الأسلوب الفني عند جبرا إبراهيم جبرا

 

يشير (هيجل) إلى أن الأسلوب هو ما به تكتشف شخصية الذات التي تتظاهر في طريقة التعبير عن نفسها أو هو نمط الأداء أو التنفيذ الذي يأخذ في اعتباره شروط المواد المستخدمة وكذلك متطلبات التصميم والتنفيذ. والأسلوب أيضاً يمثل شخصية صاحبه تمثيلاً صادقاً، من خلال تلك المنطلقات الفلسفية والفكرية التي أصبحت ملازمة للتفكير في إيجاد رؤيا جديدة لعرض النتاج أو المنجز الفني، فان الوصول إلى تحديد أسلوب ذاتي في الرسم أو النحت أو العمارة وغيرها من الفنون البصرية المهمة، يصبح الفنان بعدئذ صاحب طريقة ترتيب وتشكيل لأشكاله وعناصره المتميزة التي تتبع شخصيته وأهوائه. ويمكن للمتتبع أن يجد ذلك في أساليب الفنانين العالميين كل بحسب المدرسة الفنية التي برع بها وعمل بفكرها، إذ نجد أن التكعيبية قد تجسدت في أعمال الفنان (بابلو بيكاسو)، والسريالية قد تجسدت في أعمال الفنان (سلفادور دالي)، والتجريدية قد تجسدت في أسلوب عمل الفنان (بيت موندريان) وغيرهم.

يشير جبرا إبراهيم جبرا حول تأثره بالفن الغربي لاسيما أيام دراسته في المملكة المتحدة ، إذ يقول ((من الفنانين الذين اكتشفتهم وافتتنت بهم، أيام التلمذة في جامعة كامبردج، النحات البريطاني (أريك غل) رأيت قطعتين أو ثلاثاً من منحوتاته الكبيرة في لندن، ثم وقعت في يدي مجموعة من تخطيطاته العارية، ووجدت فيه تميزاً في النقاء، في الموقف، في الأسلوب، جعلني ابحث عن أعماله، أو صورها، وابحث عن كتاباته بشغف. وقد أحسست انه فنان يكاد يرفض أن ينتمي إلى زمانه، مصراً على مفاهيمه التي يستنبعها من رؤاه الخاصة بتجربته الداخلية وفلسفته الذاتية)).

من خلال ما تقدم فقد كانت لجبرا إبراهيم جبرا الفنان الرسام المتفرد أسلوبه الخاص في إبراز الإمكانية الفنية العالية في الأداء والتنفيذ، فهو الفنان الممتلئ من تجارب الغرب، والقادم إلى العراق محملاً بتلك الثقافة الكبيرة التي أسهمت في بناء شخصيته الفنية الجديدة، ولاسيما أن الفنان جبرا إبراهيم جبرا كان احد الفنانين الذين حضروا المعرض التأسيسي لجماعة بغداد للفن الحديث الذي أسسه الفنان العراقي الرائد جواد سليم كان ذلك يوم 21 نيسان عام 1951م، وهنا يستذكر جبرا إبراهيم جبرا تلك اللحظات قائلاً: ((كان جواد سليم قد أصر، رغم تمنعي بادئ الأمر لأنني لست رساماً محترفاً، ولأنني فلسطيني، على أن أساهم في ذلك المعرض بلوحاتي الزيتية، وجاء ألي شقتي ليأخذها بنفسه في سيارته الصغيرة، وعملنا كثيراً، ومعنا شاكر حسن آل سعيد وقحطان عوني وآخرون، لجعله معرضاً يلفت النظر. وكانت إحدى لوحاتي الست فيها تمثل ثلاث قرويات فلسطينيات، رسمتهن أيام 1948م الشاقة في بيت لحم، وقد جلسن أرضاً بأثوابهن الزرقاء والخضراء والحمراء حول سلة الفواكه، وهن أشبه بثلاث ربات للكبرياء والبقاء الأبدي، ثم أعدت العمل على اللوحة بالمزيد من كثافة الأصباغ بالفرشة والسكين في أوائل عام 1951م)).

