استاذتي نزيهة سليم

 

لاشك ان المتتبع لتحولات الفن العراقي الحديث ولاسيما فن الرسم في العراق ان يدرك بان هناك اسماء واعلام كانت لها بصماتها الخاصة والمتميزة من حيث الاسلوب والانشاء والتكوين، انها الفنانة الكبيرة الرائدة نزيهة سليم شقيقة الفنان الرائد جواد سليم، مؤسس جماعة بغداد للفن الحديث التي كانت تضم خيرة الفنانين العراقيين امثال شاكر حسن آل سعيد ونزار سليم، فرج عبو، محمد غني حكمت، خالد الرحال، رسول علوان، عبد الرحمن الكيلاني، جبرا ابراهيم جبرا وآخرون، كانت الفنانة نزيهة سليم المرأة العراقية الوحيدة الى جانب لورنا سليم في هذه الجماعة الفنية المتميزة التي اتسم اسلوبها في الرسم والنحت بانه اسلوب متفرد في وضع هوية جديدة للفن العراقي الحديث. كما كانت نزيهة سليم مع مديحة عمر الانموذج المتقدم للمرأة العراقية المبدعة.

قدمت نزيهة سليم العديد من الافكار والعناصر الفنية التي استنبطتها من البيئة العراقية لاسيما البغدادية، فهي ابنة لاحد كبار ضباط الجيش العراقي هو الحاج محمد سليم الذي عرف كأحد اهم فناني العراق الاوائل مع عبد القادر الرسام وغيرهم، فلم يكن الوالد الكبير لهذه العائلة انسانا اعتيادياً في التفكير بل كان باحثاً عن الجمال بشكل استثنائي ومتميز. ولدت نزيهة سليم عام 1927م فتاة وحيدة شقيقة لأخوة ذكور هم سعاد وجواد ونزار ورشاد، وقد كانت المدللة من ابيها وامها واخوتها، احبت نزيهة سليم الاطفال وكانت ترسم لهم الرسوم الجميلة بألوانها البراقة المعبرة عن البهجة والفرح والسعادة.

كما تأثرت بشكل كبير بأخيها الفنان الرائد جواد سليم وانتهجت اسلوبه في الرسم وتشكيل اللوحة العراقية الحديثة، كما قامت بإعادة رسم العديد من لوحات اخيها من جديد، وكانت لوحته (ام المكينة) التي تزين غرفة الاستقبال في بيتها وبيت اخيها في منطقة الوزيرية ببغداد، تمثل الروح النابضة لها وسط المكان، بيد انها سرقت في ليلة وضحاها وباتت خارج العراق مما سبب لها نوعاً من الالم والحالة النفسية الصعبة التي لم تستطع ان تتداركها الا بعد سنوات. كنت اتتبع نشاطها منذ ان كنت طالباً في المرحلة الابتدائية، اذ كان تلفزيون بغداد يعرض برنامجاً موجها الى الطلبة والاطفال والشباب بعنوان صباح الخير يستضيف فيه احد الرموز العراقية الثقافية الكبيرة لاسيما من كان منهم مهتماً بثقافة الشباب، ليتحدث عن تجربته وحياته الشخصية، لتظهر الاستاذة نزيهة سليم بوجهها البشوش البريء متحدثةً عن تجربتها في الرسم وكيف بدأت تتعلمه في كنف والديها واخوتها وعائلتها في المحلة البغدادية البسيطة وسط جو عائلي جميل وتشجيع ابوي كبير، فقد كانت تعيش ايام طفولة حقيقية في البحث عن ذاتها والتعبير عن طاقتها من خلال الرسم، لقد كانت تروي تلك الاحداث بابتسامة طفولية صادقة، وكنا نراقبها من شاشة التلفاز بإعجاب كبير، سالت عنها والدي فاكتشفت ان هناك علاقات وصلات قوية تجمعهما فكانت فرحتي كبيرة بذلك مما جعلني اتوق للقاء بها والاستمتاع باحاديثها ومشاهدة رسوماتها الجميلة.

