في ضيافة النحويين

 

عندما تكون في ضيافة النحويين فلا بد أنك من حيث تدري أولا تدري ستكون تحت وابل من الغمر والهمز واللمز . ولا بد أنك واقع لا محالة في خطأ نحوي أو لغوي أو دلالي ومن منا يتقن اللغة بكل تفاصيلها . هيهات نتقن اللغة بكل تفاصيلها . وما قصص ابن خروف والحرالي وابن منظور وابن مالك والخليل بن أحمد وسيبويه والفيروز آبادي وابن سيده وابن فارس وأبو إسحاق الزجاج و الجوهري وأبو علي الفارسي وابن جني والمبرد وغيرهم الكثير إلا مثال يحتذى به في هذا السياق سنكون اليوم في ضيافة النحويين ونستمتع بمجموعة من حكاياتهم .

يحكى أنه حدث لأبي علقمة النحوي علة ، فدخل عليه أفضل طبيب يعوده.
قال الطبيب : ما تجد ?
قال أبو علقمة : أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئتطسأة، فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق، فما زال يزيد وينمى حتى خالط الخلب والشراسف، فما ترى ?
أجابه الطبيب : خذ خربقاً وسلفقاً وشبرقاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه.
قال أبو علقمة : ما تقول يا رجل ?
أجابه الطبيب : وصفت لي من الداء ما لا أعرف، فوصفت لك من الدواء ما لا تعرف.
قال أبو علقمة : ويحك فما أفهمتني.
أجابه الطبيب : لعن الله اقلنا إفهاماً لصاحبه.

ويحكى أن رجلا اسمه عمر قال لعلي بن سليمان الأخفش : علمني مسألةً من النحو ?
فأجابه قائلا : تعلم أن اسمك لا ينصرف.
وفي يوم من الأيام أتاه وهو على شغل.
فقال الأخفش : من بالباب؟
قال: عمر.
قال: عمر اليوم ينصرف.
قال: أوليس قد زعمت أنه لا ينصرف ?
قال: ذاك إذا كان معرفة وهو الآن نكرة .

ويحكى أن أبا العبر قال: قال لي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الظبي معرفة أو نكرة ?
فأجبته : إن كان مشوياً على المائدة فمعرفة، وإن كان في الصحراء فهو نكرة. فقال: ما في الدنيا أعرف منك بالنحو.

ويحكى أنه كان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه ، فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت ، فاجتمع عليه أولاده ، وقالوا له: ندعو لك فلانا أخانا؟ قال: لا إن جاءني قتلني. فقالوا له: نحن نوصيه أن لا يتكلم!
فدعوه إلى مجلس والدهم ، فلما دخل عليه قال له: يا أبت قل لا إله إلا الله تدخل بها الجنة، وتفوز من النار، يا أبت! والله ما أشغلني عنك إلا فلان فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج. فصاح أبوه: أغمضوني إلى أن يأتي ملك الموت إلى قبض روحي .

ويحكى أن رجلا نحويا قال لابنه: إذا أردت أن تتكلم بشيء ، فاعرضه على عقلك ، و فكر فيه بجهدك حتى تقومه، ثم أخرج الكلمة مقومة.
وبينما هما جالسان في الشتاء ، و النار مشتعلة ، وقعت شرارة في جبته، وهو غافل عنها والابن يراه، فسكت ساعة يفكر، ثم قال: يا أبت أريد أن أقول لك شيئا، أتأذن لي فيه؟
قال أبوه: إن حقا فتكلم.
قال الولد : أراه حقا.
أجاب الأب: قل
قال: إني أرى شيئا أحمر على جبتك .
أجاب الأب: ما هو؟
قال: شرارة وقعت على جبتك ، فنظر أبوه إلى جبته و قد احترق منها جزء كبير.
قال للابن: لماذا لم تعلمني به سريعا؟
قال: فكرت فيه كما أمرتني ، ثم قومت الكلام ، و تكلمت به، فنهره ، و قال له: لا تتكلم بالنحو أبدا.