لعل الانطلاقة الأولى والحقيقية لجبرا إبراهيم جبرا كانت بهذه اللوحة التي تميزت بنوع من الاتساق والاندماج بالمكان، (الفنان / علاقة مع / الأرض- الوطن)، ليتجلى الوطن بكل ما فيه من مفردات اجتماعية تناغمت مع رؤيته للواقع الافتراضي الذي يعيشه الفنان في مكان آخر وبتقاليد ومراسيم اجتماعية تختلف الاختلاف كله عن بيئته ومكانه الحقيقي رمز انتمائه وذكرياته الراسخة. فالسوق الشعبي آنذاك حاضر في مخيلة جبرا إبراهيم جبرا من حيث طبيعة المكان وبساطة الهيئة، فضلاً عن أزياء النساء المحلية التي تعكس البيئة المحلية والاجتماعية لبيت لحم بشكل خاص، والحياة اليومية لفلسطين بشكل عام. أما القضية الجوهرية التي شكلت نقطة انعطاف مهمة في مسيرة جبرا إبراهيم جبرا الفنان والرسام الفلسطيني الذي دخل إلى مجموعة تختلف عن بيئته ومعتقداته ونشأته الأولى، ليكون احد الأعضاء المهمين والمؤسسين لجماعة بغداد للفن الحديث بأسلوب فني خاص تميزت به هذه الجماعة الفنية العراقية المهمة التي كانت منافسة في الفكر والتقنية لجماعة الرواد التي أسسها الفنان العراقي فائق حسن مع العديد من الفنانين العراقيين الرواد ومنهم أكرم شكري، نوري مصطفى بهجت، خالد القصاب، إسماعيل الشيخلي، خالد الجادر، حافظ الدروبي وغيرهم).

أما جماعة بغداد للفن الحديث فقد ضمت العديد من الفنانين التشكيليين في الرسم والنحت التي أسسها الفنان جواد سليم ومنهم شاكر حسن آل سعيد، خالد الرحال، محمد غني حكمت، نزيهة سليم، نزار سليم، رسول علوان، عبد الرحمن الكيلاني، وبالتأكيد جبرا إبراهيم جبرا). ويصف جبرا إبراهيم جبرا هذه الجماعة الفنية المتميزة قائلاً ((أعضاؤها مزيج عجيب من المحترفين والهواة، بقوة تعطيها اتجاها ملهماً للكثيرين، دونما عنوة أو قسر)) ، إذ عد جبرا أن تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث هو بداية عصر الحداثة في الفن التشكيلي في العالم العربي والعراق تحديداً. فقد اقترنت السياسة كفكر في تلك المرحلة المهمة من تاريخ الوطن العربي لاسيما في خضم التحولات السياسية والإيديولوجية التي أثرت على طبيعة الحياة في المجتمع العربي ككل، لاسيما أن الحرب العالمية الثانية قد وضعت آثاراً كبيرة على طبيعة العلاقات السياسية ما بين الغرب والشرق التي انعكست بالفعل على الحركة التشكيلية العربية آنذاك. ولعل اختيار جبرا إبراهيم جبرا التجربة الفنية والأسلوبية لجماعة بغداد للفن الحديث والإحساس بقيمتها الفكرية وحداثة الأسلوب، جعله مؤمناً بنهج هذه الجماعة التي قادها جواد سليم كتجربة أولى في اتخاذ طريقة وأسلوب جديد في الفن التشكيلي. لقد كانت تجريبية جواد سليم مثمرة، ذلك لا لأنها كانت مجرد بحث عام وبلا أساس فكري، إنما لأنها كانت من هذه التجريبية الشكلية، التكنيكية، خاضعة لتوجه فكري صارم ودقيق، وهذا ما أثبته جواد سليم في انجازه لنصب الحرية بهذا الشموخ الذي أعاد الحلقة المقطوعة بالتراث العراقي القديم السومري والآشوري، وبالروح التي لا يمكن أن تكون إلا الجزء الواقعي للحضارة العربية. ويقول الناقد التشكيلي شوكت الربيعي حول تجربة جبرا إبراهيم جبرا ((ينتمي جبرا إبراهيم جبرا في تطلعاته خلال الرسم إلى جماعة بغداد للفن الحديث، إذ يتم التشديد على الارتباط العضوي بين ما يطرحه فكرياً وبين ما يعبر عنه إطار العملية

