جَماليَّة المَلمَحِ فِي أعْمالٍ إبْداعيَّةٍ قراءة لأعمال محمود فهمي

 

فنان عراقي سخر موهبته ومهارته ليشيد لنفسه منارة إبداعية مبنية على رؤية جمالية بأركان ومُسْحة خاصة ارتقت بمنجزه الإبداعي ليكتسب خصوصيته الفنية والجمالية ، وجعلت أعماله الفنية أعمالا مترفة برشاقة اللون وتناسق الخطوط ودقة تقديم وإخراج الملمح رائعا بألوان تحاكي الطبيعة بلمسات مبدع يعشق الجمال.

منجزه الإبداعي : مزايا ومميزات
وما يميز منجزه الإبداعي برمته ترابطه عبر رؤية مبينة على مد اواصر العلائق بين مفردات العمل الفني بصيغة تكاملية وبنيوية يعكس عناصر الوجود في صورتها التواصلية بشكل جميل ومتلائم ،صيغة لا يمكن التوصل إليها سوى ضمن خبرة عميقة وطول احتكاك بأدوات التشكيل. جهده يشبه ” الجهد الذي يبذله الشاعر لسبك النص ومد الجسور بين مفرداته وبناء علاقات ملائمة بينها،علاقات لا توقع القصيدة بأي ضرب من ضروب الفصام او التنافر في موقفها من الوجود او من الشاعر ذاته”1.
مبدع يعيش محلقا وراء أحلامه بانيا لرونق الحياة لينعش مشاعرنا ويوقظها لتعانق بهاء المرئي المفعم بالأمنيات.
نتصوره يساهر أعماله الفنية تحت ضوء مصباح أو تحت وهج الشمس محاطا بأصباغه وفرشاته وأقلامه يبحث عن عوالم الفرح لإنارة بعض من جوانب عالمنا الذي لم يخل حتى اليوم من زوايا الظلام والبحث عن الانعتاق. دأبه وهمّه عرض وجبات إبداعية تفتح أمامنا بوابات مشتهاة لتجاوب القلوب والأرواح في مراقي الإبداع.

لوحاته لا تحتضن سوى اللون بنصاعته ونقائه ولا تحتضن عشوائية الشكل والوضع ،سمة عامة جعلت من أعماله بساتين للعطر والبهاء ونقاء للفضاء، ليبقى هذا الفنان في طليعة الحاملين لمشعل الفن بشكل يتخطى الحدود ،وفي طليعة المُجِلِّين لرسالة الفن الباذلين لأوقاتهم وجهودهم من أجل التعبير عن الحاضر والمآل بشتى الأساليب والتقنيات الفاعلة في النفوس.
تأتي مفردات اللوحات التي ينجزها بضربات فرشاته وألوانه المبهجة أيقونات مفعمة بمعاني الحياة وبعناصر منسوجة بنسقية متينة في نسج المعنى لتقيم علاقة وِدّ وتفاعل حيوي مع المشاهد.
في كل أعماله يتبدى لنا الاحتفاظ الدائم على التناسب والوحدة والإيقاع والاتزان ،وهي الأساس الذي يفرض نفسه في كل عمل فني موسوم بالنضج الجمالي.

المرأة مصدرا للإبهاج والإطراب في أعماله الفنية
ما يلفت الانتباه في أعماله الفنية اهتمامه بالمرأة وإبرازها في وضعيات متنوعة يصاحبها جمال أخاذ محبوك بخطوط وألوان صافية وبنسب لونية وخطية دقيقة تجعلك تشعر بالفرح والارتياح…
المرأة في أعماله منبع للتعبير والتفكير والتأمل..يوردها جالسة بعينين تسافر بعيدا تبحث عن شيء ما ،أو جالسة تحفها فرحة وسعادة غامرة ،أو مطلقة لساقيها تغوصان في الماء،أو جالسة على سريرها تحسس شعرها وأجزاء من جسدها ،أو نائمة تحفها أحلام ترى إمكانية أو عدم إمكانية تحقيقها ،أو بدينة تتحدى الثقل فتحلق بعيدا لتثير الإعجاب والإبهار لمن يستبعد قدراتها الخارقة…
وفي كل وضعياتها تبدو بجمال متكامل مع الفضاءات التي ينتقيها الفنان ليجعلها ضمن ملمح متسق يفضي إلى جمالية ساحرة تطرب النفس والروح.

الجسد الأنثوي في أعماله مركز ونواة مشعة بدلالات مفتوحة تأبي الانحصار والاقتصار على فكرة محددة.
وفي كل وضعية تظل الأجساد النسوية ناضحة بما يثير الشهوة والاحترام في ذات الوقت ،إلا أن في بعض أعمال الفنان تأتي بصيغة سريالية حين يضع تفاصيل جسدها ضخمة ضخامة لا تخلو من إثارة وجاذبية ، وهنا نكتشف قدرة الفنان في التصرف الإبداعي بصدد جسد المرأة كموضوع أساسي لكثير من أعماله.
ويبدو تأثره الجلي بالواقعية الاشتراكية باعتبارها مدرسة تحتفي بالجمال ونقاء الألوان وهي تصور الناس بمختلف طبقاتهم وكأنها تصور مشاهد فيلمية تلامس همومهم وأحلامهم.
لقد ركزنا في مقالنا على جانب ثيماتي واحد في أعمال فهمي عبود في الوقت الذي نجد له كثيرا من الثيمات المتنوعة وبتقنيات مختلفة تعكس سعة خياله الذي يسعفه للإنتاج الجمالي والإبداعي بلا حدود ودون الانحصار في اتجاه وموضوع واحد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش :
1 ـ . القصيدة أم العالم، بثينة العيسي، مجلة البيان، العدد434، سبتمبر 2006، ص 74.

لا تعليقات