المقام العراقي الموروث الغنائي لبلاد ما بين النهرين – الجزء الثالث

 

فرقة الجالغي البغدادي

الجالغي بالجيم الفارسية المثلثة ( هي كلمة تركية الأصل تعني – جماعة اللهو- وأصل التركيب -جالغي طاقمسي- أي جماعة الملاهي). (3) ولقد أشار حسين قدوري في موسوعَته الموسيقية إلى أن الجالغي تعني جماعة الطرب أو طاقم الموسيقى، ويبدو أن لفظة – جالغي- في نظر البغداديين كانت تعني حفلة غنائية تقام في الأماسي وفي مناسبات الأفراح، والأعراس، والختان وغيرها .  والجالغي البغدادي كما هو معروف ( فرقة موسيقية صغيرة تُصاحِبُ قارئ المقام تتألف من عازفي الآلات الموسيقية التراثية التقليدية-  الجوزة، السنطور، الطبلة، الرق، النقارة ولأن المقام العراقي نشأ في مدينة بغداد فقد سميت الفرقة بالجالغي البغدادي.  ويجب أن تتوفر في أعضاء هذه الفرقة الخبرة والمعرفة بأصول المقام العراقي وقواعده، لأنهم يقومون بأدائها عزفاً على آلاتهم الموسيقية ولإن القارىء يكون تابعاً في بعض الأحيان الى الفرقة ألتي ترسم له الطريق في الإنتقالات النغمية وهذا عكس ماهو معروف عن التخت في الغناء الشرقي الذي يكون هو تابعا للمطرب. لأن هناك بعض أركان المقام، وقطعه، وأوصاله يجب على العازفين الدخول بها أولاً قبل قارئ المقام إضافة إلى عزفهم أنغاماً كثيرة ومتنوعة متفق عليها بين قطعة وأخرى في هذه المقامات.(ويشترط كذلك في عازفي الجالغي أن يكونوا ممن يتمتعون بجمال الصوت وحسن الأداء لأن مهمتهم كانت تتعدى العزف الى ترديد البستات ألتي تغنى في نهاية كل مقام وذلك لمنح القارئ الأستراحة والتهيأ لغناء مقام اخر) (4).
ومن ناحية العلاقة بين مؤدي المقام والجمهور كانت علاقة تفاعلية حيث (كان قارئ المقام وأفراد الجالغي يجلسون في المقهى على محل مرتفع يشبه المسرح، وكان يتألف من عدد من التخوت* تُصفّ مع بعضها، ويوضع فوقها ألواح خشبية حيث يجلسون فوقها على شكل نصف دائرة)( 5)  ولا يصح أن يقف المغني او يقوم بحركات جسدية وتمايل اثناء الاداء (فكانت تعد عيباً وتقليلاً من هيبة المقام والمؤدي معاً، ويأتي ذلك من منطلق أن المقام هو رجولة، وقوة، وشموخ زيادة على ذلك كان لجلوس قارئ المقام بالقرب من أفراد فرق الجالغي يتيح له الاستماع إلى ملاحظاتهم ألتي يهمسون بها في أذنيه لفرط قربه منهم) (6).

( وكان أول من غنى في بغداد واقفاً هو قارئ المقام محمد القبانجي كما كان القبانجي من أوائل القراء الذين أدوا البستة إذ كان قراء المقام لا يؤدون الأغنية المرافقة للمقام (البستة)*، وذلك ترفعاً وسمواً لاعتقادهم أن المقام يمثل الرجولة والقوة، (7)
الصدى-المقام-العراقي-صورة

( ولليهود العراقيين دورا مهما في رفد الجالغي البغدادي بالعازفين منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحتى عام 1951م حيث هاجروا إلى فلسطين.  وكانت مهنة العزف على الآلات الموسيقية في فرقة الجالغي البغدادي من المهن والحرف التي تحتكرها* بعض العوائل اليهودية المحترفة في هذا المجال، حيث يتوارث الأبناء مهنة آبائهم وهذا ما كان معروفا سابقاً في العصور التاريخية القديمة كما يشير إلى ذلك د. صبحي أنو رشيد فيقول ( مهنة الموسيقي كانت في العراق القديم من المهن الفنية التي كان الأبناء يتوارثونها عن الآباء وكانَ من أشهر العوائل اليهودية التي عملت في مجال الجالغي البغدادي هي عائلة بتو Patao، وعائلة بصون Bassoun .) (8).

