أيُّ الفَريقينِ لهُ حقٌّ أن بِضِحكاتِهِ يَزأر؟

 
لوحة للفنان د.بلاسم محمد

عَانقني بعدَ طولِ فراقٍ. زميلُ دِراسةٍ فَشِلَ فَرمى عليها يَمينَ الطَّلاقِ . بَادَلتُهُ ذاتَ العِناقِ . العِناقُ كانَ ذا رِيبةٍ بِلا مَذاق , أو هكذا شَعرتُ أنا , أو هكذا هو حالُ العِناق إن تَعَصْرنَ زُوراً وأثّاقَلَ عن حَملِ أصالةٍ وأخلاق , فتَراهُ يَبَسَاً مَالَهُ مِن خَلاق , يَقُصُّ خُطى أزقةٍ زائفةٍ لاهِثاً في أذيالِها والأفَاقِ ، فضاعَتْ مِنهُ لَمَسَاتُهُ ورَسَماتُهُ وعَهدُهُ والوِثاقُ , ونَسَمَاتُهُ وبَسَمَاتهُ وَوِدُّهُ والتَواقِ!

تَبادَلنا كذلك حَبّةً مِن بَسمةٍ مِن كَذِبٍ مُعاصِرٍ أو لرُبَما مِن نِفاق! ثُمُّ…. إنفَجرَ فُجأةً بِضِحكةٍ سَاخرةٍ ما رَغِبْتُ فيها أن أشَارِكَ , فَأنا لا أجِيدُ حِياكَةَ بَسَماتِ الكَذِبِ ومِا أنا بخَبيرٍ بصُنعِ التّضاحِكِ. أفَحَقّاً نَثرُ عَبَرَاتٍ لَحظةَ راحَةٍ في (صدى نَتٍ) دفعَتْ زميلي لهُزُوٍ مُتهالِك ؟ أسررتُ مُندَهِشاً: إنَّ (أَخا الجَهَالَةِ فِيْ الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ ) وهوَ وَحدهُ لها مالِكٌ ! فهلّا غَضَّ طَرفَهُ عن خَلَجاتي إن لم يَنقدْ أو يَتفاعلْ أو يُباركْ ؟

إنْ هي إلّا نَفَحاتٌ مِن فضائيَ ولَفَحاتُ بَعضٍ من مَسالِك ؟ فضَائي صَفِيُّ نَقيٌّ وبِعَمَدٍ من أهل الضَّادِ سَقفُهُ مُتماسِك. أنجُمُهُ..

قَبَسٌ من عَقيدةٍ سَماويةٍ ونَفَسٌ من عُلومٍ هَندسيةٍ وأَنَسٌ من خَيمةٍ بَدويةٍ , تَنبَجِسُ منها حِكَمٌ زكيّة , فُرُشُها رملٌ طاهرٌ, ظِلُها كرَمٌ باهرٌ, وَتَدُها بأسُ قاهرٌ وحَرفُها يَعِدلُ سِجلّاً من قَولِ أديبٍ مُعاصرٍ ظنَّ قائلُه أنّهُ مُعجِزٌ سَاحِرٌ .

وفي فضائي هنالِك ظِلالٌ لِجَلَساتِ رِيفٍ بِسَمَرٍعَفَويٍّ لَفظُهُ , وبِوَجهٍ حاسمٍ في بَيعَتِهِ, وبَاسمٌ هو رفضُهُ, وبجِلبابٍ كَشَفَ عن ساقيهِ مُتناسياً رَفعُهُ وخَفضُهُ . جَلَساتٌ يُحِيطُها دَجاجٌ وخَريرُ ماءٍ ولِتغريدِ الطّيرِ منها حَظُّهُ. وفي فضائي شَجَنٌ لأماسيّ مَقهىً شعبيّ , ذي نِزاعٍ أبَدِيّ , عَمَّن سَيدفعُ أجورَ شايِّ سهرةٍ بَهيّ . مقهىً شَغفُهُ قصصٌ وأخبار , وَوَصفُهُ مقامٌ بَغداديّ وأوتار, وَسَقفُهُ مَوَدَّةٌ وإيثار. وفي فضائي شُهُبٌ لصَولاتٍ في صَالِاتٍ غربَ الأرضِ , ذي زَخارُفَ فاخِرةٍ , تَغشاها أجوَاءُ مُجونٍ بَاسِرة , بفُنونٍ فُسوقُها فاقِرة , مَصابيحُها تَتَراقصُ! كأنها نفوسٌ حَائرة ! أو لَعَلّها تحكمُ نفسَها بِنَفسِها كديمقراطيتِهم الخائرة ! أنوارُها تتلوّنُ

