رؤى وتداعيات في معضلة الفقر وتفاقم آثارها

 

عندما تكون حالة الفرد و\أو المجتمع بحاجة للمال لتغطية مطالب حياة بمعدل عيش إنساني حر كريم، يكون الفقر هو وصف تلك الحالة.. بمعنى أن المرء الفقير يحيا بحاجة وعوز ويفتقر لما يسد مستويات العيش و\أو الحاجات الأساس له. وهكذا نقرأ ظاهرة الفقر بمنطلقاته النسبية والمطلقة أي بإصابة فئة\فئات من المجتمع بالمقارنة مع مستويات فئة أخرى أو بالمقارنة مع مجتمعات ودول أخرى. ونحن نقول فئات فقيرة مقارنة فنتحدث عن الفقر النسبي ونقول دول فقيرة مقارنة بالدول الغنية في ضوء ما يُقاس أو يُقرأ من ظاهرة الفقر الذي ينشطر عمودياً ليقدم لنا ظاهرة ثانية في إطاره؛ هي الفقر المدقع التي تتدنى فيها الحال لمنطقة لا تلبي الحاجات الأساس للعيش وليس للرفاهية فقط.

أما قراءة الأمور عراقياً، فإننا سنجابه تعقيداً فيها بسبب التراجع عن نمذجة الدولة وآليات اشتغالها الحديث وتعطل الدورة الاقتصادية الاستثمارية المنتجة وتشوه مظاهر وجود الاستثمار بتحوله إلى مجرد غطاء للعمل المافيوي بنظام كليبتوقراطي في إطار الاقتصاد الريعي الموقوف على الموازنات التشغيلية من جهة دوران عجلته…

إنَّ كارثة الفقر في العراق وأسبابه تتأتى من جملة أسباب؛ لعل من أبرزها ما كان بخلفية النظام الطائفي المجتر من مجاهل التاريخ ليقيِّد آليات الدولة الحديثة بقوانين ماتت منذ زمن.. فكان أخطر مخرجاتها استيلاد التخندق الطائفي والدفع باتجاه إشعال حروب الطائفية بكل أشكالها. ويوم توجهت الدولة لإطفاء نيران تلك الحرب بمكافحة (الإرهاب) حصرته، بالداعشي، واستولدت مكانه ميليشيات لجناحٍ آخر؛ بدل أنْ تنهي وجود التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة.. وأنكى من ذلك شرعنت وجود الميليشيات مرة بالفتاوى الدينية المزيفة بغطاء (المرجعية الدينية!)؛ ومرات بادعاء الانتماء للشعب، بمسمى الحشد الشعبي؛ في وقت كانت كل حرابه موجهة ضد الشعب وحقوقه وحرياته حيث تتحكم تلك المجموعات المسلحة بالإنسان، لعل اقتحام المنطقة الخضراء بالأمس لتهريب معتقلين من عناصر ميليشياوية من آخر تلك الأدلة المفضوحة…

لقد كان إهمال سلطة الطائفية للسيادتين الداخلية والخارجية قد أفضى إلى إهمال تجاوزات دول الجوار على الحصص المائية لدرجة القطع الكلي لأكثر من 40 نهراً وتحويل مجاريها بعيداً عن وصولها الطبيعي إلى الأنهر العراقية وهو ما فعله ملالي السوء في إيران بوقت كانوا يفتحون وديان السيول لتغرق القرى والمزارع وتتلفها..! وفي الحالتين هناك إضرار حد بروز ((ظاهرة التصحر)) التي دمرت الغابات والأحزمة المحيطة بالمدن فكانت عدم كفاية الماء بخاصة العذبة الصالحة للشرب لمجمل العراقيين وأكثر من ذلك جرى تسميم المياه نموذج البصرة مثالا ونذكر هنا موضوح زيادة ملوحة المياه بتعمد مشروعات (إيرانية) بعينها. ونذكر أيضا الأغذية الفاسدة وتلك المورَّدة حصراً وكرهاً من إيران أو من منافذ الفساد..

إنّ الحروب الطائفية واستغلال الحرب على الإرهاب أدت إلى ملايين المهجرين والنازحين ومن ثم التسبب بإفقار أغلب هؤلاء بصورة كارثية! إذ وجدنا تخريبا بكل مراحل الزراعة بدءا من فرض نظام متخلف فيها وآثار ذلك على الكلفة ونوعية الإنتاج ومنع التنوع بل تخريب أبرز المحصولات الاستراتيجية ومحاصيل غابات النخيل التي تعرضت أنواعها التي كانت بحدود 625 نوعاً لتتدنى وتفقد سوقها المحلي أيضاً!! وليمر التخريب لمرحلة حرق المحاصيل أو اتلافها بالتخزين المسيء عمدا وقصداً أو منافستها في السوق المحلي بمراحل تالية ما أعاد الفلاح عقوداً إلى الوراء وطعن قضية الأمن الغذائي الوطني بمقتل!