لقد تحقق ذلك بان اكون طالباً في كلية الفنون الجميلة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي حيث دخلت الى هذه الكلية العريقة لأرى بنفسي من كنت اشاهدهم على شاشات التلفاز ليكون الامر لقاء حقيقي مع هذه الشخصيات المهمة طالباً ومتذوقاً لأعمالهم الفنية الرائعة عن قرب امثال فائق حسن، حافظ الدروبي، اسماعيل الشيخلي، محمد غني حكمت، اسماعيل فتاح الترك، فرج عبو، ونزيهة سليم. كنت اراها وهي تتجول بين اروقة الكلية بملابسها الملونة والمتميزة التي كانت تمنحك البهجة والفرح حال مشاهدتك لها، بحركتها الهادئة الرائعة، كانت تأتي الى قسمنا قسم التصميم وتدرس فيه مادة التخطيط لإحدى المراحل، وقد اثارني ذلك بان اذهب اليها واتعرف بها والتحق ضمن الصف الذي كانت تدرس فيه، وقد تحقق ذلك بالفعل فكانت سعيدة بشكل كبير عندما علمت ان لدي رغبة شديدة في التعلم والرسم والتخطيط، وبدأت اذهب معها دائما في اغلب دروسها والمعارض التي كانت تشترك فيها رافقتها الى هناك وهي سعيدة بان اكون معها لتعرفني الى الاخرين هذا تلميذي النجيب وولدي المخلص… انها كلمات لا يمكن ان تغيب عن ذاكرتي مهما تعاقبت السنوات واختلفت الازمان وتعددت الامكنة، لم تكن استاذتي نزيهة سليم رائدة ومعلمة حسب بل كانت انسانة بمعنى الكلمة، كنت اتردد عليها باستمرار في بيتها بمنطقة الوزيرية حيث كانت تجلس وحيدة هناك تحاور ام المكينة التي كنت استمتع بمشاهدة تقنية رسمها ما بين الالوان الزيتية والطباشير وغيرها من الخامات الاخرى فضلاً عن حركتها التلقائية وهي تحمل ماكنة الخياطة، على رأسها. لقد اصيبت بألم شديد جراء فقدان هذه اللوحة بعد ما سرقت بطريقة غامضة، فاختفت الذكرى التي كانت تعيش من اجلها انها ذكرى جواد.. كما كانت تقول.

تميزت اعمال الفنانة الكبيرة نزيهة سليم بمميزات عامة تشابهت بشكل كبير مع طريقة او اسلوب جماعة بغداد للفن الحديث الذي كانت تنتمي اليه، اذ رسمت العديد من مشاهد الحياة اليومية العراقية لاسيما البغدادية كالتقاليد والاعراف التي كانت متداولة في المجتمع البغدادي، رسمت الاعراس والحفلات والمرأة العراقية التي وضعتها في صور مختلفة ومتعددة الجوانب، اذ رسمت المرأة الام ، في لوحتها (ام الفنانين) وهي تمثل والدتها التي كانت تتعلق بها بشكل كبير وحميم، كما كانت تذكرها دائما، كما كانت لمواقفها الوطنية الثابتة ازاء احتلال فلسطين والقضايا العربية المهمة التي مر بها تاريخ العرب الحديث من صراعات وحروب ومواقف جمه، اذ عبرت بشكل مهني وتقني عال عن تلك الارهاصات والمعاناة الكبيرة للفلسطينيين وهم يكافحون من اجل تحرير بلادهم. لقد رحلت نزيهة سليم تاركة ارثاً كبيراً لا يقدر بثمن… فقد اهدتني لوحتين رائعتين كانت اللوحة الاولى هي اعادة لعمل مهم لأخيها الفنان جواد سليم بعنوان (اطفال يلعبون بالشارع) كما اهدتني لوحتها الرائعة بعنوان (خيول) وكانت قد كتبت لي اهداء تاريخياً لا ينسى ابداً ((الى ولدي العزيز معتز مع الممنونية اهديك لوحتي هذه واتمنى لك دوام النجاح)) الخلود والسلام لذكراك استاذتي الغالية…..

المقال السابقجوازُ عتريس من فؤادة باطلٌ
المقال التالىحوار مع الكاتب الصحفي زيد الحلي
معتز عناد غزوان إسماعيل الشهادات العلمية التي حصل عليها في التخصص: 1- البكالوريوس- التصميم الطباعي. 2- الماجستير- التصميم الطباعي. 3- الدكتوراه – التصميم الطباعي 4- البريد الالكتروني: mutazinad72@yahoo.com الدروس التي قام بتدريسها: الكرافيك، التصميم الطباعي، المنظور، التصوير الطباعي، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد