الخير والرخاء ينتظر المبدع

 

قبيل حلول عام 2020 تنبأ الجميع أن يكون عاماً حافلاً بالخير والرخاء، والإنجازات الغير مسبوقة لعالم تتسارع خطاه إزاء التقدم ويفاجئنا مع بداية كل صباح باكتشاف جديد، وتطبيقات تكنولوجية مستحدثة جعلت حلم غزو كواكب أخرى، و بناء مستعمرات عليها خطوة يتم الترتيب لها بكل ثقة من الآن. وفي ظل ظروف استثنائية، فجأة استيقظ العالم على اكتشاف علمي جديد له القدرة أن يبدل طبيعة الحياة جذرياً على ظهر كوكب الأرض. ولقد تنبه له العالم عندما زلت قدمه دون أن يدري في حرب عالمية ثالثة لها قدرة تدميرية تفوق أكثر الأسلحة تطوراً. وعلى خلاف جميع التوقعات، لكن بالتوافق مع نبوءة عالم الفيزياء الكبير ألبرت أينشتاين Albert Einstein (1879-1955)، كانت الحرب العالمية الثالثة حرب غير تقليدية. وأهم ما يمييزها، أن العدو غير مألوف. فالعالم يحارب عدو غير مرئي – مجرد فيروس وكأنه شبح – لكنه ماكر لدرجة أنه استطاع أن يدمر عالمنا القديم كله في آن واحد، وجعل كل دولة على حدا تحارب من أجل البقاء موزعة نفسها في جبهات عدة، بحيث يكون الخروج من أزمة الحرب فجر نشأة عالم جديد، بمعايير مختلفة.
ومع تدمير الاقتصاد على الصعيد العالمي، إعادة تشكيل طبيعة الحياة الاجتماعية والعلاقات السياسية، تحول سكان الكوكب إلى نموذج حديث للإنسان البدائي؛ الذي كان قديماً يقطن الكهف، وأقصى غاياته في الحياة هي إدخار قوتاً لليوم التالي. وبالنظر للموقف العالمي العام من وجهة نظر نفسية، نجد أن سكان الأرض قد انزلقوا إلى قاع التسلسل الهرمي للاحتياجات. فتبعاً لنظرية “الدافع البشري” Human Motivation Theory التي وضعها عالم النفس الأمريكي أبراهام مازلو Abraham Maslow (1908-1970) والتي تصف مراحل نمو الإنسان وتدرج احتياجاته في شكل هرمي، وقع في أسفل الهرم الاحتياجات النفسية التي تشبع الغريزة الحيوانية في الإنسان من أجل البقاء على قيد الحياة كالطعام، والشراب، والنوم، والتزاوج، وهو في ذلك يماثل أي كائن حي. وبتدرج الاحتياجات، يظهر على قمة الهرم في أرقى منزلة الرغبة في تحقيق الذات،وهي مرتبة يرقى لها الإنسان عندما يصل لمرحلة من التفاهم والانسجام مع أدواته الشخصية ومع العالم من حوله، والتي فيها يتوج بالإبداع، وتقبل الحقائق، والقدرة على حل المشكلات.
وفي زمن الكورونا، من استطاع القفز من أسفل هرم مازلو إلى قمته كان العاملون في مجال الإبداع، والعالم الرقمي، ولكن أيضاً حدث ذلك في ظل أجواء استثنائية. فبسبب التدابيرالمشددة التي تتخذها كل دولة من أجل تخفيف وطأة الجائحة، أغلقت جميع السبل التي تدر الدخل على المبدعين، مثل حضور الأمسيات، وإجراء الحوارات، والظهور في المنتديات واللقاءات. وعلاوة على ذلك، تم إلغاء أو تأجيل جميع الأحداث الأدبية الهامة. فعلى سبيل المثال، تم هذا العام إلغاء واحداً من أكبر معارض الكتاب السنوية في العالم “بوك إكسبو” BookExpo والذي يقام في شهر يوليو من كل عام في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وتم شغل منطقة المعرض من قبل الدولة عندما تم تحويلها إلى مركز لفحص المصابين بالكورونا. ومع إغلاق جميع أنواع الصناعات للحد من تفشي الجائحة، تأثرت الحالة الاقتصادية بكل دولة، وعم الكساد، وتحتم على الدول صرف المعونات المادية والعينية لأبناء الشعب، مما شكل عبء كبير على الميوزانة العامة لكل دولة. وكنتيجة حتمية، تم خفض أو حتى شبه ألغيت الميزانية العامة المخصصة للنشاط الثقافي، شاملة المنح المقدمة لجميع المنتمين لهذا المجال. علماً بأن ذلك الوضع ينطبق على جميع الأنشطة والقطاعات الأخرى.
وفي ظل تلك الأجواء الموحشة، وجد المبدع أن الخروج من أزمته النفسية يتطلب أن يستغنى عن ملل ملازمة المنزل واستبداله بالارتكان إلى الإبداع الخالص. ولم تكن الكتابة هي مأوى المبدعون فقط ذوي الأسماء اللامعة، بل وجد فيها الكثيرون ممن تتوافر لديهم الموهبة ضالتهم للخروج من الشعور بالكآبة والملل من جراء إجراءات العزل. فغالباً ما يشكو أصحاب المواهب من تراكم أعباء الحياة على عاتقهم، واستنزاف أوقات العمل لطاقتهم، فينتهي اليوم دون أن يخط المرء سطر واحد في مشروعه الإبداعي. أما في زمن الكورونا، فيما يبدو أن قوى الكون قد اتحدت للنهوض بالمبدع ومد يد العون له؛ فلقد وفرت الجائحة أهم شرط للبحث والتأمل والتفكر، ألا وهو إتاحة الوقت. مع ملاحظة أن جميع الأوقات صارت مناسبة للبدء في مشروع إبداعي جديد؛ كيفية قضاء اليوم بيد المرء. وتؤكد دور النشر أن المخطوطات الإبداعية صارت تتوالى بشكل مكثف لدرجة أنه بعد انتهاء الجائحة لسوف يتعيين عليهم البدء في طباعة مئات من المخطوطات. وبالفعل، يقضي فريق العاملين بدور النشر أغلب أوقاتهم في قراءة ما يتوافد عليهم من مخطوطات استعداداً لنشرها ورقياً بعد انتهاء الجائحة.
أما دور التوزيع – في حال وجودها منفصلة عن دور النشر – فلقد جابهت بالسابق وفي بداية الجائحة معضلة تكدس الكتب المطبوعة لديها، وإرجاء إقامة حفلات التوقيع، أو تأخير طرح الكتب في الأسواق بعد اتخاذ إجراءات العزل. لكن فيما يبدو أن مشكلة الدعاية قد تم حلها جزئياً من خلال منصات التواصل الاجتماعي؛ حين أخذ الكثير من جمهور القراء على عاتقهم الترويج لكتب الأصدقاء والمعارف من خلال تغريدات على تويتر، أو كتابة خبر على الفيسبوك. لكن ما لم يكن أبداً في الحسبان هو تزايد الطلب شيئاً فشيئاً على شراء الكتب لدرجة فاقت ما هو بالفعل متاح. فلقد فوجئت دور التوزيع أن هناك بعض الكتب – وخاصة الطبية منها – قد نفذت طبعاتها الورقية والإلكترونية، وتعيين على دور التوزيع إعادة طرح نسخ إلكترونية أخرى منها. والغريب أن الإقبال على الطلب الإلكتروني فاق معدل الطلب على الكتاب الورقي. ففي زمن الجائحة، صار تداول الكتاب من يد لأخرى مصدر تخوف؛ لكونه آداة فعالة لنقل العدوى من شخص لآخر. لكن النسخة الألكترونية يسهل الولوج لها. ومن الناحية الصحية، لا يتطلب الأمر سوى تطهير وتعقيم الجهاز الموضوعة عليه من وقت لآخر. أضف إلى ذلك من السهل اصطحابها في كل مكان. فالوجه الإيجابي للجائحة هو توفير أهم شرط لنجاح وانتشار وشهرة المبدع، وهو: “وجود قارئ للأعمال المطروحة”.
وتؤكد منافذ التوزيع وجود إقبال غير مسبوق على شراء الكتب. ومع حصر وتصنيف معدلات الطلب، وجد الخبراء تزايد الطلب على شراء الكتب المسموعة، والإلكترونية، والرقمية يفوق الطلب على الكتب الورقية، في حال تواجد منافذ بيع توفر توصيل الكتب الورقية للمنزل. وهذه معضلة أخرى قد تقضي على المكتبات المستقلة والصغيرة نسبياً في زمن ما بعد الجائحة. ومن ناحية أخرى، شجع تزايد الطلب على شراء الكتب العديد من منصات البيع الرقمية على استحداث نشاطاً جديداً لها، بعد ملاحظة حركة الطلب على الكتاب الورقي، ونظيره الإلكتروني أو المسموع أو الرقمي. فلقد بدأت بعض المنصات في الإعلان عن استعدادها لطبع وتوزيع فوري للأعمال الإبداعية. وعلاوة على ذلك، فهي تشجع من لديه موهبة الكتابة أن يتصل بها فور الانتهاء من كتابة مخطوطته. وذلك الوضع يدق ناقوس الخطر بالنسبة للمطابع ومنافذ البيع الصغيرة. فالتحول الرقمي صار متأصلاً، ومن يغفله يتخلف عن الركب، وقد تدهسه الأقدام.
غاية كل مبدع أن يجد من يحتضنه، ويساعده في نشر وتوزيع أعماله، ولقد صار الحلم حقيقة بعد تفشي الجائحة، وكأن عناية السماء قد أرسلتها لتبعث الروح من جديد في سوق التأليف والقراءة بعد تراجعه بسبب ضعف الإمكانات المادية لدى المبدع، وعدم وجود قراء. فالمستفيد الأكبر من جائحة الكورونا هو العالم المرقمن الذي صار أساس التعاملات اليومية. وأما حليف ذلك العالم الجديد فهو الكلمة المكتوبة، والمسموعة التي بدورها صارت أحد أهم حلفاء العالم الرقمي. والتساؤل الذي يطرح نفسه بخصوص تلك اليوتوبيا الجديدة التي فرضت نفسها على العالم على حين غرة هو: ما مصير فحوى الإبداع في ذلك العالم المرقمن الجديد؟ وما هي مقاييسه وشروطه؟ وتلك في حد ذاتها قضية تحتاج لإعادة النظر والتمحيص.

لا تعليقات

اترك رد