جِنَاسٌ بَيْنَ “تِينٍ” وَ”وَتِينٍ”

 

كنت منذ أيّام حيّيت أصدقائي النّصوص الّذين رافقتهم في تجربة تحدّي القراءة، زمان الحجر الصحّي، الّتي غنمت منها “شذى الزّهرة يدلّني على ألوان الرّبيع، وقطرة الطّلّ تُظْمِئُني إلى دفق الينابيع، وتغريدة الطّائر يحملني إلى رحب السّماء”. وما مضى يوم أو يومان حتّى زارني أبي الّذي جلست إليه تلميذا قوّم اعوجاج خطّي، وأجرى العربيّة على لساني وهو يمتحنني في نحوها وصرفها آنًا في مدرسة الطّيّب المهيري الابتدائيّة وطورا في رحاب البيت.

أذكر أنّه حين كان درسُ القراءة كانت الوبريّة بساطنا السّحريّ إلينا.

أتذكرون الوبريّة؟

لوحة من وبر على لوحة من خشب، تقوم على صفحتها مجسّمات تقولنا، تثيرنا،

تُخيّلنا، نتراءى فيها، تطير لها أخيلتنا،

تنبجس لها جملنا وأقاويلُنا.

كانت – ولعلّها لم تزل-“عوالمنا الممكنة”.

كانت نصوص القراءة نوافذ نطلّ منها على المناسبات والفصول الّتي توقّع حياتنا، وعلى مشاهد نحن أبطالُها في الحياة ونصير شُهّادَها في القراءة وتصير النّصوصُ مرايانا الّتي نتراءى فيها فتدعونا صورُنا المنعكسةُ عليها إلى الإعجاب بهيأتنا والاطمئنان إلى سَمْتنا أو إلى تعديل وقفتنا أو إذكاء وهج حضورنا أو الاستدراك على ما جنح منّا.

كنّا نقرأ النّصوصَ ونحياها، وكان زمانُ القراءة موافقا لزمان التّجربة إذ نشهد في الزّمانين “يومنا الأوّل في المدرسة” و”الأثلام الّتي ثلمها سالم بمحراثه في الأرض” و “ليلة شتاء” و “جني الزّيتون” و”قدوم الرّبيع” و”40 يوما من رمضان” و”ليلة المولد النّبويّ الشّريف” و”الصّيف” و”الحصاد” و” يا بحر” و”حفلة مدرسيّة” و”العطلة النّهائيّة”.

كان الزّمان المدرسيّ موافقا للزّمان الاجتماعيّ وكان التّلميذ إذ يقرأ النّصّ يطالع واقعه ويقف عند ألوان من الحياة ومن الصّلات بين النّاس والجماعات والكائنات.

كانت القراءة فعلا متعدّيا إلى فعلِ الكتابة وفعلِ البوح تعبيرا، وكانت مشروعا مفتوحا على شتّى المقروءات: اُنظر توقيعَ المؤلّفين بمقدّمة الكتاب المدرسيّ الّذي قبست لكم منه تلكم الأقباس:”من القراءة إلى التّعبير” للسّنة الرّابعة من التّعليم الابتدائيّ. منشورات دار العلماء. تونس:” اعتماد طرائف وألغاز ووثائق مختلفة في محتواها وفي أسلوبها وفي نوع كتابتها حتّى تخرج بالتّلميذ من نصّ القراءة إلى ما هو شائع في الحياة العمليّة من ضروب القراءات”.

تطلّع إلى مكتبتي وقال لي:

” سأخصّص وقتا لقراءة القصص والرّوايات فعليك منذ اليوم أن تتخيّر لي عنوانين إن أتممتُ قراءتَهما أعرتني غيرَهما”. ثمّ أضاف مبتسما: “سألتزم بشروط الإعارة: أعيد الكتب في الآجال المحدّدة”.

وقفت واجما وقد ضاعت كلماته في جوانحي ضَوْعَ الطّيوب مواسمَ القرب والتّجلّي، وقد شردت عيناي تلاحق أحرفا عِينًا كان علّمنا سرَّ جمالها، وقطوفا من قصص أغرتنا ببساتينها.

هذه المكتبة الّتي تروي كتُبُها قصّةَ الدّرس والحياة في اختلاف أطوارها وتعدّد أنشطتها، وهذه الكتب بين تالد وطارف الّتي تهجع خلف عناوينِها أزمنةٌ وألوانُ عمر وتتراءى لي فيها مدرسةٌ أو جامعةٌ اختلفتُ إليهاـ ومجالسُ فكر أهدتني صيدَ خواطرها، وأصدقاءٌ نصوصٌ أظلّني وارف حرفهم. وتيك الكتب الّتي تحدّث ألوانُها الحائلةُ وأوراقٌ منها مطويّةٌ أطرافُها والخربشاتُ عليها حديثَ الألفة والسّهر وحديثَ البحث والنّصب، كلّ أولئك رَيْعُ بذرةِ شوق أَوْدَعْتَها، يا أبي، الحنايا، وديمة حرف غازلتْ مدادَه شموسُك فأخصبت له الرّوح.

