نظرية المؤامرة

 

في عام 1997 صدر فيلم حركة باسم Conspiracy Theory . اي نظرية المؤامرة، من بطولة ميل غيبسون وجوليا روبرتس ، وقد شاهدته على جهاز التلفاز مرة ثانية قبل ايام . يحكي الفلم قصة سائق أجرة غريب الأطوار يؤمن بأنّ كثيراً من الأحداث العالمية هي مؤامرات حكومية .

والإيمان بنظرية المؤامرة الذى يعيش فيه سائق الاجرة يدخله في دوامة تؤثر على مجمل حياته طوال أحداث الفيلم ، وتحدث له اضطرابات نفسية وهلاوس مع مشاكل عديدة داخل محيطه .

واذا نظرنا الى الموضوع من جانب الحياة الواقعية ، نرى ان بعض الناس يؤمنون بنظرية المؤامرة بشكل كبير . حيث يعزون كثير من الاحداث السياسية وحتى بعض الامراض والاوبئة مثل جائحة كورونا الى وجود مؤامرة .
وعندنا في العالم العربي تغلب على عقليتنا هذه النظرية في امور شتى ، فما هي هذه النظرية ؟

نظرية المؤامرة هي شعور الفرد بان كثير من الاحداث السيئة هي نتاج مؤامرة تقوم بها حكومات او مجاميع سرية لتحقيق اهداف محددة قد تكون معادية ، و يبدأ بعد ذلك بربط الأحداث بشكل يؤدي الى قناعته أن المُؤامرة التي يفكِّر فيها، صحيحةً فعلاً !

وتنتشر هذه النظرية على الاخص بين اولئك الذين تعرضوا للتمييز بسبب دينهم او عرقهم أو لونهم . وهم بالتالي يمثلون الجانب السياسي او الاجتماعي الخاسر .

تشير دراسات علم النفس أن الاعتقاد بنظرية المؤامرة ماهو الا وسيلة دفاعية عند شعور الفرد بالعجز لتفسير احداث غامضة ، وهذا الاعتقاد يحقق اهداف عديدة مثل الحاجة للإبقاء على صورة إيجابية للفرد اوالمجتمع باعتباره ذو قيمة عالية، وانه قد اصبح ضحية مؤامرة أدت الى هذه الدرجة من الضعف والاستسلام .
اضافة الى ان تبني هذه النظرية تحمي معتقداته باعتبار الأدلة الثابتة المعاكسة لها نابعة عن مؤامرة مقصودة لمصادرتها او الحط منها .
ولذلك فانها غالبا ما تصيب الشخص بالتوتر الناتج عن الشك والريبة من مخاطر المؤامرة المزعومة . وتؤدي الى هجوم عنيف تجاه الشخص المقابل المنكر لهذه المؤامرة .

ان الايمان بنظرية المؤامرة تعطي احساسا زائفا بالأمان والسيطرة داخل المجتمع . ولكنها للاسف تؤدي الى مردودات عكسية ، فبدلا من شعور الفرد بالرضا يصبح اكثر قلقا واقل تفاعلا في الحياة الاجتماعية والسياسية ، كونه يؤمن ان جميع الاحداث المهمة عائدة لخطة مرسومة من مجموعات سرية معادية ، وليس له اي دور او اهمية لايقافها .

موقفان متعارضان
هناك من يؤمن بنظرية المؤامرة بدرجة كبيرة ، بحيث تبدو مثل القدر الذي لا يمكن مواجهته اوالتخلص منه، وما عليه الا الخضوع له والتحسر على مصيره المظلم .
وانصار هذا التوجه يعانون نوعا من الهلوسة إذ يتصورون ان العالم كله محكوم بمجموعة من المتآمرين الشياطين .
وبالمقابل هناك موقف معاكس تماما لهذه النظرية ، حيث ينظر الى السياسة العالمية بنوع من السذاجة والرومانسية وكأن العالم لا يقوده الا الحكماء العقلاء العلميين الذين يشتغلون بشفافية وعلنية، ولا يفكرون الا بمصالح شعوبهم، ومصالح العالم .

ظاهرة ليست جديدة
إن نظرية المؤامرة ليست ظاهرة جديدة ، ولكنها صعدت إلى الواجهة في العقود الأخيرة.
ولنظرية المؤامرة نماذج مثيرة للجدل كالاعتقاد بأن صناعة الأدوية مثلا تنشر الأمراض عن قصد أو أن اللقاحات تسبب الامراض بدلاً من منعها .

وبعد تفشي فيروس كورونا، انتشرت نظرية المؤامرة حول مصدر المرض واسباب انتشاره .
وكان من بين الادعاءات أن الفيروس جزء من برنامج صيني سري للأسلحة البيولوجية، او انه حرب بايولوجية بين امريكا والصين .
وقبلها سادت نظرية المؤامرة عندنا ، فكان شغل الناس الشاغل تفسير كل ما ينزل بالعرب والمسلمين من كوارث ومصائب بهذه النظرية، والبحث عن كتب المؤامرات وقراءتها والتعليق عليها وتضخيمها .
وكان من نتيجة هذه الأفكار ألشعور بالعجز والإحباطُ ، حيث يواجه الناس عدو مجهول لايستطيعون مقاومته ، فاصبحوا لاحول ولا قوة لهم نتيجة ذلك .
في عالم تشعر فيه بالعجز والعزلة ، قد يكون من المريح الاعتقاد أن هناك قوى تتآمر ضد مصالحك .
وبمجرد تجذر هذه المعتقدات ، فإن القدرات المعرفية والعقلية تقع في اشكاليات عديدة .

تفسيرات
هناك دوافع عديدة لتبني نظرية المؤامرة لعل اهمها الحاجة للمعرفة فغالبًا مايبدو العالم مربكًا وخطيرًا وفوضويًا ، فيحاول بعض الناس تفسير مايحدث لتكوين فهم ثابت ومستقر وواضح لكيفية سير العالم .
كما ان المعلومات المتباينة تدعو للتفكير بوجود مخططات عدوانية تستهدف فئة من الناس ، فتقدم نظرية المؤامرة تفسيرات تبدو منطقية .
كما يميل الناس بشكل طبيعي إلى البحث عن معلومات تؤكد معتقداتهم الدينية او الاجتماعية او السياسية ، ولذلك عندما يصادفوا نظرية تدعم ما يعتقدون به ، فمن المرجح أن يتبنوا هذه النظرية .

التمييز العقلاني
عندما تواجه معلومات من مصادر مختلفة ، من المهم أن تكون قادرًا على التمييز بين نظرية المؤامرة الزائفة والتهديدات الحقيقية للأمن العام او الشخصي .

واننا عندما نسلط الضوء على نظرية المؤامرة ودوافعها ، فاننا ننتقد الهوس في استخدامها بشكل اعتباطي او لامنطقي . . فلا تجعلوا نظرية المؤامرة تحبط العزائم ، بل يتوجب دراستها والتصدي لها بالطرق العقلانية ، والاعتماد في تحصيل المعلومات من مصادرها الحقيقية بعيدا عن التصورات غير المنطقية والاخبار الكاذبة .
ادهم ابراهيم

لا تعليقات

اترك رد