بلمحِ بصرٍ, ويّكأنها مُتمرِّدةٌ ثائرة ! كانت صولاتٌ بعد الغروب بكبرياء في أروقةِ صالاتٍ شَهباء , أتَمَطّى بِخُيَلاء أنّي أنطِقُ بلسانِ أهلِ تلك البلدةِ الشقراء , مُتَشَرنِقاً ب (جينز) عَلاهُ ثوبٍ لونُهُ سَماء بخَتمِ مرساةٍ حمراء , ولتنتَهيَ الصولةُ بمغنيةٍ (تَهَبُ بسخاء) , هَبَطَت من عَرشِها صوبَ مقعدي في زاويةٍ من الصالةِ ظلماءَ , تَصحَبُها دائرةٌ من إنارةٍ خضراء , تردفها نظراتٌ مِمّن حَضَرَ السهرةَ الضوضاء , ولِتُنهيَ وصلتَها بين يديَ مابين تَفاخرٍ منّي وإِصغاء.

أفقُ فضائي مُزخرفٌ كذلك بمطالعةٍ لجبالٍ من شعرٍ وأدبٍ , وتلالٍ من تاريخِ حضاراتٍ صَبَب , ولغاتٍ وعِلمِ عقيدةٍ عن بصيرةٍ مُنتَخَب , كلُّ أولئكَ كانَ متوجاً بخدمةٍ مشرّفةٍ طويلٌ أمدُها تحتَ رايةِ موطني: في رُبَاهُ خُلِقَ الجَلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ, وفي هواهُ عِطرُ الحياةِ والنجاةِ والهناءِ والرجاءِ , فغايتُهُ تُشرِّفُ ورايتُهُ ترفرفُ , لا أطيقُ إلّا أن أراهُ سالماً منعَّماً وغانماً مكرَّماً , وسَيبقى في عُلاه ، قاهراً عِداهُ: إنّهُ مَوطني. هذا فضائيَ وما يَطِلّ , فَلِمَ سَخِرَ مني زميلي ومِن ضِحكِهِ لا يَمِلّ ! وفضاؤه مُعتِمٌ لا يَهِلّ ! وَلَئن بَدا ظاهرُ فضائِهِ لامِعاً وَنيساً , فباطنُهُ دامِعاً بئيساً ! مُلَبَّداً بِسُحُبٍ من لُحُومِ نِعاجٍ ولبَنٍ من جَواميس , وأمطارٍ من مَلبسٍ ومَداسٍ مَنضودةٍ في كراديس , وأجهزةِ حاسوبٍ وإتصالٍ جاهلٌ هو بكُنهِها والمَقاييس , ودليلِ عَناوينَ لكائناتٍ آدميّةٍ بأوصافٍ هي أقربُ للنسانيس , وماركاتِ عطورٍ جَعَلَها مِعيارَهُ لفَهمِ معادنِ الرجالِ والنواميس , ومِن الإنصافِ أن نذكرَ بسماتٍ له كاذبةٍ ونفاقَهُ والتَّدليس , ليَضمَنَ دراهمَ شهواتهِ الطاغيةِ خلفَ الكواليس.

أفمِن شيءٍ غفَلَ الذكرُ عنهُ ضَمَّهُ فَضاؤُهُ التعيس ؟

فضاؤهُ لا يَسعفُهُ في مَواطنِ البَصائرِ ومَجلسِ أصالةٍ أنيس , بل يَبرُقُ هُناكَ , حيثُ مُغنية الدائرةِ الخضراءَ , فهنالك فقط سيسعفُهُ حَمْيُ ماعِندَهُ من وَطيس.

فأيُّ الفَضَائينِ لهُ حقٌّ أن بضحكاتِهِ يَزأر؟

لا سِباقَ , وسَأذَرُهُ مُحتَفِظا بضحكاتِهِ وأنّهُ بذاكَ الحقِّ أجدر, فلا رصيدَ له إلّا أن بضحكاتهِ يَجأر.

دَعهُ مَستمتِعاً بِعَومٍ في بحورِ الموائدِ ونَومٍ بأنفٍ في الليلٍ يَشخر, يَعزفُ عَزفاَ منفرداً , نوطاتُهُ كبابٌ وبَصلٌ وخَمرٌ يُعصَرُ.

دَعهُ وكيفَ يَحلمُ في صَفقةِ بناءٍ لقاعاتِ عَسكَر, يُتِمُّها بتضاحكٍ وغِشٍّ أَحوَلٍ اَبتَرٍ. عجباً!

كيفَ لهُ أن يُسرفَ في ضِحكهِ فلا يَفترُ ولا يَقترُ؟ عالياً بصوتٍ كصوتِ الذي لهُ الإنسانُ أنكَرَ! مسكينٌ زميلي ! إنَّهُ فَزِعٌ وكلّما رأى سنا الأقلأمِ فَرَّ وأدبَرَ. فسَلامٌ على مَن سُدَّتْ أمامَهُ أبوابَ العلمِ لكنَّهُ مَلَكَ النورَ والبَصيرةَ وجُذورَ الأصالةِ الأولى.

لا تعليقات

اترك رد