رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد 5-3

 

ينظر البهائيون الى العالم على أنه قد تطور ببطء وبالتدريج في مراحل متعددة من الوحدة الاجتماعية بِدءاً بتوحيد العائلة، إلى القبيلة، وثم المدينة – الدولة city – state، وصولا إلى الدولة. وعلى خط مواز يعتبرون أن العالم يمر بطريقة مماثلة في مراحل متعددة من التنمية الاجتماعية، شبيهة بالمراحل التي يمر بها الفرد أثناء تطوره من الحضانة إلى الطفولة وثم المراهقة وهكذا الى مرحلة البلوغ. ويعتبر البهائيون أن الإنسانية قد مرت في مرحلتي الحضانة والطفولة وهي تصل إلى نهاية مرحلة المراهقة من بلوغ الجنس البشري مع الإقرار الشامل بوحدة العالم الانساني، وتأسيس وحدة الكرة الأرضية، وإقامة الصلح الأصغر، وهي تمثل آخر وأعلى مرحلة من تطور الحياة الانسانية بأجمعها على هذا الكوكب، وهو أبعد حدود النظام الذي يستطيع المجتمع الإنساني أن يصل إليه. كما مرت الأنسانية في مراحل سابقة من تطورها، كذلك سيتدرج الصلح الأصغر بحد ذاته عبر مراحل، تتحقق في كل منها درجات أعلى وأعظم من الاتحاد والعدالة الاجتماعية. في المراحل الأولى، “ستصرف الحكومات من تلقاء نفسها” ولكن فيما بعد سيبدأ الدين البهائي بالتأثير على عملياتها. وكما تُمثل مرحلة المراهقة أكثر المراحل اضطرابا في تطور الفرد، كذلك تواجه الانسانية بأكملها في هذه المرحلة اضطرابات مماثلة نتيجة الحروب، والأزمات على أنواعها، ومحاولات عديمة الجدوى للتفاعل بشكل إيجابي مع التغيير والتحديث. ولأن الناس لم يمتلكوا بعد القدرات، والاستراتيجيات، والآليات الضرورية للتعامل مع مثل هذه التغييرات الجذرية والبالغة الخطورة، قد لجأوا إلى ردود فعل فورية غير ناضجة مثل العنف والإرهاب من ناحية، والمزيد من الضوابط الحكومية من جهة أخرى. وباعتقاد البهائيين أن عملية نضوج الإنسانية تتطلب تغييرا عضويا شاملا في كل مؤسسة اجتماعية وفي هيكلية المجتمع بحد ذاته وعلاوة على ذلك، تتطلب ابتكار آلية قادرة على إدارة عالم موحد بطريقة فعالة. إن التقاعس عن النضوج، وعن خلق مثل هذه الآلية، يشكل خطرا على بقاء الإنسانية، كما أن تصرف المراهق بغباء وتهور قد يعرض مستقبله وحتى حياته إلى الخطر إذا لم يصبح أكثر حكمة، هدوءاً ونضوجا.
وصف حضرة شوقي أفندي سنة 1931 ما هو المطلوب للسير قدما نحو الرؤية البهائية لمجتمع عالمي ناضج، يعمل بسلاسة، متحد، مزدهر، يتميز بالعدالة، ومسالم. وقد وضع حضرته الخطوط العريضة للعناصر الأساسية الكامنة في أولى مراحل تأسيسه، مدركاً تمام الإدراك المجهود الجبار المطلوب، ومن دون التقليل أو التغاضي عن الحواجز الواجب تخطيها.