الإبداعية على معارج الفن التصويري في دائرة الهموم الشكلية سعى جبرا إلى ممارسة ضغط على بحثه التقني فإحالته إلى صياغة كمنت أهميتها في حساسيتها اللونية وفي جمال مفردات المضمون، أمراه، طفل، رجل وامرأة، نافذة، هلالية البحر، وكان همه منصباً على استغلال سكونيتها لخدمة الحركة المضمرة في عمومية المعمار ذاته، تنزع قيمة التعبير الفنية والفكرية لديه إلى الأشكال المبسطة الساعية إلى رؤية تجريدية، وباستخدام سكين الرسم، هذا الاندماج التقني بين الذات والموضوع أغراه كثيراً فدفعه لخوض تجربة لونية خالصة تلعب الحركة فيها دوراً بين عناصر الإيقاع المعماري للعمل الفني ذاته)). لقد تطابقت أوجه النظر فكراً وأسلوباً وتقنية ما بين رؤية جبرا إبراهيم جبرا الذاتية في الرسم ورؤية جماعة بغداد للفن الحديث (جواد سليم ومجموعته)، من هنا تحققت التكاملية في التفكير ومحاولة الخروج عن المألوف التي تتناسب تناسباً طردياً مع التطور التقني في إخراج اللوحة الحديثة. إذ أن استعمال السكين كتقنية للرسم لم تكن من التقنيات السائدة في اللوحة الحديثة آنذاك إلا في أساليب بعض الفنانين العالميين، فقد استطاع جبرا أن يوجد لنفسه أسلوباً تقنياً متميزاً في معظم لوحاته، وكأن اللوحة مسطحة وببعدين فقط غاب عنها العمق والتجسيم أحياناً. والمتتبع لأعمال جبرا إبراهيم جبرا الأولى يستطيع أن يجد تلك الميزة واضحة في أسلوبه التقني، أما المرأة فقد كانت هي الحاضرة بشكل رئيس في معظم تلك الأعمال وبأشكال وهيئات متعددة تجريدية أحياناً ومختزلة التفاصيل في أحيان أخرى. فالمرأة هي الأم التي فارقها منذ زمن، وهي العائلة والوطن، وهي الصديقة الحميمة والمقربة (لميعة عباس عمارة) التي كانت من أكثر المقربين إلى جبرا، ومن شدة تعلقه بها رسمها على هيئة تخطيط بالأسود والأبيض. وفي لوحات أخرى لجأ الفنان إلى تجريد شكل المرأة في معظم لوحاته الزيتية مع استعمال الألوان بصرامتها وقوتها البصرية .

