واغفاريــــــــــــــاه


 
واغفاريــــــــــــــاه
لوحة للفنان قاسم الحسيني

اختصم الاطفال وعلا صراخهم قرب الموقد الوهمي لقدر فارغ ، نفد صبرهم وطال انتظارهم ، من دون ان يكشف القدر عن محتواه الموعود، ماذا عساها ان تفعل لتسكت الافواه الجائعة والبطون الغرثى ، لم تجد امامها سوى بطانية جاد بها عليها احد المرشحين لانتخابات البرلمان ثمنا لصوتها في صناديق الاقتراع ……
كعادتها استعارت عباءة جارتها سترا لها كي تذهب لسوق ((الهرج)) لبيع البطانية…. تسير مثقلة بهموم ثقال وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها وقد فقدت حبيبها. زوجها ، في انفجار اجرامي مع عدد من زملائه في مسطر العمال ….
صور الكلمات اخذت تتبدل او تتقطع مفاصلها وهي راقدة على سطح اللافتات المجدرة لوجه الشارع حيث اصبحت الديموقراطية دم و قراطية ، وانتخابات ، خيبات ….الخ .
ترى جموع كبيرة من ذوي الكروش وأصحاب العمائم واللحى البهية ، وهم يسبحون ويشكرون الله على ما انعم عليهم ، مختمة جباههم موردة خدودهم تشع علامات النعمة والرخاء من وجوههم ، يسيرون الخيلاء فرحين مستبشرين ، تكشف وجوهم عن عكرة ونفرة وهم يقرؤون مقولة (( من بات شبعانا وجاره جائعا اكبه الله على منخريه في نار جهنم ))، تراهم يتبادلون اشارة الهزأ ب(( ما جمعت ثروة إلا من بخل او حرام ))….
على حين غرة تراهم وقد جفلوا كما تجفل الخراف من هجمة ذئب جائع ، يستتر بعضهم ببعض ، واضعين اكفهم فوق صدورهم لتفعيل عمل ادعية وحروز وتمائم وضعوها في جيوبهم لتقيهم شر حاسد اذا حسد ……وسط استغرابها لما جرى شاهدت شيخا مهيبا رافعا سبابته بوجوههم يلا حقهم وهو يردد بصوت جهوري مبين (( واللذين يكنزون الذهب والفضة …))، اصابتها رجفة وخوف وهمت بالهروب ، فأحست بارتطام رأسها في سياج قصر منيف ، لتصحو من شبه شرود فكري ذهب بها بعيدا وهي تتفكر واقع الحال ….
كفكفت دموعها ، ثم غسلت وجهها بقليل من الماء من قنينة حملتها معها كما هي عادتها لتطفئ نيران عطشها الدائم لإصابتها بداء السكر ، واصلت مسيرها صوب سوق هرج الذي وجدته يغص بالناس ، ويضج بأصوات السماسرة والباعة وهم يعلنون عن بضاعتهم، وقد غلب على المعروض اثاث منزلية و، وادوات للمطابخ مستعملة ، وكتب معلمة بأسماء اصحابها وووو. ما ان دخلت السوق حتى تلاقفها ((البياعه شرايه )) :- ها اختي ماذا لديك للبيع ؟؟
يسحبها اخر تعالي عيني انا سوف اعطيك مايرضيك، وآخر ثم اخر… مما اربكها كثيرا وأصابها بالتلعثم حتى كادت تنسى ما اتت لأجله وهي تنظر مستغربة بوجوه من تلاقفوها …. ثم قالت :-
اخواني انا عندي هذي البطانية للبيع … اخذها احدهم منها واخذ يصيح بطانية للبيع بطانية مال محتاج بيش نكول؟؟
فلم يقدم على شرائها احد فما حاجة الناس الى بطانية مستعملة في حر الصيف ، هكذا قال السمسار محولا اقناعها ببيعها لأحدهم بسعر لا يعادل سعر كيلو طحين مدعيا بأنه لا حاجة له بها وإنما يريد ان يساعدها ،وقد يتصدق بها الى احد الفقراء لوجه ألله غامزا للسمسار بطرف عينه ، بأنه سوف لا ينساه … لكنها رفضت فسعرا لبطانية لا يسد لها حاجة…. مما جعل احدهم يعرض عليها حلا يناسبها كما يرى ، فاقترح عليها ان تستتر بالبطانية وتبيع عباءتها التي تبدو جديدة ، فسيشتريها بسعر يرضيها ….اختنقت بعبرتها وحنقها على هذه المسوخ البشرية ، وأدعياء الرجولة والغيرة والتدين وهم يريدون ان يسلبوها سترها ((عباءتها)) ليتربحوا بها ، لا يعلمون انها لا تملكها ، لا يعلمون ان ثوبها ممزق لا يستر جسدها ، ارادت ان تبصق في وجوههم لولا تبصرها وخشيتها من بطشهم ولكنها هرولت وهي تندب ((واغفارياه ))لتلحق بصاحب نداء:-
(( بشر الكانزين بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .))

لا تعليقات

اترك رد