إلى علي حسين الدهان

 

صديق الأيّام التي يصعب عليَّ أنا مصادقة نفسي بها, صديق الاعترافات وقصص حسرة القدر والنصيب, صديق الأسماء المشتركة التي تجرحنا, ملتقط الصورة التي يتحتم عليك الضحك بها, أذكر اليوم الذي تعارفنا فيه عند قسم التسجيل في كلية إعلام – بغداد, حينها كنت عائداً من الشمال -السليمانية- إلى بغداد لإكمال دراسة البكالوريوس, هكذا بدأتُ سنة 2016 حياة جديدة وخجولة مثّل خاطرةِ مراهقة, في بغداد مدينة المطر الذي يشعرك بالحنين إلى من أحبوك ومن لم يحبوك أصلاً “بغداد أميرة كل مدن الله” كما قال مظفر النواب وستبقى.

في كل الأحيان وأكثر الأيّام كنا لا نستقل باص الجامعة أو كما يسمى في داخلها “بالحرم” نأخذ طريق الخروج مشياً, نحكي عن التجارب التي خاضها كلٌّ منا في حياته, عن أي مدينة تعود أصوله الحقيقة وأية بلاد, كما لو أننا نعمل في مكتب تحقيقات أو مضيفاً عشائرياً, حتى نصل تقاطع أو دوار الجادرية لنركب الباص إلى الكرادة داخل المنطقة الشعبية التي ترتاح بها روحي المتعبة, فهي صاحبة الفضل الكبير فقد جلبت لي الصحبة والجُرح والموسيقى الهادئة.

أخبرتني أستاذة في الكلية أنها ومن خلال متابعتها لي على الفيسبوك ترى أن هناك أملاً أو مشروع أديبٍ صغير -هكذا قالت- فيَّ لو أنني عملت على نفسي أكثر ولكي تدفعني نحو هذا الأمل أهدتني رواية “حياة الأنسان على الأرض” وقد نسيت مؤلفها, ورواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي, من يومها بدأتُ القراءة بشغفٍ أكبر حتى أُعجبت بالأديب العالمي نجيب محفوظ الذي لم أستطع شراء أي عمل له لقلة توفرها وغلائها, حتى تفاجأت بأن الدهان قد أحضر لي عملين لنجيب هما “صباح الورد” و “الشيطان يعظ” اللذين ما زلت احتفظ بهم إلى الآن وقال: “أكتب كل ما عليك هو أن تكتب.” حملت هذه العبارة كشعارٍ يومي أو رفيقاً للخسارات, ورحت أعرض عليه كل محاولاتي الخجولة في الكتابة.

الدهان الذي اشاركه الأغنيات التي لا اشاركها مع احداً غيره, بينما الاغنية التي ارسلها له تبق عالقة في ذهنه, يهتم بتفاصيل تفاصيلها بمرور الوقت, يتذكر كاتبها ومغنيها والذي قام بوضع اللحن ويتبادلها باستمرارٍ وبصورة متكررة مع الأيّام ومعي فقط.

الحياة تصبح أقل بؤساً حين نتبادل فيها الاغاني والقصائد ونلتقط صوراً مع الأحبة المقربين منا من اجل تدوين أو طباعة أياماً عشناها سويةً في حقل الذكريات التي لا تموت حتى وأن مات أو غادر اصحابها قصتنا لسببٍ طارئ وربما لقدرٍ ما, يتحتم فيه الفراق وان تكون هناك حواجز وحدود مثّل فاصلاً إعلانياً أو نهاية بتلويحه أخيرة.

يقول الشاعر وديع سعادة في الاعمال الكاملة, كلمات يتفق معها كل بعيداً وكل مشتاق ويقر بتأييدها. إذ يقول: على الأحباء أن يعودوا إذا ناديتهم, عليهم ان يعودوا ولو كانوا ماء، لو كانوا أمواتاً، لو كانوا طحلباً على الطحلب أن يصير إنساناً حين تستدعيه. أضيف على ما تفضل به سعادة قليلاً, بأنه يتحتم على كل شيء أن يصير أنساناً في حال ناديته, حياً أو غير حياً, طحلباً او صخرةً في طريق لا يمر به احد.

أَنهي هذه الرسالة بالامتنان الخام غير المنمق بالكلمات البلاغية ذات الصدى المنتهي أو الذي بدأ الآن, بالشكر للحياة والموسيقى وكل الطرق التي سرناها, كل الشكر لأبسطِ موقفٍ ولأكبر ضحكةٍ جمعتنا. إضافة إلى ما كتبته اعلاه أنني أردت ان أقول: سنة حلوة يا جميل.

لا تعليقات

اترك رد