السؤال ليس أيّ المنهجين يختار الشعب، ولكن كيف ينتصر لنهج الأنسنة؟

 

بعد حوالي العقدين من الزمن عاشها الشعب العراقي في ظل سلطة كرّست تحكّم زعامات المافيا وحماية الميليشيات لذاك الوجود الكربتوقراطي وللانفلات الأمني وسطوة بلطجته على الشارع ومجمل الأوضاع العامة والخاصة؛ بعد كل تلك الرحلة المضنية من الآلام والمعاناة ومن جراحات فاغرة أصابت الشعب وحركته التنويرية بمقتل، بات التساؤل السائد لا يكمن في استطلاع رأي ملايين الذين تم إفقارهم واستلابهم الحقوق والحريات في النظام الذي يتحكم بمصائرهم وحيواتهم كرهاً وعنوة إذ لا يُسأل المرء أيختار عبوديته واستغلاله وابتزازه أم لا!؟ ولا يُسأل الفقير أيحب فقره أم لا!؟ ولا يُسأل: أيقرّ نهج استغلاله وابتزازه أم لا!!؟ ولكنه وقد عانى من النظام ونهجه الهمجي الوحشي في التعامل معه، من المؤكد وصل لقناعة نهائية برفض هذا النظام والسعي لتغييره ومنهجه…

السؤال حتما وقطعاً لا يكمن في تخيير المظلوم بين ظالمه والتحرر منه ولكنه وقد توصل لاكتشاف من يظلمه ويواصل استغلاله بات يبحث عن إجابة سؤال آخر، غنه سؤال: كيف يمكنه إزاحة الظلم والظالم؟ وكيف يمكنه الوصول لاختياره بديل التغيير الكامن في الانعتاق والتحرر من نظام كليبتوقراطي مافيوي فاشي ميليشياوي؟

إن انكشاف الجريمة والمجرم جاء عندما بلغ السيل الزبى في درجة الاستغلال من نهب وسلب ترتكبه القوى اللصوصية المتحكمة ونقول المتحكمة لا الحاكمة لأنها تتجسد برعاع من لصوص الزمن الأردأ من أميين جهلة لا يفقهون في الحكم أمراً.. ولا عجب أنّ مثل هذا هو ما جعل وجودهم يعتمد كليا ونهائيا على منطق همجي وحشي لا يضارعه إلا زمن (العبودية) وما كان يُرتكب بحق الإنسانية من جرائم تستهتر بوجود الإنسان وحقوقه وحرياته.. إنّ مجموعات الزعرنة الإرهابية المنفلتة من كل الأعراف والقوانين تتحكم بالإنسان بمنطق من يُسمع له نأمة أو صوت يُشتبه بتهديده لسطوتهم تتم تصفيته كلياً…

هذا النهج، لا يحتاج بل لا يقر أيّ إمكان لسؤال مواطنة أو مواطن إن كان سيختاره أم لا!؟ فلا منطق في مساءلة جريح إنْ كان سيقرّ لمن طعنه بمقتل ما ارتكبه بحق وجوده الإنساني!!؟ أو بأبسط الحقوق: حقه في الحياة ومن ثمّ في أنْ تكون حرة كريمةً!؟ ببساطة ما يجري في العراق بحق الشعب وملايينه هو جريمة إفقار تلك الملايين وممارسة نهج الاستبداد بحقها، ليس اكتفاءً بنهب ثروات بيتها وطنها العراق بلصوصية وضيعة لا ترعوي لقانون أو ضغط موقف بل تتمادى لتفرض قسراً استعبادها كل حي على تلك الأرض منزوعة السيادتين الداخلية والخارجية…

حوالي العقدين من مرارة الاستغلال والاستعباد والاستبداد يُنهون أيَّ مساءلة لها بمجرد ادعائهم و\أو إسقاطهم القدسية الدينية بل تمثيل الإله على الأرض على أنفسهم وبين مرجعية مزيفة وأتباعها فإنَّ كليهما من سوقة القوم ورعاع الزمن الأغبر ممن أكره الناس على تجرع سطوته بالإكراه.. لكن إلى متى؟ وقد وصل الأمر حداً لم يعد يخسر المرء شيئا في التصدي للجريمة والمجرم فحتى حياته تحت ذل الاستعباد!؟