اهتم جبرا إبراهيم جبرا بإبراز دور شكل المرأة بزيها المحلي المعتاد وكأنه أراد أن يوصل رسالة محددة نحو المتلقي مفادها أن المرأة هي الحياة وهي الروح والعطاء والحنان. وقد جسدها بأساليب مختلفة، إذ يلجأ أحياناً إلى تجسيدها بشكل فيه نوع من القصدية الفكرية في التأكيد على فكر معين. إذ يضع الرجل بين امرأتين في محاكاة غريبة، مع وجود نوع من التناقض ما بين المرأتين، إذ تبدو أحداهما عارية واقفة بابتهاج من خلال جسدها العاري، مع امرأة أخرى ترتدي الملابس ويقوم الرجل باحتواء المرأتين معاً مع انتشار أوجه عديدة تنظر بنوع من الاستغراب والاستهجان في نظرتهم نحو المستقبل غير المنظور والمحدد المعالم، وتجدر الإشارة إلى أن الفنان جبرا إبراهيم جبرا قد رسم هذه اللوحة عان 1947م، وكأنه تمرد على الحقيقة أحياناً، بل وانه قد يخاطب التقاليد والعادات الاجتماعية المحلية التي قد تخضع المرأة إلى ضغوطها والتي يحاول هو كفنان صاحب نظرة تقدمية إلى إبراز مفاتنها كنوع من التمرد على تلك التقاليد لتسير نحو ركب الحرية والإيمان بحقوق الإنسان والمرأة بشكل خاص. كما وضع المرأة في موقع آخر ومكان آخر فهي الأم التي تحتضن الطفل، وتربي الأبناء وهي نواة تشكيل الأسرة والمجتمع.

كما جعل جبرا إبراهيم جبرا من خلال رمزية المرأة أيقونة للحياة وقد تكون تلك المحبة والشغف هو جزء من الحنين إلى الوطن .. إلى الأم.. الحبيبة… إلى فلسطين، وهي العائلة أيضا. لم يستمر جبرا ابراهيم جبرا في الحفاظ على أسلوبه الأربعيني أو الخمسيني بل انه بدأ باتخاذ أسلوب أكثر تعبيريةً في مكونات عناصر اللوحة الفنية من جهة والتقنية من جهة أخرى. وقد برزت تلك التعبيرية في معظم اللوحات التي رسمها في فترة متقدمة من حياته. فقد رسم شخصيته بأسلوبه التعبيري الجديد، ورسم عائلته في لوحته الشهيرة (الفنان وعائلته) بالأسلوب ذاته.

مثلت أعمال الفنان جبرا إبراهيم جبرا المتقدمة نوعاً من التحول في ميدان الإنشاء والاختزال الشكلي واللوني في طبيعة التكوين وتوزيع المساحات اللونية وبساطة التكوين مع دراسة جمالية للضوء والظل في اللوحة.كما اتسمت معظم تلك الأعمال بأنها ذات طبيعة ساكنة وكأنها تمثل زمناً متوقف في لحظة معينة وكعملية متشابهة لفعل وزمن التقاط الصورة الفوتوغرافية التي تعطي للحظة خصائصها البصرية الساكنة. وكان جبرا إبراهيم جبرا قد تأثر بالرمزية كفكر والتي أولها إلى نوع من الاختزال الشكلي واللوني مع غياب بعض الملامح الحقيقة للشكل كاختزاله لجسم المرأة مع إبراز مفاتن جسمها كنوع من الإثارة والاستمتاع. وقد استمر أسلوبه هذا في العديد من اللوحات التي جسد فيها مواضيع المرأة والحياة الاجتماعية، كما لجأ الفنان جبرا إلى التجريد التام لملامح الشكل في العديد من اللوحات التي رسمها منذ بدايات تجربته الفنية. وتجدر الإشارة إلى أن الفنان قد تأثر بالبيئة البغدادية المحلية التي عاش فيها معظم ما تبقى من حياته لاسيما بعد أن كان احد المؤسسين المهمين لجماعة بغداد للفن الحديث كما تأثر بأسلوب وفكر هذه الجماعة التي آمن بمنطلقاتها الفكرية والجمالية، ويمكن للمتتبع لحركته الفنية أن يجد سمات خاصة للمرأة في لوحاته البغدادية من خلال الزي وطبيعة التكوين والشكل واللون وطبيعة المرأة البغدادية. بل رسم بعض الأمكنة البغدادية المشهورة كسوق الصفافير، وبعض الأماكن البغدادية الأخرى.

لا تعليقات

اترك رد