إن أساس هذه العملية بكاملها هو الاعتراف بوحدة الإنسانية بجميع فئاتها.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI, 1980.P.122) هذا المفهوم بحد ذاته يشكل حاجزا للكثيرين من المستحيل تخطيه. يرّد النفاد بحدة أن الناس فعلا لا ينظرون بعضهم إلى بعض بهذا التوجه، وأن هناك ثمة نفورا بالغريزة بين الأجناس والثقافات، وسيبقى هكذا دائما. يقول البهائيون أن الاعتراف بوحدة العالم الانساني يحصل فعليا الآن. لقد أدى تطور وسائل المواصلات والاتصالات السريعة خلال السنوات المئة الأخيرة إلى إحداث تغييرات في المجتمعات حول العالم، وحولتهم من مجتمعات غالبا ما افتقرت إلى التنوع، إلى مدن وبلدان متعددة الثقافات، الأعراق والأديان الأمر الذي أصبح من ميزات جميع البلدان. رغم أن المشاكل ما زالت متأصلة في حالات كثيرة، حيث تتمسك بعض المجموعات بذهنية انطوائية منغلقة، إلا أنه مع مرور الزمن، ومع استمرار اختلاط التلامذة في المدارس، وعمل الناس معا، وتزاوجهم عبر الخطوط العرقية والإثنية، تتزايد باستمرار صعوبة المحافظة على الحواجز التي ميزت مرحلة سابقة من مراحل تطور الإنسانية. يقدم البهائيون أنفسهم من بين آخرين، كنموذج يُظهر كيف يمكن لأناس من خلفيات وأجناس دينية، قومية، لغوية، ثقافية، وأعمار مختلفة بمن فيهم الرجال والنساء أن يحترم كل منهم تراثه وفي الوقت نفسه يعترفون بإنسانيتهم المشتركة. إن مفهوم “الوحدة في التنوع” يجسد، للبهائيين، “تنوع الخلفية الإثنية، المناخ، التاريخ، اللغة والتقاليد، التفكير، والعادات التي تُميّز شعوب ودول العالم” والتي لا تُهمَل ولا تُقمَع نتيجة الإنتماء إلى ولاء أوسع يشمل الإنسانية بكاملها.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI, 1991.P.42 (معرب بتصرف)))

إن انجاز هذه المرحلة الحيوية والصعبة سوف يؤدي الى اعادة هيكلة نَواحٍ عديدة من الحياة الانسانية، وتطوير الآلية الدولية الضرورية لتنظيم وصيانة مجتمع عالمي. يرى البهائيون أنه في المستقبل سيتطور “نوعا من الدولة العالمية” world super-state(شوقي أفندي،, IBID.P 40(معرب بتصرف)) بقيادة حكومة عالمية، و “اتحاد فدرالي”( عبدالبهاء، ABDU’L-BAHA, 1982,P.167 (معرب بتصرف)). ولكن لن يكون هذا تطوراً عشوائيا، وإنما هو تطور طبيعي لمجتمع إنساني قطع مراحل من النمو الاجتماعي بدءا من العائلة وصولا الى الدولة، ويتابع طريقه الآن نحو مجتمع على نطاق عالمي شامل.
يجفل النقاد من مجرد فكرة الحكومة العالمية، ويستشهدون بمحاولات هتلر وستالين لفرض حكومة غير إنسانية على شعوب بكاملها، ويشيرون إلى القصص الخيالية الكثيرة التي تصور حكومة عالمية على انها حكومة مستبدة مع ما يرافقها من قيود على الحريات. ومع ذلك، يرى البهائيون أن حكومة عالمية هي نتيجة حتمية ومرحب بها لتحركات وعمليات تحصل حاليا في العالم، وهي حكومة ستنمي الوعي تجاه الوحدة والاتحاد مما سيدعم مشاعر التعاون على النطاق الدولي، ويمكن السلام الشامل من أن يتحقق مع تجنب أخطار المركزية السياسية المفرطة. وسيكون لهذه الحكومة دستور فدرالي يشتمل على عدة عناصر ديمقراطية، وعلاوة على ذلك، ستتشكل بإرادة سياسية- أي بقرار من حكومات الدول – وستتأسس بموجب معاهدة. لن تأتي هذه الحكومة نتيجة لعمل عسكري، أو اقتصادي، أو بالإكراه. إن البهائيين هم على يقين بأن حكومة كهذه لن تفرضها دولة واحدة قوية على جميع الآخرين، ويلفتون النظر إلى أن المحاولات كافة لفرض مثل هذه السيطرة قد أثبتت أنها مستحيلة المنال لأنها تفتقد إلى موافقة الإنسانية جمعاء من ناحية، والمتطلبات الروحانية للاتحاد من ناحية أخرى. أفضل وسيلة لمنع مساعي الإرهابين والأشخاص ذوي الميول الهتلرية للسيطرة على العالم ودحرهم، تعاون حكومات راغبة في ذلك معا وبروح من الأمن الجماعي.
