كما بات النفوذ الإيراني يهدد المصالح الأمريكية فهل بات النفوذ التركي أيضا يهدد المصالح الأوربية ؟

 

بعد فترة تعاون طويلة بين الثورة الخمينية التي أتى بها الغرب في 1979 وبين الصهيونية العالمية التي انتهت باحتلال العراق بمساعدة الحرس الثوري الإيراني وتسليم العراق للحرس الثوري الذي أزعج العرب ولكنهم لا يمتلكون القدرة على منع ذلك، لكن ارتفاع تكاليف الهيمنة الأمريكية العالمية التي مكنت الصين وروسيا من الصعود كما تعتقد أمريكا أنه على حسابها فاتجهت نحو إعادة التموضع لمواجهة هذين النفوذين مما ترك ثغرات تتنافس على ملئها الدول الإقليمية.
واعتبرت أمريكا أن قواعد الصراع مع إيران قد تغيرت بسبب أن السعودية اتجهت شرقا ونسبة صادراتها للنفط أكثر من 75 في المائة، في المقابل ستتمكن الصين وروسيا من إقامة علاقات استراتيجية مع السعودية على حساب الولايات المتحدة في المنطقة، لذلك غيرت من استراتيجيتها فنجد أن قانون قيصر يهدف إلى تصفية الوجود العسكري الإيراني في سوريا وما راكمته من نفوذ في سوريا، بل بات الهدف اليوم ليس تحجيم النفوذ الإيراني بل إخراجها من سوريا نهائيا، ولم يكن أمامها سوى إتباع سياسة التخفي وتكتيكات عسكرية والبحث عن تحالف مع تركيا التي تعاني هي الأخرى حصار من قبل جميع الدول الأوربية والعربية مما يحتم على الطرفين تشكيل محور يمتد إلى نقاط أخرى كأثيوبيا والتنسيق معها ودعمها ضد مصر فيما يتعلق بسد النهضة.
يؤلم إيران وتركيا من أن السعودية أسست مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في 6 يناير 2020 ومقره الرياض في ظل التصعيد الذي تتبعه إيران وتركيا كواحدة من أهم الخطوات دعما لأمن واستقرار البحر الأحمر وخليج عدن كممرين مائيين لهما تأثير على حركة التجارة الدولية خصوصا بعدما أقامت تركيا قاعدتين عسكريتين في قطر وفي الصومال وأفشلت السعودية إقامة تركيا في جزيرة سواكن السودانية.
في المقابل أسست دولة مصر منتدى للغاز شرق المتوسط في يناير 2019 بعدما أشار المسح الجيولوجي إلى وجود كميات ضخمة من الغاز في شرق المتوسط قدرت بنحو 122 تريليون قدم مكعب، وضم التحالف إسرائيل ومصر والأردن واليونان وقبرص وإيطاليا والمناطق الفلسطينية، فيما تم عزل سوريا ولبنان وتركيا من المعادلة، ما يعني عزل أيضا إيران التي تسيطر على سوريا ولبنان، فيما تتوجه إسرائيل نحو تصدير الغاز إلى الاتحاد الأوربي من خلال توقيع اتفاقية مع قبرص واليونان على أن يبدأ ضخ الغاز بداية 2025.
تبنت تركيا استراتيجية الوطن الأزرق في عام 2011 لاستثمار الثورات في الوطن العربي عبر جماعة الإخوان المسلمين التي تنتمي إليهم تركيا حزب العدالة والتنمية وقدمت نموذجا تنمويا ناجحا خصوصا بعدما فشلت تركيا في اختراق الإتحاد الأوربي وتطبيق معاييره من أجل الانضمام إليه، لكنها اليوم اتجهت نحو استباق نهاية توقيع اتفاق لوزين بعد الحرب العالمية الأولى 1923 والتي تنتهي 2023 والذي أوقف نفوذها خلال تلك الفترة، فهي تبحث عن نقاط ضعف لاستعادة نفوذها العثماني عبر بقايا العثمانيين العرب في المنطقة بعد قضاء الشعب المصري في 30 يونيو 2013 على حكم جماعة الإخوان المسلمين بدعم السعودية.
وكما خشية أمريكا من اتجاه السعودية شرقا وتمكين الصين وروسيا في المنطقة كذلك خشيت أمريكا من دعوة القوميين الأتراك من بناء علاقات أعمق مع روسيا والصين وهو ما يفسر شراء تركيا أنظمة الدفاع الجوي الروسية أس 400 في 2019 على الرغم من أنها عضو في الأطلسي وإقامة مشروع ترك ستريم ما يجعل الولايات المتحدة تتخذ موقفا مقاربا مع تركيا يزعج العرب وأوربا.
يزعج إيران وتركيا أن روسيا لديها علاقات استراتيجية عميقة مع السعودية حول عدد من الملفات وبشكل خاص حول الملف النفطي بل إن روسيا في اتفاقية استانة حول سوريا اعتبرت أن الاتفاق لا يكون شرعيا حتى تنضم السعودية إليه، لكن السعودية رفضت الانضمام إليه واعتبرت أن انضمامها يعطي شرعية للنفوذ الإيراني في سوريا، فيما هي تطالب بخروج إيران بالكامل ليس فقط من سوريا بل من المنطقة العربية.