ويحكى أن أحد النحويين دخل السوق ليشتري حمارا ،
فقال للبائع: أريد حمارا لا بالصغير المحتقر و لا بالكبير المشتهر، إن أقللت علفه صبر وإن أكثرت علفه شكر، لا يدخل تحت البواري ولا يزاحم بين السواري، إذا خلا في الطريق تدفق وإذا أكثر الزحام ترفق.
أجابه البائع بعد أن نظر إليه ساعة وكظم غيظه : إذا مسخ الله القاضي حمارا بعته لك.
ويحكى عن الفراء النحوي أنه قال: “من برع في علم واحد سهل عليه كل علم”،
فقال له محمد بن الحسن القاضي – وكان حاضرًا في مجلسه ، وكان ابن خالة الفراء : أنت قد برعت في عِلمك، فخذ مسألةً أسألك عنها من غير علمك! ما تقول فيمن سها في صلاته , ثم سجد لسهوِه، فسَها في سجوده أيضًا؟
قال الفراء: لا شيء عليه.
قال: وكيف؟
قال: لأن التصغير عندنا معشر النحاة لا يُصغَّر؛ وكذلك السهو في سجود السهو لا يُسجَد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير؛ فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يُجبَر، كما أن التصغير لا يُصغَّر.
فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدْن مثلك.
ويحكى أنه رُوي أن أبا يوسف – صاحب أبي حنيفة – دخل على الرشيد يوما ، والكسائي يُداعبه ويمازحه؛ فقال للرشيد : أبو يوسف هذا الكوفي – يقصد الكسائي – قد استفرغك وغلب عليك.
فقال: يا أبا يوسف ، إنه ليأتيني بأشياء يَشتمِل عليها قلبي.
فأقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟
فقال: نحوٌ أم فقه؟
قال: بل فقه.
فضحك الرشيد حتى فحص برجله ، ثم قال: أتُلقي على أبي يوسف فقهًا؟
قال أبو يوسف: نعم.
قال الكسائي: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: “أنت طالق أَنْ دخلت الدار”، وفتحَ أن؟
قال أبو يوسف: إذا دخلَت طُلِّقت.
قال الكسائي: أخطأت يا أبا يوسف.
فضحك الرشيد و قال: وما الصواب؟
قال الكسائي: إذا قال “أن” فقد وجب الفعل ووقَع الطلاق، وإن قال: “إن” فلم يَجِب ولم يقع الطلاق.
قال: فكان أبو يوسف بعدها، لا يدع أن يأتي الكسائي.
ويحكى أن أبا علقمة النحوي، وكان لغويا معروفاً بالجزالة في اللغة واستخدام المفردات الغريبة التي لا يكاد يفهمها أحد، وقد روى ابن جنّي: أنّ أبا علقمة مرّ يوماً على عبدين حبشي وصقلي ، فإذا الحبشي قد ضرب بالصقلي الأرض، فأدخل ركبتيه في بطنه وأصابعه في عينيه وعضّ أذنيه وضربه بعصا فشجّه وأسال دمه،
فقال الصقلي لأبي علقمة: اشهد لي بما حصل .
فمضوا إلى الأمير، فقال له الأمير، بمَ تشهد؟
قال أبو علقمة: أصلح الله الأمير، بينما أنا أسير على كودني، إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع، فمطأهُ على فدفدٍ، ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه، حتى ظننتُ أنّه تدعّج جوفه، وجعل يلج بشناترهِ في حجمتيه يكاد يفقؤهما، وقبض على صنارتيه بمبرمهِ، وكاد يجذّهما جذّاً، ثم علاه بمنسأةٍ كانت معه فعفجه بها، وهذا أثر الجريال عليه بيّناً.
فقال الأمير: والله ما فهمت ممّا قلت شيئاً.
أجابه أبو علقمة: قد فهّمناك إن فهمت، وأعلمناك إن علمت، وأدّيت إليك ما علمت، وما أقدر أن أتكلم بالفارسية.
حاول الأمير أن يفهم كلامه حتى ضاق صدره، ثم كشف الأمير رأسه، وقال للصقلي: شجنى (ضربني) خمساً وأعفني من شهادة هذا.
ويحكى أن أنّ شيخا للعربية مرِض فعاده أصحابه في بيته فلم يجدوه، وخرجت لهم بنت له صغيرة ، فسألوها عن والدها فأجابت قائلة :