ومن المعروف تأريخياً أن العازفين اليهود تعلموا العزف على آلات الجالغي البغدادي على يد المسلمين وأخذوها عنهم كما يشير إلى ذلك الحنفي فيقول ( مما لاحظته من أمر المواسقة  والآلاتية في بغداد الذين عرفوا واشتهروا بالعزف على الجالغي البغدادي في القرن التاسع عشر الميلادي كانوا من المسلمين جميعاً ثم تراجعوا عن ذلك إلى اليهود) (9)

وكذلك الحال بالنسبة لصناعة هذه الآلات حيث تعلم اليهود العراقيون كيفية صناعتها وألموا بكل جوانبها الفنية حتى أصبحت حكراً لهم ، وفي أربعينيات القرن العشرين وما قبلها لم تكن في بغداد إلا محلات قليلة متخصصة في صنع آلات الموسيقى المحلية وتقتصر على بعض المحترفين وبعضهم من الهواة في صناعتها الذين احتكروا تلك الصناعة ومنهم بعض اليهود والأجانب المقيمين في بغداد(38)

(وقد كان لهذا الاحتكار نتائج واضحة ظهرت بشكل ملموس بعد هجرة اليهود إلى فلسطين عام 1951م حيث كانت فترة عصيبة موسيقياً في بغداد، لولا تدارك بعض الشباب العراقيين الفنانين في هذا المضمار فأعادوا لهذه الموسيقى رونقها، وأصالتها كما رفدوها بآلات العزف القليلة المتيسرة في ذلك الحين بعد غياب العازفين اليهود السابقين مع آلاتهم) (10)

مع الشاعر الكبيرمحمود دروبش 2001ويعود الفضل الأكبر في المحافظة على المقام العراقي، وفي إحياء فرقة الجالغي البغدادي بعد سفر العازفين اليهود إلى فلسطين وإسقاط الجنسية العراقية عنهم إلى عازف آلة السنطور الحاج هاشم الرجب بغداد 1921م-2003 م وعازف آلة الجوزة شعوبي إبراهيم بغداد 1925م-1991م، وعازف آلة الإيقاع حسين عبد الله الموصل 1905م-1982م وبتوجيه من رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي نوري سعيد باشا*.  ( لقد كانَ نوري باشا عاشقاً للمقام العراقي مُلِماً بأصول قرائته حتى إنه كانَ يقرأ البعض منها بصورة جيدة وكانَ لداره مقابل الإذاعة العراقية في الصالحية آنذاك دوره في تعمق هذا الفن   كان للفنانين الأستاذين شعوبي إبراهيم وهاشم الرجب دوراً كبيراً ومهماً في بقاء وإستمرار المقام العراقي وتخت الجالغي البغدادي إلى يومنا هذا حتى بعدَ رحيلهما حيثُ قدما عطاءً كبيراً لأكثر من نصف قرن ورفدوا الساحة المقامية بكثير من قراء المقام والعازفين ناهيكَ عن تأليفهم الكتب والبحوث والدراسات والشروح الخاصة بالمقام العراقي.) (11)

الصدى-الة الجوزة
آلة الجوزة

آلة الجوزة

آلة الجوزة آلة موسيقية وترية من عائلة الوتريات ألتي تعزف بواسطة القوس يعود تأريخها إلى العصر الأكدي 2350قم .سميت هذه الآلة بالجوزة لأن الصندوق الصوتي لهذه الآلة مصنوعة من ثمرة جوز الهند وفي العراق فقط تسمى بهذه التسمية، في مصر تسمى آلة الرباب العجوز وطريقة صناعتها تختلف أيضا في مصر عن العراق من حيث شكل الصندوق الصوتي في العراق يكون الصنوق الصوتي مفتوح من الخلف لذلك يكون صوتها ميالا إلى الحدة وكذلك فان أوتارها الأربعة هي نفس أوتار آلة الكمان ، أما في مصر فيكون الصندوق مغلق وأوتارها البالغة وترين من مصران الحيوانات لذلك فأن صوت الآلة تميل الى الرخامة والقرار.