ترى تركيا في استراتيجية الوطن الأزرق أنها تزعم الهيمنة التركية على بحر إيجة وشرق البحر المتوسط والبحر الأسود، ولم تتحرك أمريكا ولا الاتحاد الأوربي تجاه تركيا، فأمريكا حريصة على علاقتها بتركيا لعدة أسباب أولها أنها تستخدمها ورقة ضد روسيا في سوريا وفي ليبيا، والاتحاد الأوربي لا يود إزعاج تركيا التي تهددها بفتح باب اللاجئين نحوها عبر اليونان، وهذا ما جعل ماكرون يصف الناتو بالموت السريري، وحتى إيريني الذي نتج عن مؤتمر برلين حول ليبيا لمراقبة تدفق الأسلحة على ليبيا لم يتمكن القيام بدوره ومنع وصول الأسلحة التركية إلى ليبيا بل تحرشت السفن التركية بفرقاطات فرنسية.
لذلك هم يعولون على الدول العربية مصر والسعودية بعدما استخدمت مصر الدبلوماسية العسكرية ووضعت خطا أحمرا لأنقرة إذا تجاوزته نحو سرت والجفرة، وهما منطقة الهلال النفطي، مما يجعل تركيا تعيد حساباتها، ولا تود الدخول في أي عملية عسكرية ترهق اقتصادها، رغم أن التمويل عربي من قبل جبهة الوفاق ومن قبل دولة قطر، لكن استخدمت أمريكا نفوذها ونصحت فائز السراج بعد التوغل نحو سرت لأن مصر والسعودية لن يترددا في الدفاع عن أمنهما مثلما قامت السعودية بعاصفة الحزم في 2015 في اليمن لوقف النفوذ الإيراني دون موافقة الولايات المتحدة ولكنها اكتفت بإعلامها، كذلك ستقوم مصر بدعم السعودية بوقف النفوذ التركي في ليبيا دفاعا عن أمنها الإقليمي حالة صممت تركيا على التوغل نحو سرت والجفرة، لأن مصر والسعودية يعلمان أن أمريكا والاتحاد الأوربي غير قادرين على مواجهة تركيا في المنطقة العربية، خصوصا وأن تركيا اختارت الرد على منتدى الغاز بتشكيل تحالف مع غرب ليبيا للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.
كما استخدمت مصر الدبلوماسية العسكرية مع تركيا في ليبيا استخدمت تركيا دبلوماسية البوارج الحربية وقيامها باعتراض سفينة حفر إيطالية قبالة سواحل قبرص والتي تحرك التوتر أيضا بين تركيا واليونان العضو في الاتحاد الأوربي ويزعج تركيا أن دولة مصر التي تمتلك أكبر احتياطي للغاز في شرق المتوسط أقامت تحالفا مع قبرص لتطوير استخراج الغاز من قبرص، فتركيا تعاني من حصار فرضته الدبلوماسية المصرية الذكية مقابل العربدة والعجرفة الأردوغانية التي جعلت الأتراك في الداخل ينتقدون تهور أردوغان الخارجية الذين يعتقدون أنه يتجه إلى الخارج للتغطية على انهيار الاقتصاد التركي الذي تسببت السعودية والإمارات في انهياره بعد سحب استثماراتها ووقف التعاون الاقتصادي السابق مع تركيا مما قاد إلى انهيار الليرة التركية.
يزعج تركيا وإيران أن إسرائيل عضو في منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط والذي مقره القاهرة، ما أعطاهما فرصة في تسويق من أن مصر والسعودية قبلتا بصفقة القرن وهي فرصتهما من أجل التسويق لمشروعيهما في المنطقة، خصوصا وأن تركيا تعتمد كثيرا على بقايا العثمانيين العرب ( بقايا الإخوان المسلمين في المنطقة والذين يلتقون مع تيار ولاية الفقيه ) الذين يتمنون الغلبة للجيش التركي أينما حل في أوطانهم انتقاما فقط من دعم السعودية للجيش المصري وثورة يونيو الشعبية، وبعد نهاية خلافة المرشد الإخواني المزعومة في مصر بعد ثورة يونيو 2013 يريدون أن ينصبوا أردوغان خليفة لهم ظنا منهم أنه قادر على مواجهة السعودية ومصر، لكن أردوغان يستثمر هذا المطلب وسيتخلى عنهم عندما يحقق ما يريده.
رغبة بقايا العثمانيون العرب في هيمنة الإسلام السياسي، وهم سبب دمار كثير من الدول العربية أينما حلوا في السودان وتونس ومصر وسوريا واليمن لم يبق لهم سوى أن يصطفوا وراء الأطماع الأردوغانية وراحوا يغذونها بالمال والسلاح والمنصات الإعلامية من لندن ومن اسطنبول والدوحة لعلهم فقط يعوضون خسائرهم التي فقدوها في مصر أو على الأقل ينتقموا من مصر والسعودية اللتان تحالفتا في القضاء عليهم ومعهم دولة الإمارات المتحدة.

لا تعليقات

اترك رد