هل يقود اقتصاد المعرفة التحول من توازن القوى إلى توازن الابتكار ؟

 

انتقلت الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر من بريطانيا إلى أوربا ( المركزية الأوربية ) ثم إلى أمريكا واليابان أقامت الولايات المتحدة عام 1959 مناطق متخصصة مع إقامة حاضنات لم تتخلف اليابان عن الولايات المتحدة فوضعت في عام 1971 خطة تصبح اليابان في عام 2000 اقتصاد يعتمد على المنتجات المعلوماتية.
بلغت التجارة الإلكترونية عام 2018 نحو 26 تريليون دولار بنحو 30 في المائة من الناتج العالمي البالغ 86 تريليون دولار استحوذت أمريكا على نحو ثلث التجارة الإلكترونية أي بنحو 30 في المائة بقيمة 9 تريليون دولار ثم استحوذت اليابان على 13.2 في المائة لكن لم تستحوذ الصين سوى على 2.2 في المائة فقط، فالتجارة الإلكترونية تطورت بعدما كانت فقط 3.5 تريليون دولار عام 2003.
كانت الولايات المتحدة قلقة من إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي سبوتنيك صاروخ فضائي في عام 1957 إلى الفضاء، فأصاب الولايات المتحدة الذعر، فأنشأت ناسا عام 1959 بل أنشأ الرئيس الأمريكي ايزنهاور مؤسستين من الأموال العامة وكالة مشاريع البحوث ناسا وأرنا، فأصبح الإنفاق على البحث العلمي في الولايات المتحدة في المقدمة بنحو 511 مليار دولار فيما كانت تنفق في عام 2000 نحو 280 مليار دولار كذلك تسابق الصين الولايات المتحدة وتنفق 452 مليار دولار فيما كانت تنفق فقط 60 مليار دولار عام 2000، لكن يتكفل القطاع الخاص بالإنفاق بنحو 60 في المائة ثم تأتي اليابان بنحو 166 مليار دولار ثم ألمانيا بنحو 119 مليار دولار فكوريا الجنوبية بنحو 78 مليار دولار حيث تنفق الاقتصادات العشرة نحو 85 من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث العلمي البالغ 1.7 تريليون دولار، نصيب الوطن العربي من الإنفاق على البحث العالمي عام 2015 فقط 1 في المائة بنحو 15 مليار دولار وهو سببه تراجعه عن بقية أنحاء العالم واستمر منطقة تصادم بين القوى العالمية والإقليمية وإن كانت هناك دول مثل دولة الإمارات والسعودية ارتفع الإنفاق على البحث العلمي.
اقتصاد المعرفة أحد مرتكزات التنمية الذي يتوالد ذاتيا يسمى باقتصاد الوفرة والاستدامة ويتمتع بسوق ديناميكي في ظل شبكة عالمية تنافسية، وهو اقتصاد يدفع نحو التكامل الاقتصادي العالمي، وحسب منظمة التجارة العالمية ارتفعت قيمة التجارة الإلكترونية بين 2003 – 2015 بنسبة 56 في المائة، لكن لا تزال تلك التجارة بين الشركات بنحو 22.5 تريليون دولار، ونحو فقط 3 تريليونات دولار من الشركات إلى المستهلكين خارج الوطن، رغم ذلك ارتفع عدد المتسوقين من 600 مليون مستهلك عام 2010 إلى 1.2 مليار مستهلك في 2016 منهم 400 مليون مستهلك يشترون من شركات ليست في بلدانهم، لكن الأكثر فقرا لم تكن نسبة شراؤهم سوى 2 في المائة فقط ما يعني أن التفاوت العالمي لا يزال ولا يزال هناك نحو 400 مليار نسمة ليست لديهم انترنت.
التجارة الإلكترونية تقود إلى تسارع العولمة، ولم تعد تعتمد على خطوط إنتاج معقدة كما كانت من قبل، بل تعتمد على تشغيل العقول وإبداعاتها، بل أحدث أنماطا جديدة من الاقتصاد والإنتاج ولم يعد رأس المال والعمل كعاملين أساسيين كما كان يحددان مستوى الإنتاج، وكذلك لم يعد الموقع الجغرافي بنفس الأهمية السابقة.
فالطباعة الثلاثية الأبعاد تقنية ستغير حركة الاقتصاد والإنتاج شكلا ومضمونا التي لا تحتاج إلى خطوط إنتاج معقدة بل تركز على تشغيل العقول وإبداعاتها، فالتحول الرقمي حكومة بلا ورق وبلا زيارات ومدن رقمية وصحية وتعليم أيضا رقمي وصولا إلى اقتصاد رقمي يعتمد البيانات والذكاء الاصطناعي وهو اختراق تكنولوجي وعلمي كبير أحدث نقلة في أنماط الاقتصاد والإنتاج ثم في الحياة الاجتماعية والفرد وعلاقة الإنسان بالطبيعة.
