المشاهد الساحرة في أعمال نابضة قراءة للوحات الفنان العراقي مراد إبراهيم

 

الفن التشكيلي العراقي غني وزاخر بالتجارب المتواصلة مما جعله يعرف تراكما إبداعيا يشكل فسيفساء من الرؤى والإمكانيات الفنية المفتوحة ،فالتزامن بين فنانين من مختلف الأجيال خلق تلاحقا ملحوظا له أثره الإيجابي على النهضة الفنية التي يشهدها العراق على غرار الدول العربية الأخرى.
ومن الفنانين العراقيين الذين لهم تواجد راسخ في الحركة الفنية التشكيلية العراقية ، الفنان مراد إبراهيم . مبدع لا يمكن تجاوز أعماله في الحديث عن التشكيل العراقي بكل أطيافه ،فنان وفيٌّ للإبداع ،ويبدو من كثرة إنتاجه ومنجزه الإبداعي أنه جعل الإبداع ضرورة حياتية لا يستطيع الانفصال عنه بأي حال من الأحوال.

فنان لصيق بالبيئة والمجتمع العراقي بكل تغيراته وبمظاهره العمرانية وما يعتمل في حضنها من تفاعلات مع الداخل والخارج من أحداث.
تستوقفك لوحاته متأملا في هذه العوالم التي يقدمها بألوان متجاورة ومتحاورة دقيقة التداخل والتدرج بالشكل الذي يفضي إلى المشهد العام الذي يبعث على الاستغراق في ثناياه بالمشاهدة والإصغاء والبحث عن الخفي وراء الظاهر من مفرداته المتنوعة .
أعمال فنية نابضة تعج بالحركية والدينامية ، تقدم جزءا من الحياة اليومية في مجتمع الفنان ،الناس في غدوهم ورواحهم ، الباص المنتظر من قبل ثلة من النساء والرجال،العربات المجرورة بالخيول ،الصغار والكبار في حركة دؤوبة ، المباني الشاهقة ،القباب والمحلات، الجسور المعتلية للوديان المائجة بمياهها العذبة….مفردات يتخذها الفنان موضوعا حيا يجعل لوحاته ناطقة تستلهم ملمحها من قلب الحياة.أعمال فنية تغلب عليها الألوان الساخنة الباعثة على الحياة والحماس من أجل التشبث بالحياة ومقاومة الظروف.وهي لوحات رغم بعض الهدوء الذي تحيل عليه تجسد الصراع الاجتماعي الذي لا يخلو منه أي مجتمع إنساني.
الفنان مرتبط بالمجتمع الذي يواجهه يوميا في الواقع وفي الحلم،فهو مصدر إلهامه بالمشاهد الغنية والعميقة الرؤية التي تستحوذ على اهتمامه والتي يرى تفاعل الجمهور معها.

والفنان بهذه الصفة مؤرخ للحياة في مجتمعه بإحساس الفنان الذي ينتقي المشاهد التي يرى فيها الحياة والدفء إلى جانب الرونق الجاذب للعين والمثير للتأمل العميق في معطياتها المتنوعة المتفاعلة بشكل أو بآخر. وفي كل ذلك نجده أسير الواقع المحيط به يرصده في أعماله رصدا إبرازا لتعلقه به وإبرازا لما هو عليه سلبا أو إيجابا.
لقد تناول الفنان مراد في الكثير من لوحاته المجسدة لاتجاهه الفني أسلوبا وتقنية إبراز جماليات المعمار والفضاءات العراقية متعانقة مع حركية أهلها في تواؤم يفرضه التعايش والوفاء للمنشإ ،وجاء ذلك رائقا تعبيرا ورؤية منسجمة انسجاما تفرضه الصفة الجمالية المرتبطة بخبرة الفنان وخصوصية تجربته.
لوحات يغلب عليها الانطباع المجسد بضربات سريعة وألوان متقاربة الملمح وأبعاد تمنح المشهد فسحة لسفر العين عبر مناحيها. وبذلك نعتبر أعماله أعمالا لها من الفرادة والخصوصية ما يجعلها إضافة نوعية لها علاقة بالتوثيق الفني المشهدي بشاعرية اللون والخط والملمح الموحي الجميل.

لوحات لا تخلو من خلجات الإنسان في علاقته بالمكان،ولا تخلو من الملمح المشترك بين شتى بلدان الوطن العربي،ولأنه يقدم الإنسان بعيدا بدون قسمات الوجوه فإنه يجعل كل مشاهد يتخيل ما يستلهمه منها ويعتقد أنه المقصود ، وبذلك تكون قراءة ومواجهة اللوحات لا نهائية، دائمة العطاء والإيحاء وتجسيد الهواجس المختلفة.

ويمكن إدراج تجربة هذا الفنان في علاقتها بالحداثة الاستيتيقية ،وذلك باعتبار الفن الحداثي “حقلا سائغا وسابغا للتجديد والخلق والتوليد،واعتبار الفنان الحداثي بمثابة ملاح نوتي يتقدم في استكشاف العالم وارتياد خرائطه واستباق وقائعه” 1.
الفنان العراقي مراد إبراهيم ينضم إلى موكب التشكيليين الرواد بالعراق ،وله أثره وملمحه الخاص بالتشكيل العربي بصفة عامة.
وقد تناولنا في مقالنا بصورة موجزة جانبا وحيدا من تجربته الغنية والمتنوعة التي تستحق أكثر من مقال ،فجل الفنانين اليوم تكون لهم أكثر من مغامرة وأكثر من تجربة رغم وفائهم لاتجاه وقالب معين أكثر من غيره.
فمراد إبراهيم فنان حداثي ” يجمع بين التشخيص والتجريد والموضوعية والشكلانية والتجريد والموضوعية والذات والآخر.2 ،ومسيرته الفنية تعِدُ بالكثير والكثير الباهر في القادم القريب أو البعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
ـ 1 الفن في أفق ما بعد الحداثة :التشكيل المغربي نموذجا،د.محمد الشيكر، INFINITY CONCEPT،الطبعة الأولى 2014 ص 111 بتصرف
ـ 2ـ نفس المرجع السابق ص122.

لا تعليقات