عَنْهنَّ أكتب – ج 3 – عشوائيات في الحب – العشوائية 40

 

يبدو أنَّ البئرَ الذي كنّا نجلسُ في حرَمِهِ ، هو المَورِدُ الوحيدً للماء في تلك الناحية . ما أن أتمَمْتُ مَلءَ إبريق الفَخّارِ من ماءه لنشرب ، بدلوِ المطَّاطِ المُستَخْلصِ مِنْ بقايا دواليبِ السيّارات ، تابَعتُ نَشْلَ الماءِ وصَبِّه في جرنِ البِئر ، لِسُقيا غنمِ مُضيفَتي .

إلتَفَتَتْنا معا فجأة ، صوبَ صوتِ امرأة خمسينية تُحيّينا ، بعد أن نزلت عن ظهر حمارها العَفيٍّ كأنّه حصان ، مستأذنة ملء قِرْبَتين بالماء . علمتُ وأنا أتابع نشلَ الماء ، أنّ السيدةَ نحّالَةٌ تتجه يوميا بمثل هذا الوقت ، إلى تفقُّدِ مِنْحلَتَها الموزعة فوق الأرض المجاورة .

قبل أنْ أتمَّ ملء القِرَبِ بالماء ، أقبَلَتْ علينا مِنَ الناحية الغربية ، فتاتان تمشيان على استحياءٍ مع بضعِ شياه . بعد تبادل التّحايا ، أخبرتنا الصغرى كما خمَّنْتُ ، أنّهُما تنتظران انتهائي ، ليستعيرا الدّلوَ لتسقيا أغنامهما . فَسقيتُ لهُما .

بعدَ مشقّةِ السُّقيا ، لجأتُ إلى شجرةِ تينٍ إحْماطيٍّ قائمة قرب كومة الطين بعيدا عن حواف البئر ، لأعِدّ إبريق الشاي ، بانتظار تجهيز طعام الافطار الذي ستنكب صديقتي الراعية على إعداده . وسرعان ما اتفقت النسوة الأربع على أن نتناول إفطارنا معا هنا .

ما أن ذهبت النحالة إلى مِنحلَتها لتحضر شيئا ، فتَحت مُضيفتي صرَّة الطعام ، وتناولت منها رأس بصل فَحْلٍ ، وبضربة واحدة بقبضة يدها اليسرى فَغَشَتْه ، و تابَعت تقطيعَ حبات البندوره البلدية والخيار البَعِل بشبريّتِها ، وفي دِبْسِيّة من الألومنيوم ، خلطَتْ البصل والبندورة والخيار المقطع ، مع الزيت والليمون ورشة ملح ، ومن ثم تناولت علب الخاثر والزيتون الأخضر والزعتر وخبزَ الطابون .

وما هي إلا دقائق ، حتى عادت من خمّنْتُ أنّها الصغرى من الأختين تتقافَزُ كالحجل ، وهي تحمل علبة من الزبدة البلدية ، وأقراصا من الجبن الطري ، وخبز شراك طازج . وعادت النحالة على عجلٍ من مَنحلتِها ، تحمل قُرصا من شهدِ العسل الجبلي الداكن ، في صينية من الستانلس اللامع ، مع رزمة من خبزالتنور البلدي .

تمّ توزيع الأكل على قطعة قماش ناصعة البياض تم بسطها فوق العشب : سلطة الرعيان ، لبن خاثر ، زيتون أخضر ، زيت الزيتون والزعتر ، وعسل الجبل ، وجبن وزبدة كركية بيضاء ، وتناثرت حول الطعام ، كاسات الشاي الغامق مُسبقِ التحلية ، متجاورة مع الكثير من خبز الطابون والشْراك والتّنور .

قبل أن نبدأ متعة الأكل ، تراقصت من حولنا عصافير ، تطالب بشي من فتات إفطارنا . إستجبنا فَرِحين . تسابَقَتِ العصافيرُ دون خوف أو وجَلٍ ، لالتقاط ما نَثرْنا منْ فُتاتٍ حولَنا . وازداد فرحُنا حين تناهى إلى أسماعنا ثانية ، صوتُ النّاي من البعيد .

مع تكرار كاسات الشاي ، حدّثتنا النحّالةُ وهي تترحّمُ على والد صغارها الثلاث ، أنّها بعد رحيله المُفاجئ ، لَمْ تستسلم للحاجةِ ولا للشكوى أوالتذمر . شمّرَت عن ساعديها ، وباعت مصاغَها ، ومع قرضٍ حَسَنٍ من جارتها مديرة المدرسة ، أسّسَت منحلا بسيطا في البداية . سرعان ما بارك الله جهودَها وأمانَتَها ، فاتّسَعَ . وباتَت مشهورةً في المنطقة ، بعسلِها الموثوق به وبملحقاته .

أمّا الفتاتان فلهما حكاية أخرى ، كما قالت عنها بفرحٍ الأخت الكبرى . أنا أمَلْ واختي هذه رِضا ، توأمٌ مِنْ أسرةٍ فقيرة . بتشجيع من أبينا الطاعن بالسن ، بعد رحيل والدتنا يرحمها الله ، التي كانت تعمل جَبَّانَةً بالأجر عند آخرين ، وبعد نجاحنا في الثانوية العامة ، بعد أشهرٍ قليلة من رحيل الوالدة ، ولِنُمكِّنَ أختنا نجاح من استكمال دراستها الجامعية ، إستثمرنا خبرة أمِّنِا وسمعة أبينا ، في تأسيس مجبنة في المدينة . توسّعت فنقلناها إلى هُنا ، بالقرب من مصادر الحليب . أتْقنّا عمَلَنا وأخلَصنا به . بِتْنا معروفتين بإنتاج أجود أنواع الجبن والزبدة والسمن والمخيض والجميد . نبيعه تواصِيَ لزبائن مستدامين . وأبشّركم أنّ أختَنا الثالثة نجاح ، وهي أكبرنا الثلاثة ، ستتخرجُ صيفَ هذا العام ، مهندسة في التصنيع الغذائي .

قبلَ أنْ نتواعد على تكرار هذا الأفطار كلّما لاحَتْ لنا فرصة ، إلتفتَتْ مُضيفتُنا المهندسة الراعية إلينا جميعا وهي تقول : أمّا أنا فليَ حِكايةٌ أخرى ، يُسعدُني رِوايتَها لكم الآن . ولكن ، إسمحوا لي بدقائق قليلة ، أطمئنُّ بِها على قيلولة غَنَمي . وجَدَتْها كالعادةِ في قيلولَتِها مُتلاصقةً مُتراصَّةْ كأقراصِ الجبن ، ومِنْ ثَمّ قالت وهي مُطْمَئِنّة : ….

للحديث بقية …

لا تعليقات

اترك رد