فاءَ أبي إلى الفيفاء يفيء فيئاً فإذا فاءَ الفيء يفيء أبي
فانصرفوا عنها وهم في عجبٍ من فصاحتها ومن حسن تربية أبيها لها.
ويروي أحدهم الحكاية التالية حيث يقول : بينما أنا في مكتبي في عملي ، قالتْ لي إحدى الزميلات : ” يا نبيلَ ، أعطني التقاريرَ كي أعطيَها للمدير” .
فقلتُ لها : “حاضر ، لكنْ ضُمّي نبيلَ أولاً ، فالمنادى يجبُ ضمُّه هٰهنا” ؛
وقد كانت زميلتي لا علم لها بقواعد النحو والإعرابَ في اللغة العربية – لغة الضاد – وكان كلامها منطوق لقيط من عربية وفرنسية وانكليزية ..ز
فذهبتْ واشتكتني لمديرِ الإدارة ، الذي لم يكتفِ بتوبيخي بشدة وبتقديمي للمجلس التأديبي للتحضير لطردي من الشركة ، بل اتصَّلَ بمديرِ المباحثِ الجنائية ، وسلَّمني إليهِ بتهمةِ التحرشِ بإحدى الموظّفات .
أخذتني الشرطةُ ، وبعدَ ألفِ صفعةٍ على وجهي وألفِ لكمةٍ على أنفي ، انتهى دوامُ شرطة الصباح الذينَ كلّما قلتُ لهم : “قصدّتُ أن تَضُمَّ اللام ، لا أنا ، زادوا في قوةِ الصفعة.
جاء رجال شرطة المساء ، وكانَ في مقدمتهم رجلُ علمٍ مُبحرٌ في كل شيء .
فسألني : “ما تهمتُك يا أيها النبيلُ ، وأشبعَ اللامَ فظهرتْ واواً.”
فقلتُ في نفسي : “جاءَ الفرج. ”
ردَّ سريعاً : ” أيُّ فرجٍ ؟ ومكتوبٌ في سجلّكَ أنَّك متحرشٌ بالسكرتيرةِ الموظفة.”
أجبت : “يا حضرة الضابط ، إنني …”
قاطعني قائلا : “بل أنا  شرطي.”
فقلتُ له : “تهمتي هي تهمتُك ، أنَّني صحَّحت خطأً لُغَوياً لإحداهُنَّ ، فظنَّتهُ تحرُّشاً” .
وسردّتُ له القصَّةَ مفصَّلة ، ثم أردفتُ قائلا : “ها أنا بين يديك ، وها قد علمتَ حكايتي ، فاحكم بحكمِ الله، وبرجاحةِ عقلِ عُمر ، لا بحكمِ الجاهلين” .
أخذني الشرطيُّ ، ومن حسنِ حظي أنَّه كان برتبةِ ضابط رفيع المستوى ، فخلَّصني من القيود ، ولم يكتفِ بذلك  بل أخذَ بي إلى مكانِ عملي في اليومِ التالي ، وشرحَ قصَّتي لمديرِ العمل ، الذي تبينَ لنا من خلالِ فكرهِ المحدود ، أنه لم يجتزِ الثانويةَ العامة ، وقدَّمَ اعتذاراً للموظَّفةِ بالنَّيابةِ عني .
وفي نهاية اللقاء ما عدّتُ أنسى عبارةً باتت لا تُفارقُ سَمعَ عقلي :
“خاطبِ الناسَ على قدرِ عقولهم .”
فالمخاطبُ يحكُمُ عليكَ بما وعاهُ عقلهُ ، لا بما أردتَه أنت، للعبرة فاعتبروا ، يا أولي الألباب .
ويحكى أن مدرسا للغة العربية أراد أن يتزوج، فسألهُ أصدقاؤهُ: ما هي صفاتُ الزوجة التي تتمناها؟
فأجاب: أريدُها مرفوعةَ الهامة، منصوبةَ القامة، مجرورةَ الثّوب، مُجرَّدةً عن العيب، مربوطةَ الشَّفتين، مبسوطة الكفَّين، مُؤنَّثةً تتقنُ أسلوبَ الإغراء، وتطيعُ فعلَ الأمر بلا استثناء، وتجيبُ النَّداء، وتفهمُ بالإشارة من غير عبارة، لا تعرفُ الجملةَ الاعتراضيَّة ولا أفعالَ الظن، وليس في قاموسها: (لا ولم ولن)، ضميرُها مُتَّصلٌ بضميري، منفصلٌ عن غيري، إذا طلبَتْ فغيرُ جازمة، من كلِّ عِلَّةٍ سالمة، إذا رأيتُها سَبْحَلْتُ، وإنْ غابَتْ عنّي حَوْقَلْتُ، تجاملني بالكناية والتَّصريح، فعلها تامٌّ صحيح، لا تنازعني في عمل الفاعل على الإطلاق، قولي عندها معلومٌ لازمٌ بلا طلاق، تعاملني بالسُّكون والعطف، أمَّا مالي عندها فممنوعٌ من الصرف .
وتاريخنا غني بالقصص الجميلة والدافئة ولا بأس إن عادت بنا الذاكرة للوراء نسترجع فيها أجمل الحكايات والحكايات تروي تاريخيا منسيا .
محبتي لكم أصدقائي وصديقاتي .

لا تعليقات

اترك رد