وآلة الجوزة موجودة أيضا في إيران ودول أواسط وشرق آسيا ومنها أذربيجان أوزبكستان وطاجاكستان وأرمينيا وتسمى بالكمنجة وهذه التسمية فارسية وتعني الألة التي تعزف بواسطة القوس وكذلك في الصين واليابان ولكن تسمياتها وعدد أوتارها مختلفة بين وترين وثلاثة وأربعة حيث تسمى في الصين واليابان بآلة الآرهو أما في تركيا فتسمى القابغ كمانة كما ذكرنا أن هذه الألة تسمى في العراق فقط بآلة الجوزة لأن صندوقها الصوتي تصنع من ثمرة جوز الهند أما الزند الخاص بالآلة فتصنع من أخشاب متنوعة مثل خشب النارنج والسيسم والزان

السنطور

الصدى السنطور
آلة السنطور

السنطور آلة موسيقية وترية شبيهة بآلة القانون , ولكنها تختلف عن القانون في طريقة العزف. فالقانون يعزف عليه بريشتين مصنوعتين من الفضة تلبس في سبابتي يدي العازف اليمنى واليسرى، ثم ينقر بهما على الأوتار التي أمامه. السنطور فان العازف يأخذ بالضرب على اوتاره بمضربين صغيرين من الخشب, ويقوم بتبديل الأصوات بتحريك الحمالات التي تسند الأوتار وهي عادة مصنوعة من الخشب. تعتبر ان أول حضاره عرفت باستخدام السنطور هم البابليون الذين جسدو السنطور في ملاحمهم التاريخيه مثل ملحمه كلكامش. مع وجود رقميات نقشت عليها آلة السنطور.

يعتبر السنطور آلة مصاحبة للجالغي البغدادي والمقام العراقي, فله الدور الكبير في السيطرة على إيقاع الاغنية ونقل المفردات الموسيقية. مر شكل السنطور عبر الوقت فقد كان على شكل علبة مستطيلة ذات أوتار معدنية. تطور بعدها إلى شكله الحالي فهو الآن على شكل خشبة من الجوز وأوتاره من البرونز, وهي متساوية في السمك وعددها أثنان وتسعون وتراً.

كان لمؤسسة المقام العراقي وسيدة المقام فريدة في هولندا إلى جانب سفير المقام العراقي حسين الأعظمي الدور والأثر الأكبر لكي يكون المقام العراقي مع تراث 47 بلد آخر في العالم تقع تحت حماية اليونسكو وذلك من خلال مشاركاتهم في غالبية المهرجانات ألتي تعني بتراث الشعوب وتقديمهم لفن المقام العراقي على أشهر مسارح العالم وتعريفهم لماهية المقام العراقي من خلال المحاضرات الأكاديمية في معاهد وجامعات ومراكز ثقافات العالم الأمر ألذي دفع منظمة اليونسكو لأحتظان هذا اللون من التراث ويعد مهرجان الموسيقى الذى تحتفل به شعوب كل العالم رافدا مهما لالتقاء الشعوب والحضارات وفى التواصل الانسانى وبناء جسور التفاعل الثقافى عبر الموسيقى وبناء فضاء أوسع من التواصل بين الفنانين من مختلف الثقافات كون الموسيقى هى اللغة المشتركة فى العالم التى لا
تعرف الحدود.
الصدى-فرقة المقام العراقياقرأ ايضا: المقام العراقي الموروث الغنائي لبلاد ما بين النهرين – الجزء الاول
المقام العراقي الموروث الغنائي لبلاد ما بين النهرين – الجزء الثاني