إن نسبة الفقر والبطالة في الريف باتت بدرجة ضاغة هجَّرت قسراً المزارعين وألقت بهم على هامش الضواحي في المدن الكبرى بلا عمل ولا خبرة تؤهلهم له أو لممارسة ما يمنحهم أجراً يسد حاجتهم…

هنا تبرز مشكلة التعليم الذي أُهمِل إهمالا فادحا حيث القصور بمباني المدارس وملحقات مراكز البحوث والجامعات وتراجع المناهج لتنغلق على (ترهات) الخرافة ومنطق القدسية (المزيف) فضلا عن أشكال إفساد الموجود من التعليم وانحدار مستوياته بصورة مريعة! ونتذكر إنّ مخرجات هزيلة تحجب فرصة التنمية والعمل المنتج لتضع الأمور بمنطقة أبرز مخرجاتها تعطيل عشرات آلاف المشروعات الصناعية التي كانت موجودة مع عدم إنشاء جديد الأمر الذي أفضى إلى خواء منتج للفقر بالضرورة…

إن العمل بأعمال بلا مهارة أو فرض أشخاص بلا خبرة على رأس مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لم يتدنَّ بالأجور حسب بل خلق مشكلات جدية متجهة لمزيد إفقار تلك الفئات…

إنّ تبادل التأثير بين الأسباب والنتائج بيّنٌ واضح حيث التغير البيئي وإصابات السرطنة وفقر الدم والأمراض الوراثية بأشكالها مما أنجب التشوهات الخَلْقية ونذكّر هنا بحالات العجز عن هذه الإصابات وعن إصابات الحروب والصراعات الدموية الأبشع ما خلق نسبة كبيرة من المجتمع مصابة بالفقر المختص بسبب عدم قدرتها على العمل في ظروف طابع أعمال الوضع الراهن فضلا عن انتفاء التأهيل.. ونشير للتفصيل أنه بالأصل هناك الأمراض المجتمعية القيمية المفروضة في ظل الحكم (الديني المزيف) حيث تراجع دور المرأة والفئات المسحوقة الضعيفة الأخرى؛ ما يزيد الطين بلة ويخلق تمييز الجندر \ الجنس مضافا لأشكال التمييز الأخرى من قبيل: التمييز الطائفي، وذاك الذي وصل حد ارتكاب جرائم إبادة جماعية كما الذي حدث تجاه المسيحيين، الإيزديين والمندائيين وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب وجرائم التغيير الديموغرافي كل ذلك دفع لإنتاج أشكال الفقر ومستوياته أفقيا عموديا…

فشهدنا انحدار المستوى العام لإصابة ثلثي الشعب به وإيقاع ربع الشعب بمستوى الفقر المدقع مع ظواهر الفقر الدوري بافتقاد الغلال \ المحاصيل لأجل عيون استيراد أردأ الأنواع حدَّ إطعام الناس غذاء الحيوان أو الفاسد منتهي الصلاحية منه! ونظراً لانهيار الزراعة والصناعة باتت البطالة مفتوحة الشهية للنيل من العراقية والعراقي ووضعهما بهذا النوع من الفقر المسمى الدوري…وأصاب المجتمع الفقر الجماعي باتساع الفقر أفقياً وشموله فئات وقطاعات واسعة من المجتمع ويدمومته لحوالي العقدين زمنياً حتى أن السماوة وصلت نسبة قاربت التسعين بالمائة 90% من سكانها! وأتى معه نوع آخر للفقر هو الجماعي المركز الناجم عن تعطل الاقتصادين الزراعي والصناعي.. .

أما بالعودة إلى المخرجات وىفات الفقر بأشكاله ومستوياته وأنماطه فإننا سنجد تدهورا شاملا بمستويات التعليم حيث ظواهر عدم القدرة على إرسال الأبناء للتعليم وتسربهم منه ولدينا أرقام فلكية قاهرة بالخصوص دع عنك مشكلات خطيرة في الإطار من قبيل تفشي النظام الكتاتيبي الملائي وما يغرسه من منطق الخرافة وغسيل الدماغ بطريقة تحقّر الإنسان وتستعبده وتفشي وسطه المخدرات التي فاقت أرقامها نسبا كارثية من طلبة المدارس! وفي مجال الصحة العامة فإن الفقر أودى بحيوات مئات الآلاف وتعرضهم لمعاناة الأمراض والأوبئة من دون القدرة على الوصول إلى مراكز علاجية أغلبها في خارج البلاد!

إن استسهال الرد على الحاجة دفع نحو ارتفاع معدلات الجريمة ومن ذلك الانتساب للمجموعات المسلحة الخارجة على القانون والدولة والمتقاطعة مع المجتمع بثقافة كن ذئبا لتحصل على قوتك بقهر الفئات الضعيفة المسالمة! واشكال الاغتصاب والاختطاف والابتزاز كلها جرائم يومية يجري التعتيم على إحصاءاتها وتمريرها بقوانين اجترار العادات والتقاليد المرضية من أردأ مراحل الزمن الغابر..

إن ظاهرة الفقر تلك دفعت لاستيلاد عادات وآليات عيش الصراع من الأبشع بفظاعاته من أجل لقمة الخبز المسمومة.. ودفعت لإحياء نظم علاقات ماضوية وأشكال منها في مجال الصداقة والزمالة القلقة في انعدام أرضية الثقة المجتمعية وحالات زواج أدخل في كونها اتجار وبيع وشراء شرعنه المجتمع الموبوء بفتاوى العبث بقيمه الإنسانية والروحية السامية…

ولا معالجة
لكن المعالجات المجتزأة أو الشاملة الجوهرية تكمن في ثورة على منظومة القيم المرضية وتحرر منها ورفض (كل) التبريرات سواء منها المتسترة (تقيةً) بالتدين ومسميات مرجعيات دينية جليلة معصومة بقدسية زائفة أم المبررة بذرائع أن الحشد شعبيُ الانتماء وأنه ضحى وما شابه بطريقة اجترار منظومة قيم المرتزقة بادعاء أو بتسمية (ما ارتكبه السوقة) بأنه نضالٌ يلزم وجوبا دفع مقابله المالي! ولو من دماء الفقراء!!

إن المعالجة الحقيقية للفقر تكمن بالتخلص من الاقتصاد الريعي فوراً وبإطلاق خطة استثمارية استراتيجية تُعنى بقضية إعداد الفئات المهمشة وتدريبها على محاور الاقتصاد الاستثماري المنتج وتثبيت حد أدنى للأجور موحد وإنهاء التشغيل بالمحاصصة وتوزيع الوظائف على حصص اللجان الاقتصادية بتفعيل قانون الخدمة المدنية وتوحيد سلم الرواتب وإنهاء الفساد الذي مرروه عبر الفضائيين وتعدد الرواتب ومنافذ استنزاف الخزينة من بوابات مزاد العملة وبنوك الشؤم الممثلة لممرات نهب العملة لتهريبها بصورة ((مشروعة!)) لملالي التخلف والجريمة ومعاداة العراق والعراقيين…

إن إطلاق الزراعة والصناعة وحظر كلي على استيراد ما يُنتج محليا وفورا سيكون أول دروب التحرر من الظاهرة بعد تحرير التعليم من نظمه التقليدية وولوج مسارات النظم الجديدة الأحدث وتحمل كلفة التدريب واستثمار طاقة العراقيين في الخارج والداخل بما يعيد (للتعليم) مكانه ومكانته وسلامة مخرجاته بالتوازي مع سوق العمل حصراً…

ييجب تذكر أن آثار الفقر ليست سوى مزيد تخلف وأمراض وعلل تقيد بل تستعبد المجتمع وتضعه بمنطقة خارج منطقة التنمية في ظروف انهيار عالمي وأزمة شاملة تحتاج لموقف اليوم قبل الغد وإلا فإن عشرات ملايين العراقيات والعراقيين لن يجدوا لقمة الخبز حتى بنفايات الآخر الحاكم ولن يستطيعوا الوصول لتلبية حاجاتهم في ظل أوبئة تتفشى بسبب الفقر.. القضية أكبر من أزمة عابرة إنها قضية وجودية ولن تطول المسافة الزمنية قبل انكشاف قعر الهاوية وعليه وجب قرع نواقيس الخطر اليوم كآخر فرصة لإسماع الصوت قبل الانهيار المدوي!

أفلا نتنبه ونتخذ قرارنا الحازم شعبيا رسميا؟؟؟ أم أن بعض الواهمين ما زالت أوهام وجودهم في ميليشيا أو أخرى يرونها منتهى أهدافهم ووسائل عيشهم!!!؟

الفقر أيتها المرأة العراقية الأبية يستبيحك في قيمك ويستعبدك حتى في أبعد ما تمتلكين ليحيله إلى ملكية فلسفة ذكورية مرضية لذئاب الغاب في صحارى وطن كان يوما غابات ربيع وحياة وثمار!!! أيها الإنسان العراقي الفقر أذلك ولا تقل إنك حر قوي تتحدث من فوق لأن ميليشيا أو سلاحا يدعم سطوة تتوهم إمتلاكك إياها اليوم!!

تحرروا وقولوا الكلمة الفعل، قولوا الكلمة الحسم وإلا فلات ساعة مندم!

باختصار أنت فقير لأنك لا تمتلك اليوم لا الإرادة ولا ما يسد أي حاجة قيمية للوجود الإنساني وتذكر أن دراسة مثل الحديث عن هرم (ماسلو) وما يحفّز له وعليه تؤكد أكرر هنا افتقاد حتى احترام الذات لماذا لأنّ الشعور بالاندحار والهزيمة والاستسلام له معنى واحد هو فقر للحاجات الروحية لا التي يسمونها طقوسا دينية ولا التي يسمونها واجبات دينية ولكن تلك التي تعني أنسنة وجودنا لكي يكون للسويّ دين وأخلاق وقيم بسلامة كل مصطلح نذكره هنا…

قف
قل: الكلمة الفعل
واشرع بالفعل، فعل البناء والإنتاج
من دون ذلك الفقر يعني استلابك إنسانيتك ومصادرة الأنسنة وفرصها بكل شكل ولون!

لا تعليقات

اترك رد