القصص والرّوايات! الماء نسغ دلاليّ واحد يجري في الرّواية وفي الحياة “هو راوٍ من قومٍ رُواةٍ، وهم الذين يأتونهم بالماء فالأصل هذا، ثمّ شبِّه به الّذي يأتي القومَ بِعلمٍ أو خَبَرٍ فيرويه، كأنَّه أتاهم برِيِّهم من ذلك” (1) وقد كنتُ كتبتُ عن الحكايا التّي تؤكل فالآن أحدّثكم عن الحكايا الّتي تُروِي عطش الصّادي، وعن لذّة الحكي الّتي تعادل لذّة الحياة؛ الحياةِ المليئة بالنّاس والأشياء، المسرودة بالوجع وبالأمل، المفتول حبلُها بالوقائع والأخيلة.

تقرأ الرّواية فتمتلئ بالشّخصيّات ترى بعيونها العالمَ، عالَمَك المنعكس على صفحة العين، تنغمر في أحداثها يحملك المشهد إلى المشهد، ويفتنك في المشهد التّفصيل الصّغير عن جُملته ولكنّه سِرُّ جُملته كما يفتنك الخال في الوجه الصّبوح، تجلو الشّخصيّاتُ صُورَك الشّتّى ظاهرَها وخفيَّها، مشهودَها ومُمْكنَها، في تقلّب أحوالك وتصرّف أزمانك وشهيّ أفنانك.

تقرأ الرّوايةَ فتذكو فيك الفكرةُ قَرَّبَ مُجتناها عقلٌ ثَقِفٌ، وتصبو فيك أشواق أهاجها حرفٌ واجد، وتملأك أصواتٌ هي صدى نفسك: بَوْحُك الّذي ضننت به، ضعفُك الّذي غالبته وداريته، أهواؤك الّتي تنكرها وتعرفك، شُهَاك الّتي قضيتَ حسّا تستأنفها معنى وتلك التّي ما قضيت تستدركها جوسا في ثنايا الكلام.

الرّواية كثافة حضورك وتعدّد صورك وحريّة العبور في المكان وفي الزّمان…

تتخلّل الرّوايةُ فِطَنَك وحسَّك وإحساسَك كما يتخلّل ماء الحياة كونك وكيانك، وإنّك لتصيب من الحكيّ ما تصيب من الماء من ريّ. وهل كالحكي يُطْفئ حُرَقَ الأسئلة؟ وهل كالحكي تنبجس لأسئلته عيونُ الفِكَر؟ أَعْلَمُ – يا أبي- أَنَّكَ تطلب بالرّواية سوانحَ قريحةٍ ترتفع بها عن بوارح نفوسهم، ويَا لُطْفَ مَا عَرَجَتْ بِهِ فِي الْمَدَى أَلِفُ!

وإنّك لتعلم – يا أبي- أنّ أوّل مكتبة ارتدتُ مكتبتك العامرة بالآداب، حيث اكتشفتُ طه حسين والمنفلوطيّ وكرم ملحم كرم وجرجي زيدان… وأنّي وقفتُ على أقْبَاسِك من كُتُبٍ قرأتَ جمعتَها في كُرّاس، هداني إليها فضولٌ استقصى النّظرَ في أسفارك وأوراقك، ولعلّك تعلم أنّي عرفت في خطّك الموشوم على صفحة الكتاب الأولى نسبا لك به أصيلا فأنت صاحبه:” لصاحبه أحمد بن الشّيبانيّ بن رحومة المليّح”، وأنّي انتسبتُ إليه

كما انتسبتَ فوضعتُ اسمي حذاءَ اسمك على صفحته الأولى. وكيف لا أنتسب إلى الكتاب وقد أَعْدَانِي شغفُك به ولم يزل يحفّنا ما انعقد المجلسُ، فأنا مثلك صاحبه.

أذكر أنّني في السّنة الرّابعة من التّعليم الثّانويّ أو نحو ذلك صحبت “كرم ملحم كرم” في روايتيه “قهقهة الجزّار” و”وامعتصماه”، وأنّي راعتني طلاوة أسلوبه وجدّة معجمه، واستوقفتني عباراتٌ وجدتكَ أعلمتَها بالسّطر حينا وبوسمٍ وضعتَه إزاءها على هامش الصّفحة طورا. استشعرت بلاغتها وإن عسُر عليّ فهمُ بعض مفرداتها فحدّثتك في ذلك فأبنتَ غامضها وجلوتَ ما حُجب عنّي من حسنها وكنتَ منذئذ مُنجدي الفصيح.