الهوامش
التخت وهي من اللغة التركية وتعني قطعة خشب تعلو قليلاً عن الأرض .    
من الواضح أن العازفين اليهود احتكروا مهنة العزف على آلات الجالغي البغدادي ، وطريقة صنعها ، وأساليب العزف عليها كونها أصبحت مهنة عائلية اعتمدوا عليها في كسب رزقهم لأنها تدر مورداً مادياً جيداً لهذه العوائل فأصبحت سراً من أسرار المهنة لا يسمح بالإطلاع عليه من قبل الغرباء وإنما قاموا بتعليمها فقط لأبنائهم ليحافظوا على مكانتهم، كما يعترف بذلك اليهود أنفسهم إذ يقول ي.قوجمان في الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق ص65 أنه تميّز هذا الوسط الموسيقي ببعض الأنانية إذ إن هؤلاء الموسيقيين بخلو عادةً في نقل معلوماتهم إلى الآخرين رغبةً منهم بالاحتفاظ بسر المهنة لهم ولعوائلهم
ويرى الباحث أن السبب الأكثر أهمية هو أن العوائل المسلمة كانت لا تسمح لأطفالها أن يعزفوا على الآلات الموسيقية، لانهم يعتبرون عزف الموسيقى من المهن الوضيعة والمعيبة، لكنهم تعاملوا مع قراءة المقام من جهة علاقته بقراءة القرآن، ولهذا السبب احترموا المطربين. وكان معظم قراء المقام العراقي مجودين للقرآن في الوقت ذاته يعملون في الجوقة ألتي تقيم المناقب والأذكار النبوية.
*نوري باشا السعيد (*1888م-م1958) من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة : أبرز السياسيين العراقيين أثناء العهد الملكي. ولد نوري بن سعيد صالح بن الملاّ طه القرغولي في محلة   (تبة الكرد) بالقرب من ساحة الميدان وذلك بحدود سنة 1887 وقتل في سنة 1958 . ولد في بغداد وتخرج من الأكاديمية العسكرية التركية في إسطنبول، خدم في الجيش العثماني وساهم في الثورة العربية وانضم إلى الأمير فيصل في سوريا، وبعد فشل تأسيس مملكة الأمير فيصل في سوريا على يد الجيش الفرنسي، عاد إلى العراق وساهم في تأسيس المملكة العراقية والجيش العراقي. لقد كانَ لرئيس وزراء العراق دوره الكبير في الحفاظ على تراثنا الغنائي المعروف بالمقام العراقي من الإندثار والضياع. ففي عام1948 بدأت هجرة يهود العراق إلى فلسطين ومن المعروف أنَ ليهود العراق الأصليين دوراً كبيراً في الحفاظ على هذا الموروث العراقي الأصيل والإبداع فيه وهجرتهم في تلك الفترة كانت تعني هجرة المقام أيضاً. لذلك كانت النظرة المستقبيلة لهذا الفن الراقي من لدن نوري باشا كبيرة ورائعة في هذه النقطة وهو المولع جدا بفن المقام العراقي ألذي كان يعتبره جزأً من حضارة العراق. لقد عمَلَ جاهداً على تأخير سفر أفضل عازفين يهوديين هما عازف السنطور يوسف بتو وعازف آلة الجوزة صالح شميل كي يضمن تعليم وإستمرار فن العزف على الآت الجالغي البغدادي في العراق بعد مغادرة اليهود وبذلك يضمن بقاء وإستمرار هذا الموروث الموسيقي والغنائي داخل العراق. فكانَ أن دَرَسَ الأستاذ هاشم الرجب آلة السنطور والأستاذ شعوبي إبراهيم آلة الجوزة إلى أن أجادا العزف على هاتين الآلتين وبعدها غادرَ العزفان بتو وشميل العراق تاركين خلفهما إرث العراق الموسيقي والغنائي لدى عقول ومواهب كبيرة .

المصادر
(1)-   الاعظمي , حسين اسماعيل , المقام العراقي باصوات النساء , المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة اولى ، بيروت , 2005, ص27
(2)-   انظر كتاب – المقام العراقي – للحاج هاشم الرجب في طبعته الاولى 1961 و الثانية 1983 ببغداد       وكذلك كتاب – دليل الانغام لطلاب المقام – تاليف شعوبي ابراهيم خليل في طبعته الاولى ببغداد 1982.
(3)-   الرجب، هاشم محمد. المقام العراقي ، ط1 ، بغداد ، مطبعة المعارف ، 1961م ص 88 و89.
وتعني هذه الكلمات وهي أعجمية:
* أمان – للتذمر وتدخل في مقام البنجكاه .
*يار – يا وليفي وتدخل في مقام الرست. *يا دوست – يا حبيبي وتدخل في مقام الأوج
*يا دمن- تعني يا روحي وتدخل في التحرير لمقام الحجاز ديوان.
(4)-  الاعظمي , حسين اسماعيل , المقام العراقي باصوات النساء , المؤسسة العربية للدراسات والنشر,طبعة اولى , بيروت , 2005, ص45
(5)-  انظر الكتاب القيم، علم الفولكلور, لمحمد الجوهري. الجزء الاول ,طبعة 1988 عن دار المعرفة في .       الاسكندرية
(6)- العلاف ، عبد الكريم. الطرب عند العرب ، ط2 ، بغداد ، مطبعة أسعد ، 1963م ، ص139
(7)- حسين قدوري. الموسوعة الموسيقية، بغداد، شركة المنصور للطباعة المحدودة ،1987م، ص 104.
(8)- صبحي أنور رشيد. الآلات الموسيقية المصاحبة للمقام العراقي ، بغداد ، ، 1989م ص10.
(9)- الوردي، حمودي. الغناء العراقي، ج1، ط1، بغداد، مطبعة أسعد ، 1964م ص35.
(10)- الحنفي ، جلال. مقدمة في الموسيقى العربية ، بغداد ، دار الحرية للطباعة ، 1989م. ، ص34                         (11)-   الحنفي ، جلال. المغنون البغداديون والمقام العراقي ، وزارة الإرشاد ، السلسلة الثقافية الثانية ، بغداد ، مطبعة الحكومة ، 1964م ، ص 33.

لا تعليقات

اترك رد