لقد قرأ المواطن المبتلى الوضع برمته.. فالنهج اللصوصي المافيوي وضع البلاد والعباد على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً ومن ثمّ الأكثر فشلاً واستكمل النظام الاقتصاسياسي الريعي منظومة وجود ((الكليبتوقراطية)) منهجاً متحكماً بكل مفاصل الحياة.. فصارت زعامات الزعرنة المافيوية (السياسية) تقتسم الوزارات والمؤسسات ليدير كل ما يسمى (حزباً) من شلل الجريمة أحدها بوساطة ما سُمِّي اللجان الاقتصادية وبين التشغيلي المنهوب عبر بوابات تعدد الرواتب والفضائيين والأتاوات والكومشنات وبين ما يُسمى زيفا الاستثماري مما يمرر نهباً من لون آخر بطريقة آلاف المشروعات الموجودة اسماً والمختفية بلا تنفيذ!! ولا حسيب ولا رقيب والأختام الرسمية تحت تصرف رأس المافيا وبالمحصلة لا صناعة ولا زراعة وما يكافح ليبقى يتم إحراق منتجه أو نهبه و\أو ابتزازه فيما أنتج!!!

الأنكى، أنّ من تحكم بالسلطة ومسميات حكومات ومجالس محافظات وأقضية ونواب تعاقبت جميعا بعبث ما جرى في بلد ولا جمهورية موز أو عوز… فلقد صمتوا بموقف مفضوح على تحويل ملالي الشر والجريمة ونفايات الأرض لأكثر من أربعين رافدا ونهرا ليقطعوا أمواهها عن البلاد ومرروا جريمة أرعن إسلاموي آخر بوضع سدود قطعت دجلة والفرات حتى كادتا أن تجفا بضياع الحصص المائية ولا من ينطق ببنت شفة!

أما التسلح والتدريب فلقد منحوه لشراذم ميليشياوية هي الأخرى منحوها حصانة القدسية الدينية والانتماء الشعبي وجمهور زعاماتها وأعضائها بأغلبيتهم الساحقة هم من حثالات أمية جاهلة همها إشاعة الرعب وتنفيذ أوامر من خلف الحدود دائما كانت ضد الشعب ومصالحه، ضد حقوقه وحرياته، حداً تصفويا سافراً ودمويا وحشيا لا يرعوي…

فيما كانت عقود الجيش بكل أنماطها ينخرها الفساد حد قعر الهاوية وحد ضخ فضائيين بعشرات الآلاف ووحدات وسرايا عسكرية بلا وجود! والنتيجة تمكين شراذم ميليشيا منفلتة بلا ضابط ولا رابط.. تستغل مركبات \ عجلات الحكومة وما أُتيح من أسلحتها لتهدد وتبتز من يقف بوجهها أو يتلكأ في تنفيذ فرماناتها السلطانية المنزلة من وكيل الله الدعي المزيف…

هذا هو المنهج المتحكم بالأوضاع ولعل ثورة أكتوبر 2019 التي دامت لستة أشهر ومازالت حية بمعانيها وإرادتها دليل على ما افتضح من تلك الملامح وطابع نهجها وما لم يمر ذكره هنا..

سؤال الشعب كان ومازال يتجسد في كيفية متابعة الثورة والانتصار لمنهجها البديل؟ ليس حيرة خيارين ولكن إمعاناً في أنجع دروب الخلاص والانعتاق، بمعنى البحث عن أسس اتفاق جمعي شعبي لقوى التنوير والتغيير وتحالفها الأشمل والأنجع ببرامج اشتغال ثورة الشعب وحسمها المعركة مع قوى الغيلة والغدر المافيوية الميليشياوية…

كيف!؟

إنّ الأوضاع السائدة وتوازن القوى على الرغم من أنه حُسم للثورة الشعبية ولكن قوى النظام استطاعت من جهة المناورة التي اعتادتها بإعلان التراجع والاعتذار عما اقترفت وأبعد من ذلك أطلقت وعوداً بمطاردة الفاسدين وجناة الجرائم وكأنّ من أفسد هو موظف صغير في ذيل قوائم التوظيف استطاع أنْ ينهب لوحده أو مع شلة هامشية صغيرة جميع موازنات الدولة منذ 2003 وهي الموازنات التي فاقت ترليون ونصف الترليون!!!؟ من جهة أخرى لم يكتفوا بالمناورة ودجل أباطيلها بل استغلوا أجواء كورونا ليطووا صفحات الثورة ويضعوها طي النسيان مغفلين أثرها وما وصلت إليه سواء من إسقاط حكومتهم الأخيرة أم بفرض تشكيل حكومة مرحلة انتقالية بما يعني الالتزام حتما بشروط الثورة والثوار ومطالبهم، وإلا ما معنى حكومة مرحلة انتثالية إن لم تكن تغليب شروط بالمفهوم القانوني وليس مجرد مطالب على اية قوانين فرضوها عبر مجلس نواب مدار من زعامات والكصكوصة التي يرسلونها…