وإنّي لأختلف إليك في مكتبتك الّتي تطلّ من سُور منزلنا فأشهد حوارا لك مع أجنحة الطّفولة تطلب لأحلامها أقلاما ولسمائها ألوانا ولعالمها السّحريّ حكايا في مثل سحره، أجنحةٍ أنت من علّمتها أن تكون لها سماءُ تطيرُ إليها. فإن آبت تلكم الأجنحة إلى مدارسها وجدتُك في مجلسك إلى مكتبك فيها تطالع أسفارا مَهيبةً تُحَدِّثُ عن مَحْتَدِ علم وعرفان، أو تقرأ فصولا من “المدرسة المفتوحة” وهي مجلّة تربويّة ثقافيّة تعود إلى سبعينيّات القرن الماضي يُشرف عليها علم من أعلام التّربية في ذلك العهد وهو رجلها الفذّ محمود الشّبعان، أخبرتني أنّها كانت عون المعلّمين المبتدئين تأخذ بأيديهم؛ تعينهم على اجتياز مناظرة التّرسيم وقد حفلت ببحوث ومقالات في قضايا المدرسة التّونسيّة وخواصّ التّعلّمات، وجديدِ البرامج وآفاقِ التّطوير والتّجويد يُحبّرها باحثون ومتفقّدون، عهدٍ يُقدَّسُ فيه العمل لبناء الدّولة التّونسيّة. وحسبك دليلا على ذلك الشّعار البديع الّذي يطالعك أوّلَ الغلاف: “إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكْرِمَنِي فَدَعْنِي أَعْمَلْ”. شعار ينقلك إلى زمان غير الزّمان، فإذا صحوتَ على واقعك استوحشت، أو وجدتك تصيد خواطرَ لك بعثها بَصَرُ التّفكّرِ.

أغشى مجلسَك فتدعوني إلى مشاركتك قطوفا ممّا تقرأ:” من روائع الأدب البيداغوجيّ” أو نادرة نضحك لها ونحن نجلو باعث الإضحاك فيها، أو بيت شعر نتدبّر معا معناه، أو وجها من وجوه الإعراب نبحث في علّته…

الكتاب قصّة كاتبه كيف انتهى كاتبا؟، والكتاب قصّة قارئه كيف انتهى قارئا؟ والكتاب قصّة الحرف إلى الحرف والكلمة إلى الكلمة والجملة إلى الجملة والفقرة إلى الفقرة والنّصّ إلى النّصّ، والمكتبة قصّة الكتاب إلى الكتاب.

وهذه المكتبة الّتي جئتَها مستعيرا أنت – يا أبي- كتابُها النّفيسُ، ومكتبتُك الّتي جستُ خلالها طفلا وَتِينُها الّذي أمدّها بالمداد وبالحياة، فكيف تطلب ما هو إليك؟

إنّك لا تطلب القصّة الّتي في الكتاب بل تكتب قصّتنا مع الكتاب، قصّةً أحيا بها وتغذوني. وذاك هو التّحدّي. ليس التّحدّي أن تقرأَ الكتاب بل التّحدّي أن ينجع فيك الكتاب وأن يكون مدادُه نَجُوعا ينمو في عقلك وروحك وجسمك.

كانت تينتي الأثيرةُ قد حَبَتْنَا بــ”بيثرها”.

-اختر لجدّك طبقا من التّين تَخَيَّرْ مُفْرَدَاتِه.

وأنا أَهُمُّ بمواصلة الكتابة طرق مسمعي جرسُ الجناس بين “التّين” في المخاطبة الأخيرة و”الوَتِين” في فقرة سابقة، وذكرت رأي الجرجاني في التّجنيس إذ يقول:” إنّك لا تستحسن تجانس اللّفظتين إلّا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا” (2). وإنّي أرى في الوتين “هذا الشّريان الرّئيس الّذي يغذّي جسم الإنسان بالدّم النّقيّ الخارج من القلب” يستسقي من الفؤاد فيسقي العروق كلّها جماعَ العبارة عن قصّتي وأبي مع الكتاب حين زارني، وإنّ لهذا المعنى في “الوتين” نسبا إلى معنى في “التّين” يرتاح العقل لتناسبهما في اللّفظ؛ فانظر إلى شجرة التّين تر غُصْنَيْنِ: غُصْنًا عَهيدا به قوّة واشتدادٌ يحمل باكورةَ الثّمر وَعْدًا بذاك الطّبق المشتهى (البيثر)، وغصنا جديدا غضّا رطيبا قد اتّصل بالأوّل اتّصال الفرع بأصله ونشأ عنه كما ينشأ الخلف عن السّلف يحمل فاكهة الفصل. غصنان التأما والتأم فيهما زمانان تالد وطارف التآمه في الآباء وبنيهم، جَنَاهُمَا فاكهتان أُولاهما ألقحتها الأيّام واللّيالي فما احتاجت لقاحا وثانيتهما مفتقرة إليه حتّى تينع وتطيب.

وكان للتّين بين يَدَيْ أَبِي رِوًى كما يَرْوِي الوتينُ.

(1) انظر مادّة (ر و ي) في مقاييس اللّغة.

(2) أسرار البلاغة. عبد القاهر الجرجاني. دار المدني بجدّة. ط1. 1991. ص 7

لا تعليقات

اترك رد