وإضافة الى ذلك، يجب أن تؤدي ميزات الحكومة العالمية التي يتصورها البهائيون إلى تبديد المخاوف الطبيعية التي يولدها مثل هذا النظام غير المعروف. لذلك، وعلى سبيل المثال، تبقى الدول في هذا النظام ذات سيادة، إلا أنه يجب التضحية ببعض عناصر السيادة، بما فيه تنازل الدول عن القيام على المسرح العالمي بعمل عدواني، ظالم، غير مسؤول، أحادي الجانب، مستقل عن أي أطراف أخرى، كي تتمكن الحكومة العالمية من أن تعمل بفعالية.
إن قيمة مثل هذه الحكومة العالمية واضحة من المنظور البهائي، فهي ستضمن الاستقرار السياسي والسلام في العالم، مما يُمكّنها من التركيز على استئصال الفقر، والتنمية المستدامة وحماية البيئة، والتغلب على الكوارث الطبيعية، وترويج مواقف وسلوكيات على نطاق الفرد والمجتمعات تؤدي الى نبذ الإجرام والتصرفات المضرة بالمجتمع مثل سوء استعمال المخدرات والاتجار بالرق. ويعتقد البهائيون أن الأدوات الضرورية لابتكار الآليات التي ستحق السلام يمكن تحويلها ايضا إلى علوم وفنون تفيد الانسانية. حالما يتحق الاتحاد والسلام بشكل مستقر، وتتشكل حكومة فاعلة، سيتغير الاقتصاد العالمي، كما تشير الكتابات البهائية، الى درجة تتقلص فيها الهوة بين الأغنياء والفقراء على نطاق الأفراد والدول، وسيتحول مدخول الضرائب الذي يصرف حاليا على الدفاع و آلة الحرب، إلى التنمية مما يزيد في ازدهار الإنسانية بوجه عام.
يرى البهائيون أن الخطوة الأولى باتجاه إقامة حكومة عالمية هي الدعوة الى عقد قمة عالمية لبحث السلام العالمي. يتوقع البهائيون أن قادة الدول أنفسهم سيوجهون الدعوة لمثل هذه القمة ويشاركون فيها، ويوقعون على المعاهدة الضرورية لخلق الحكومة العالمية، رغم أنه ليس ضروريا، من المنظور البهائي، أن توافق جميع دول العالم على تشكيل حكومة عالمية: يكفي فقط أن يوافق ” عدد منهم ” على ذلك(عبدالبهاء، ABDU’L-BAHA,1990,P.64 (معرب بتصرف). من الممكن أن تُدعى مثل هذه القمة ، في البداية، لهدف إصلاح الأمم المتحدة، أو لبحث تطور آخر في مجال المؤسسات على النطاق العالمي. وفي أية حال، فإن حضرة عبدالبهاء، مع نهاية القرن التاسع عشر، وضع بنوداً لجدول أعمال القمة منها: خلق “إتحاد الدول”، تخفيض مستوى السلاح لدى الدول، ترسيم الحدود، إقرار طريقة تفعيل الأمن الجماعي، ووضع مبادئ القانون الدولي الذي يرسم الإطار السليم لعلاقات الدول بعضها مع بعض.( عبدالبهاء (IBID.PP.64-5)
وسيصادق على المعاهدة الناتجة عن هذه القمة، بموجب ما يراه حضرة عبدالبهاء، “الجنس البشري بكامله”( عبدالبهاء، IBID.P.64(معرب بتصرف)
ربما بواسطة استفتاءات دولية او بأسلوب انتخابي آخر. من هنا يعتقد البهائيون أن الحكومة العالمية ستتكون من القاعدة إلى القمة، لا من القمة الى القاعدة، وستخلق، ولن تفرض فرضا، وستعطيها حكومات الدول صلاحيات، أي انها لن تنتزعها منهم. وعلاوة على ذلك، ستمنحها الدول التي تؤسسها سلطات محدودة تتزايد مع الزمن. ولكن، وكما هي طبيعة جميع المنظمات الفدرالية، سيطبق مبدأ توزيع واحترام الصلاحيات بين الأعلى والأدنى THE PRINCIPLE OF SUBSIDIARITY وبكلام آخر، على السلطة العليا أن تقوم فقط بتلك الأعمال التي لا تستطيع أن تقوم بها السلطات على المستوى الأدنى بطريقة فعالة.
