التفكير المزدوج في السياسة الحديثة

 

لقد قُدم مصطلح التفكير المزدوج لأول مرة في رواية جورج أورويل 1984 ، وشرح ما قصده بمفهوم التفكير المزدوج على أنه القدرة على الاحتفاظ بمعتقدين مختلفين متناقضين في الذهن في نفس الوقت وقبولهما واعتناقهما منهجا في الحياة .
أوضح أورويل بإيجاز المفهوم بشعار حكومته المتناقض والمناقض للشعب حين يقول : “الحرب هي السلام و الحرية هي العبودية و الجهل قوة . ” ويدرك القارئ وكأنه يقرأ التعاريف الغريبة الواردة في ” المعجم الشيطاني ” لبيرس .
إن سخافة وعبثية التفكير المزدوج تجعله يبدو فقط في عالم الخيال. لكن الكثير من مظاهر التفكير المزدوج يمارس بشكل يومي من قبل الخبراء الإعلاميين والسياسيين و “الخبراء” الدبلوماسيين في العالم الحقيقي. فهم جميعا يستخدمون فنون البلاغة اللغوية في الخطاب الدبلوماسي يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر . وينطبق نمط التفكير المزدوج على بعض السياسات العامة التي قدمها قادة الفكر في اليمين واليسار. فالإنسان العادي يتعرض للكذب من جميع الفرقاء السياسيين ومن جميع التيارات السياسية بغض النظر عن الايديولوجيا التي تحملها تلك التيارات .
يعترف التقدميون المعاصرون بأن “الضرائب العالية” – وهي الضرائب التي تفرض على أشياء مثل السجائر بأنواعها أو المشروبات الروحية أو الكحول – مصممة خصيصًا لتغيير سلوك الناس لأن النظرية الاقتصادية تقول أنه عندما ترتفع أسعار هذه “الموبقات ” ، فإن المستهلكين سيبتعدون عنها في محاولة منهم لتوفير المال. وقد ثبت صحة ذلك على المستوى الاقتصادي الأساسي على الأقل عندما رفعت مدينة نيويورك الضرائب على السجائر فقد اشترى عدد أقل من الناس التبغ في المدينة . وبالطبع ، تم إنشاء سوق سوداء ضخمة لتجارة السجائر والمسكرات في اطار الاقتصاد الخفي . لكن هذه مسألة أخرى.
خلاصة القول هي أن التقدميين الحديثين كانوا على الأقل يصوبون جزئياً على ما نسميه “ضرائب الخطيئة” : فإذا قمت بزيادة التكلفة ، ستحصل على عدد أقل من الأفراد الراغبين في الانخراط في هذا النشاط الاقتصادي الخاضع للضريبة على الأقل من خلال القنوات العادية والقانونية.
ومع ذلك ، ينخرط هؤلاء التقدميون في التفكير المزدوج المتعمد عندما يجادلون بعد ذلك بأن الحد الأدنى للأجور لا يمكن أن يؤدي إلى تأثير سلبي على سوق العمل. ويعتقد اليساريون أن “ضرائب الخطيئة” الأعلى ستغير عادات الشراء لدى الناس – لكن الأجور الأعلى ستفشل (بطريقة سحرية) في التأثير على عادات التوظيف لدى أصحاب العمل. هذا التنافر والتناقض الإدراكي مثير للاهتمام.  لكن اليسار لا يمارس وحده هذا النوع من التفكير المزدوج.
في حين أن أولئك على اليمين يرسمون بشكل صحيح العلاقة بين ارتفاع ضرائب الأعمال وارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين و يبدو أن الكثير منهم مستعدون بشكل غير مفهوم لتشجيع مصطلحات ديماغوجية مثل “أمريكا أولاً” ، أو ” صنع في لبنان” أو منتج ” مصنوع يدويا” في ظاهر الأمر تدعم هذه الشعارات الصناعة المحلية ولكنها في الأساس تبرير لضرائب على السلع المستوردة من الخارج.
لماذا التفكير المزدوج ؟
