إبحارٌ في شاطئ الذكريات

 

بحركة رشيقة أزاحت شعرها الليلكيّ الطويل إلى الوراء، ثمّ سحبت خصلةً متمرّدة بدلال، لتنسدل على صدرها، نثرت نظراتها بغنج على الحاضرين الذين جاؤوا ليحتفلوا بشاعرهم، وبصوتٍ أودعته كلّ أنوثتها قالت:
– بعد أن نلنا شرف الاحتفال بشاعرنا الكبير، شاعر الحب والرومانسية، بمناسبة صدور ديوانه السادس، الذي يحمل، كما عوّدنا شاعرنا الملهم، ثمانين قصيدة حبّ…
قاطعها المعجبون، خصوصاً المعجبات منهم؛ بتصفيق حار. اعتدل الشاعر الستيني المتأنّق بجلسته، وألقى نظرة زهو وانتشاء على زوجته التي تجاهلته كاتمةً غيظها وذكرياتها عن مغامراته، التي ما يزال يؤرشفها أشعاراً، تصل حدّ البوح بأدقّ التفاصيل…
– والآن ضيوفي الكرام…
واصلت ذات الشعر الذي سرق من الليل حلكته
– سأطلب من شاعرنا المتألّق أن يتفضّل إلى المنصّة لنحلّق معه إلى النجوم
بحركةٍ لا تزال تحمل شيئاً من رشاقته التي استنفذتها السنون، حيّا الحاضرين بابتسامةٍ عذبة وانحناءة رأس رشيقة، اعتلى خشبة المسرح، هدوء عميق ساد قاعة الاحتفال، واشرأبّت أعناق مراهقات صغيرات، متلهّفةً تنتظر همسات الحب والاحتراق عشقاً، انطلق صوته يحمل رنيناً يأخذ الألباب، يغمض عينيه، يحلّق بأجنحة أشعاره، عريفة الحفل تحلّق معه منتشيةً… حين توقّف سحبت نفساً عميقاً وصوّبت نظراتها الناعسة إليه.
– لي طلب، لو سمحت، شاعرنا المتألق.
يبتسم متلذّذاً بأنوثتها الطاغية تسكبها عسلًا في صوتها الساحر…
– كلّ طلباتك مستجابة…
يضحك الحاضرون، ويعلو تصفيقهم من جديد
– حبّذا لو تشنّف آذاننا ببعضٍ من قصائدك القديمة في الحب، تلك التي كتبتها لحبيبتك الأولى، التي خلّدتها فيها…
طافت نظرة حزينة في عينيه، تداركها بابتسامةٍ واهنة حين استشعر غيظ زوجته وهي ترميه بسياط نظراتها الملتهبة…
– آسفة، إن كان الأمر يسبب لك حرجاً…
قاطعها مسرعاً
– أبدأ… مقتطفات من تلك القصائد سألقيها
صوته اكتسى نغمةً دافئةً جديدة، كزقزقة العصافير همساته تنساب بدفق عذب، يشوبه الألم:
” لو شفتايَ الآن تسكرانْ
على شواطيكِ
لو كلّ أغصان كرومي عرّشتْ فيكِ
وأترعت كأسكِ بالحنانْ…”
علت بعض التنهدات، وساد جوّ القاعة هدوء قدسيّ… حين انساب صوت عريفة الحفل، حالماً هو الآخر، قاطعاً ذلك التواصل السرمديّ…
– والآن حضورنا الكرام، لديّ مفاجأة، لشاعرنا، ولكم أيضاً
علت همهمات مستفهمة، ومدّ الشاعر عنقه حتى وصلت أنفاسه متسائلةً إلى أذني الحسناء، عريفة الحفل.
– معنا اليوم ملهمة شاعرنا الأولى، التي قلّد جيدها بأجمل قصائد الحب
فغر الشاعر فاه، ارتجفت شفتاه، أمسك بحافّة المنضدة مستعينا كي يضبط إيقاع جسده، تبعثرت نظراته على وجوه الحاضرين، تبحث عن إشراقة وجهها، تلك التي هام فيها عشقاً، وكتب فيها مئات القصائد على مدار أربع سنوات، حتى أصبحا أشهر عاشقين في الجامعة…
– أستاذة ناهدة، هل تتفضلين معنا هنا…؟
كانت تجلس في الصف الأول مع زوجها، ارتبكت، اكتسى وجهها بشحوب موتى، نظرت إلى زوجها مستنجدةً، رغم وقع المفاجأة عليه، ضغط على يدها وساعدها في النهوض، اشرأبّت الأعناق مستطلعة، وانطلقت همهمات من هنا وهناك، عدّلت نظارتها الطبيّة، وبحركةٍ لا إراديّة راحت تسوّي خصلات شعرها المتبقّية بعد أن أجهز عليها العلاج الكيمياوي، نحيلةً أصبحت حدّ التقشّف، لوّحت بيدها محيّية، وابتسامة منهكة ترتجف فوق شفتيها…
مبتهجةً لتسديد هدفها في المرمى، ابتسمت الشابة المرحة وهي تنظر بثبات في عينيّ الشاعر اللتين اغرورقتا بالدموع…
– مرحبا أستاذ…
تسلّل صوت ملاك الأمس، ضعيفاً مرتجفا، إلى مسامعه، نظراته ملتاعةً مزّقت ما تبقّى من مقاومتها، انحنى لها محيّيا بابتسامةٍ تحتضر… صفّق الحاضرون بحرارةٍ وهم يتابعون هذا المشهد الحزين، وهوى رأس الزوج بين كتفيه…
تحشرج صوت الشاعر، محاولا أن يشكر الشابة التي تبتسم له بانتشاءٍ، حين عاد إلى مجلسه، مبتلعاً صدمته ونظرات زوجته الشامتة؛ التفت يبحث عنها، لم يجد غير ديوان شعره الأخير ملقىً على كرسيّها الفارغ…

لا تعليقات

اترك رد