من الخطوات المهمة باتجاه خلق مثل هذه الحكومة العالمية المفيدة، بموجب ما قاله حضرة شوقي أفندي، “حتمية التقليص من السلطة غير المحدودة للدولة”.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI.1991,P.40 (معرب بتصرف)
المفتاح هنا هو قيام الدول بهذا العمل (بكل طيبة خاطر) لأن فرض مثل هذه الخطوة بالقوة لن يؤدي الى تأسيس الحكومة العالمية التي يرتئيها البهائيون. إن رغبة الدول في اتخاذ مثل هذه الخطوة ستستمد قوتها من ناحية، نتيجة إدراكها لمصالحها الذاتية – وهي الرؤية الواضحة أن سلامة وبقاء الدولة يعتمد على تعاونها في تأسيس حكومة عالمية- ومن ناحية اخرى، الدفع الحاصل من تشرّب حكومات الدول المتعاونة في هذا المضمار شيئا على الاقل من القيم الأخلاقية والمواقف والممارسات التي اشار اليها حضرة بهاءالله على انها من متطلبات إدارة شؤون الدولة بنضج سياسي STATESMANSHIP.
أما بالنسبة لمعالم السلطة التي يجب أن تقلّص فهي:
•أنواع الادعاءات كافة لإعلان الحرب،
•”بعض حقوق الدولة لفرض الضرائب”
و”حقوق تكديس السلاح كافة، ما عدا الضروري منها للمحافظة على النظام الداخلي ضمن حدود سيادة الدول”( شوقي أفندي (معرب IBID.P.40)).
قد يكون موضوع الحد من السلاح هو أكثر الحقوق البديهية التي يجب على حكومات الدول أن تضعها تحت سيطرة حكومة عالمية. ان فوائد عالم خال من الحروب واضح. وما زالت بعض البلدان تحاول منذ عقود ان تحّد من حقوق دول أخرى لإقامة الحرب، وقد فرضت ضوابط تحد من امكانياتها على إعلان الحرب بطريقة شرعيته. يشير البهائيون إلى أن عدم نجاح هذه المحاولات بالشكل المرتجى، هو تحديدا السبب الذي يتطلب تفعيل إجراءات أكثر صلابة. فكل من حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء كلاهما، استنكر ثقل الضرائب المرهق الذي يفرضه حكام غير معتدلين ومتعطشون للحرب على شعوبهم، لذا ليس مستغربا أن نجد عناصر السيادة الوطنية هذه مقلصة. قد يكون لتحديد تكديس الأسلحة وتقليص امكانية نشوء الحروب فائدة إضافية في تخفيض الضرائب. وفي الوقت نفسه، لا شك في أن الحكومة العالمية سوف تكون بحاجة لموارد مالية، ومن المحتمل أن تفرض ضرائب لهذه الغاية.
مع أن هذا قد يبدو إنجازا بعيد المنال، لا بد من الإشارة، على سبيل المثال، إلى أن عناصر السلطة التي ذكرت أعلاه هي نفسها التي تنازلت عنها كل ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية على حدة لمصلحة حكومتها الفدرالية. وفي مقابل هذا التقييد لسلطتها، تحصل الولايات الأمريكية على حماية الحكومة الفدرالية من أي غزو أو حرب تشنها ولايات أخرى أو دول أجنبية عليها، وهي تعفى من الحاجة لتكديس كميات كبيرة من الأسلحة ولتدريب أعداد كبيرة من الجنود. وتتحرر ايضا من الحاجة لاصدار عملات خاصة بها، والتفاوض مع حومات أخرى حول استيراد وتصدير منتجاتها. ينتقل الامريكيون بكامل الحرية عبر حدود الولايات، ويستطيعون العمل في الولايات المتحدة أينما كانت الوظيفة، ويسكنون في أية ولاية تناسبهم، مستفيدين من الفرص والتسهيلات التي تقدمها تلك الولاية. يتصور البهائيون وضعية مماثلة كهذه في عالم فدرالي.

لا تعليقات

اترك رد