اقتصاد المعرفة ليس مثل الاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على الموارد الناضبة أو النادرة، لذلك هناك توجه في المملكة العربية السعودية في التحول نحو مزيج الطاقة وبشكل خاص نحو الطاقة المتجددة، وكذلك هناك تحول من التوظيف الكامل الذي يعتمده الاقتصاد التقليدي إلى الاعتماد على حقيقة الأجور وفق المهارة والمعرفة، لذلك يعوض التوظيف الكامل كما في الاقتصاد التقليدي باقتصاد الخدمات وهو القطاع الرئيسي في التوظيف فناتجه القومي 15 تريليون دولار في الولايات المتحدة بنسبة 77 في المائة من الناتج القومي يوظف أكثر من 86 في المائة من إجمالي الوظائف، ويبلغ ناتجه في الصين نحو 6.2 تريليون دولار يوظف 52 في المائة من إجمالي الوظائف في الصين، لكن على الصعيد العالمي شكلت الخدمات 50 في المائة من الاستثمارات الدولية في 2018 وقرابة 59 في المائة من الوظائف، كما شكلت 68 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الدولي عام 2016.
تراجعت صادرات قطاع الخدمات في الولايات المتحدة من 45 في المائة عام 1990 إلى 8 في المائة في 2014 تأتي بعد منطقة اليورو والهند بسبب أن الاقتصاد الخدمي سيتجه يوما بعد يوم ليكون رقميا خاصة مع تزايد أهمية قطاع الخدمات كمدخلات لقطاع السلع ذاته ولا يعني هذا التقليل من أهمية التصنيع في بناء هيكل اقتصادي صحي ولكن متطلبات التنمية المتوازنة والمتناسقة تتطلب الاعتراف بالدور الأساسي للخدمات كما أن قطاع الخدمات الصحي والفعال الذي أثبت أهميته في جائحة كورونا من أن له أهمية لا تقل في البناء الاقتصادي عن قطاع الصناعات التحويلية.
رغم ذلك أصبح اقتصاد المعرفة مصدر الثروة وإن كان أيضا يعتمد اقتصاد المعرفة على موارد نادرة نحو 17 نوعا تحتكر الصين نحو 70 في المائة من الموارد النادرة التي تستخدم في اقتصاد المعرفة تستخدم في الغواصات والصورايخ والطائرات وأجهزة الحواسب والاتصالات ما يفرض نوع من التكامل والتعاون بين الولايات المتحدة والصين بسبب محدودية البدائل.
المعرفة على مر العصور كانت مصدر في بناء الحضارات لكنها تحولت اليوم إلى نشاط اقتصادي وتحولت إلى سلعة يتم التبادل بها، وبدأت تركز على رأس المال البشري الذي يساهم في تطور المجتمعات.
التحول الراهن من توازن القوى إلى توازن الابتكار مقابل جاذبية الحلم الأمريكي القائم على الجاذبية العلمية والبحثية والفكرية والاجتماعية، ووفق تقرير التنافسية العالمي 2019 احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى في 3 ركائز من اثنتي عشر ديناميكية الأعمال وأسواق العمل والنظام المالي وتأتي في المرتبة الثانية واثنتين أخريتان في الابتكار خلف ألمانيا وحجم السوق خلف الصين.
قال اتوب سنينغ رئيس صندوق النقد الدولي في عام 2010 أنه بحلول عام 2030 سيكون اقتصاد آسيا أكبر من اقتصاد الولايات المتحدة وأوربا وستزداد حصة آسيا من 30 في المائة إلى 40 في المائة بعدما كانت 20 في المائة وسيكون أكبر اقتصاد من الدول السبع ونصف مجموعة العشرين.
قيادة آسيا لا تعني فقط تفوق الصين اقتصاديا على الولايات المتحدة والتفوق يعني تعادل القوة الشرائية، والتجارة البينية في أمريكا الشمالية عام 2018 نحو 58 في المائة وهي ليست بعيدة عن أوربا 64 في المائة، وتهتم الصين بالتكامل عبر مشروع الطريق والحزام، وهناك 9 دول عربية تشارك فيه، والتبادل التجاري مع العالم العربي يصل مائتي مليار دولار عام 2018 الكتلة الأكبر منه بين الصين ودول الخليج بنصيب 67 في المائة، لذلك تود السعودية ربط هذا التكامل بأهمية المشاركة في أمن الخليج إلى جانب الولايات المتحدة.
عدم الانخراط في المعارك التي تندلع لا محالة في الأقنية الخلفية للصين وتجنب إعادة الانخراط في خطة التوظيف الأيديولوجي للدين فيما يحرص الغرب على استعادة استخدام السلاح ذاته في المواجهات مع الصين كما تم استخدام محركات التغيير مع الاتحاد السوفيتي سابقا اثر التحول على الأرض ما تم التعارف عليه تسميته ( بالمركزية الأوربية ) التي قادت التغيير التكنولوجي والاقتصادي والقانوني بل والثقافي في العالم خلال القرون الأخيرة وأثر على النظام التعددي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وعلى التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا والمنافسة في العالم كله وأخيرا انعكاسه على السلم الدولي والازدهار الاقتصادي.

لا تعليقات

اترك رد