرنسا، إيطاليا ) مع تركيا في منطقة شرق المتوسط حيث انزعجت تركيا من استبعادها من منطقة شرق المتوسط بالكامل ولم تجد سوى التدخل في ليبيا لكنها ستدخل في مواجهة إقليمية ودولية.
اندمجت قضايا ليبيا وسوريا وشرق المتوسط معا لتشكل عقدة استراتيجية ضخمة لتركيا ما يجعل أردوغان يتخبط ويبحث أردوغان عن نصب صواريخ 400 أس في ليبيا ليتقرب من روسيا ويغضب أمريكا وخلط الأوراق، لكنه مزيد من التخبط، فيما يرفض اردوغان أي حل في المنطقة يستثني تركيا، ويعتبرهم واهمون إذا أغفلوا تركيا، ويعتقد أردوغان أن ذهابه إلى ليبيا نزهة مثل وضع القاعدتين العسكريتين في قطر والصومال، لكن السعودية لقنته درسا جيوستراتيجيا عندما قفلت عليه المنطقة خصوصا وأن دولة مصر تتحكم في قناة السويس التي تعبر من خلال القناة كافة السفن، فلن يستفيد أردوغان من هاتين القاعدتين خصوصا بعدما اتجهت السعودية نحو تشكيل مجلس بين الدول الواقع على ضفتي البحر الأحمر وعدن ولم تتركه يحقق إقامة قاعدة عسكرية في سواكن.
ارتبط اسم أردوغان بالازدهار عندما كانت علاقة تركيا بدول الخليج متينة وقوية وكانت تضخ الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد التركي، لكن بعدما بدأ اردوغان يستخدم تيار جماعة الإخوان الهاربين من مصر ومن دول الخليج وتحويل تركيا لهم إلى منصة يعادون منها بلدانهم على اثر هذه الخطوة الانتحارية خرجت الاستثمارات الخليجية وبشكل خاص السعودية والإماراتية سميت بالهروب الكبير والتاريخي حيث تمثل الاستثمارات السعودية والإماراتية نحو 46 في المائة، وتم رصد خروج 62 مليار دولار في بداية 2019 بعدما كان يتوقع أردوغان بعد الانقلاب عليه في 2016 أن تضخ السعودية وبقية دول الخليج في الاقتصاد التركي 250 مليار دولار، لكن بسبب وقوف أردوغان مع تيار الإسلام السياسي الإخواني خسر تلك الاستثمارات وتم تحويل الأوراق المالية والسندات إلى سيولة وإخراجها من السوق التركي، فأدى إلى تراجع تنافسية تركيا من المركز 38 في 2016 إلى المركز ال 51 فيما قفزت السعودية 15 مركزا وانتقلت من المركز ال39 عام 2018 إلى المركز 24 في عام 2020، فلم يعد ينفع الغرور الأردوغاني بسبب أنه فضل أن يسير على خطى الملالي الأيديولوجيا ذاتها وأصل الولاية واحد.
وبعدما كانت 3 ليرات تساوي دولار في عام 2016 أصبحت الآن 7.2 ليرة تساوي دولارا واحدا وأصبح صافي احتياطي العملة الأجنبية لدى تركيا سالب 13.4 مليار دولار وأصبح دين تركيا 170 مليار دولار، وسبق أن لجأت تركيا لصندوق النقد الدولي 19 مرة، لكنه هذه المرة يرفض أردوغان ويحاول أن يحصل على أموال من قطر ومن ليبيا، رغم ذلك مني اردوغان بنكسة مدوية في الانتخابات الأخيرة في 2019 وخسر خلالها أكبر مدينتين اسطنبول وأنقرة.
أكدت مصادر غضب أردوغان الشديد جدا من الهجوم على قاعدة الوطية ومن الأضرار التي لحقت بأنظمة الدفاع الجوي التركية، ولا زالت الاستفزازات التركية للتعرف على الرد الإقليمي والدولي فنشرت خرائط للوضع في ليبيا تظهر تحركات قوات حكومة الوفاق الموالية لها باتجاه مدينة سرت، وأظهرت الخريطة تمركزات عناصر فاغنر الروسية في خمسة مواقع يبدو أن إردوغان يود أن يحصل على صمت أمريكي إذا أراد احتلال سرت والهلال النفطي بحجة أن تركيا تواجه التواجد الروسي في ليبيا نيابة عن أمريكا، لكن أعتقد أن هذه اللعبة انتهى زمانها، وأعتقد أن هناك تنسيق بين روسيا وأمريكا وإلا لما دخلت الولايات المتحدة في مناورات مشتركة مع قبرص لأول مرة بعد احتلال تركيا شمال الجزيرة عام 1974.
هناك أيضا توافق أمريكي فرنسي خصوصا بعدما تحرشت القوات التركية بفرقاطة فرنسية في المتوسط أثناء مهمة التفتيش على حظر الأسلحة من جانب الحلف في البحر المتوسط، وتحركات روسيا لتأمين حقول النفط، ما يعني أن العالم جميعه ضد تركيا، ولأول مرة في التاريخ.
حتى أن وزير الدفاع التركي أكار التقى في 6/7/2020 الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية بالاتحاد الأوربي جوزيب بوريل وطالبه أن يتحلى الاتحاد الأوربي بالموضوعية تجاه تركيا،.
فيما طالب جوزيب أن على الجميع الالتزام بمخرجات مؤتمر برلين بما يتماشى مع نهج الأمم المتحدة والعمل على إعادة السلام إلى ليبيا مشير أن وزراء خارجية الاتحاد الأوربي سيبحثون الموقف من تركيا في 13/7/2020 بطلب من فرنسا ولم ينف احتمال فرض عقوبات جديدة من جانب الاتحاد على تركيا بسبب أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط.
فستكون خسارة تركيا بسبب تلك المغامرات متراكمة وستتحول إلى معاناة إيران وسيخسر اقتصاد تركيا، وكذلك يخسر أردوغان الانتخابات خصوصا وأن المعارضة التركية تدعو إلى التكاتف ضد حزب إردوغان.

لا تعليقات

اترك رد