قد يتم إلقاء اللوم على جزء من التفكير المزدوج على القبلية السياسية : المنظور الذي يفكر فيه رجل السياسة ، يجب أن يكون مختلفًا إلى حد ما عن المنظور العام . ويميل أحيانا إلى استخدام تعابير مفخخة هدفها المعلن عكس مضمونها . ينظر البسطاء نحو التفكير المزدوج على أنه نوع من الكذب والرياء والمحاباة في حين ينظر السياسيون على أنه نوع من النجاح الدبلوماسي أو السياسي الرائع . ويكثر هذا النوع من التفكير لدى الأمريكيين بكثرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات العامة .
إنه نفاق الأمريكيين إذن !
لقد كان الديمقراطيون يتحسرون على العجز المتزايد في عهد بوش بشكل مذهل عندما قام “رجلهم” باراك أوباما بتسريع الإنفاق.  والآن ، بعد أن أصبح دونالد ترامب والحزب الجمهوري في طريقه لتحقيق عجز يزيد عن تريليون دولار في هذا العام ، فإن العديد من “الصقور” الذين يعانون من عجز الحزب الجمهوري يأخذون دورهم في أن يكونوا خجولين نوعا ما في هذه القضية.
اسأل المواطن الأمريكي العادي في الشارع عن ذلك ، ومن المحتمل أن تسمع جوابا يقول أن كلا الحزبين ينفقان الكثير.
نادرا ما يفتقد القادة السياسيين مهارات التفكير المزدوج.  لكن الأمر جزئياً ، يتلخص في عدم رغبة الحزبين في المشاركة في سلوك قد يقود إلى تفحص مواقفهم الإيديولوجية بشكل جدي .
ورغم كل شيء ، يخاف الناشطون التقدميون من القوة الطاغية للشركات الاحتكارية مثل أمازون أو وولمارت ، ويقارنوها بالاحتكارات الحكومية في قطاعات التعليم العام و الطب و الصحة والنفط .
وبالمثل يسهل على النقاد المحافظين أن يتجاهلوا “عدم المساواة في الدخل” ، بدلاً من مناقشة الحقيقة الدقيقة المتمثلة في أن الحماية الحكومية والحصانة والفساد والمحسوبية ينتج عنها فجوة في الدخل لا تحركها قوى السوق الكبرى .
إن هذا التردد في تحدي الميول الأيديولوجية يولد رغبة بين النقاد والمشرعين والحزبيين على تحمل الأكاذيب الصارخة والتناقضات والعمى الفكري وازدواجية التفكير والحديث.
تذكرنا هذه التصرفات بشيء آخر قاله جورج أورويل ذات مرة: “هناك بعض الأفكار الخاطئة الغريبة لدرجة أن شخصًا ذكيًا جدًا يمكن أن يؤمن بها”. حتى لو كان يعرف أنها خاطئة .
وفي السرداب الأيديولوجي لليمين أو اليسار ، يبدو أن لدينا بعض الأشخاص “الأذكياء” الذين يديرون الأشياء بذكاء حاد للغاية ، كما يتضح لنا ، و التفكير المزدوج سهل للغاية بالنسبة لهم. يكفي أن نتذكر فيلم لعادل إمام وهو يحاور الإرهاب عندما يقول له الشيخ لقد اخترناك لتذهب إلى الجنة حيث الحوريات فيجيب عادل إمام قائلا :” ولما لا تذهب أنت؟”
ومع ذلك ، يبدو أن الكثير من المواطنين في العديد من البلاد قد سئم هذا النفاق الصارخ في التفكير المزدوج في السياسة والصحة والاقتصاد ويبدو أن هناك شعورًا متزايدًا لدى الجمهور بأن “الجميع مخطئون” إن كان اليمين أو اليسار أو رجال الدين. لا شك أنهم مخطئون ، لأنه كثيرًا ما يكون الجميع على خطأ.
وفي حال رغبة السياسيين أو الإعلاميين أو الدبلوماسيين في استعادة ثقة شعوبهم يمكنهم ببساطة حتى لو كان الثمن باهظا وهو التخلي عن التفكير المزدوج الذي طرحة أورويل في رواية 1984.
الطريف في الموضوع هو أن هناك من أعلن عن جائزة دولية لمن يمارس التفكير المزدوج و سلطة الأخ الأكبر والتدليس في السياسة والقانون سنتحدث عن كل واحدة منها على حدة في مقالات لاحقة .

لا تعليقات

اترك رد