كيف!؟

إن الثورة التي استطاعت فرض إرادتها بإسقاط حكومة وتشكيل بديل يهيئ لانتخابات مازالت قادرة على متابعة فرض إرادتها لإعداد انتخابات عادلة نزيهة.. حيث لا انتخابات من دون شروط إجرائها المتمثلة بـ: مفوضية لم يعترف الشعب لها حتى تتشكل على وفق منطق الثورة وشروط الثوار.. وقانون انتخاب تقره الإرادة الشعبية لا مجلس جاء بالتزوير والتلاعب والعبث بإرادة العراقي وطبعا نؤكد هنا أن الشعب يرصد بتمعن المجريات وإن تطلب الأمر ثورة جديدة فستندلع بصورة لم ترها قوى الفساد من قبل وإن أريد تجنب ما تعنيه الثورة فلتذهب الحكومة إلى إجراءات فاعلة لا تتنازل عن حل مجلس النواب إن تطلب الموقف لاستكمال أبرز شرط يتجسد في حل الميليشيات كل الميليشيات وإن خاضت الحكومة حرب تصفية لشراذم الموت من وكلاء الولائية و\أو الأجنبي…

إذن، فإجابة كيف؟ تكمن في فاعلية حكومة ظهرها الشعب وضغطه على قوى المافيا وزعامات النظام الذي تكرس منذ 2003 وإلا فإن كيف ستتحول إلى منطقة أخرى أما بحل مجلس النواب أو بسلطة الشعب نفسها ..

وكي نتجنب مزيد خسائر ومشاغلة يجب أن تتحد قوى التنوير اليوم بل كان المفترض أمس ولكن أن تأتي خير من أن تتأخر أو لا تأتي! ووجوب عقد مؤتمر الوحدة الوطنية لقوى الديموقراطية وأركانها: اليسار الديموقراطي، الليبرالية والقوى القومية التقدمية بالتركيز على اختيار قيادة موحدة تمثل جميع هذه الأطراف بلا تردد وكل من يتلكأ عن دخول مؤتمر وحدة قوى التنوير والتغيير يُعزل عن الفعل الشعبي … أما برنامج العمل فهو ذاته للمرحلة الانتقالية ولكل هذه الأطراف أن تتفق على برنامج الإنقاذ الوطني..

هل بقي من أمر غير واضح المعالم في استراتيجية الاشتغال والفعل الشعبي منذ الآن حتى إقرار سلطة الثورة المنتخبة ببرلمان من هيأتيه للنواب والاتحاد أو النواب والشيوخ؟

الأمور التفصيلية ليست عقدة إن نفذنا الخطى الاستراتيجية ومن يهمل قضية وجود قيادة وطنية وبرنامج عمل للتنويريين إنما يخدم الثورة المضادة ويخضع لابتزازها ولدفع العراق لانهيار كارثي شامل!!

وكل الأطراف تتحمل المسؤولية فلا تتخلفوا عن وعي الشعب ومطلبه الرئيس الاستراتيجي وإلا فلات ساعة مندم!

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر والقدر العراقي مصير الشعب حرا مستقلا يطرد الميليشيات ومنهج أباطيلها وأضاليلها ويبدأ رحلة البناء والتنمية وستتشكل اليوم أحزاب التنوير البديلة رافضة قوى الطائفية ومعها كل المتلكئين لأي مبرر دفعوه…

ألا فلنكن بمقدم الصفوف ننادي:

تفعيل حكومة مرحلة انتقالية بشروط الفعل القانوني لتحضير ناضح للانتخابات..
وحدة قوى التنوير والتغير وإنجاز قيادة وطنية بمستويين سياسي وتقني تخصصي من العلماء…
مباشرة كل الخطى المرسومة لإنتاج مفوضية انتخابات وقانون انتخابات مع حل الميليشيات وفصل الدين عن الدولة ومنع توظيف المال السياسي الفاسد..
إنجاز الركائز الاقتصادية الاستثمارية والخدمية فورا بمخطط استراتيجي تتحمل استكماله وإنجازه الحكومة المنتخبة
على أن يبقى الثابت الرئيس ألا انتخابات بوجود قوى البلطجة التي تحكمت منذ 2003 حتى اليوم

فهل وصلت رسالة صوت الشعب الحر أن قضية الاختيار تم حسمها ولا مناورة تعود بنا للوراء مطلقا وأن السؤال اليوم هو كيف نبني الانتقالية ونحضر لعراقنا الجديد الحر المستقل ودولة علمانية ديموقراطية تعنى بالحقوق والحريات وأنسنة وجودنا؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد