ليبيا .. ورقة الحسم الجزائري

 

موقف لا جدال فيه، ليبيا ليست أرضا منبسطة لبناء قواعد أجنبية، تفرض أجندات أنظمتها التوسعية، دون اعتبار لأمن إقليم شمال إفريقيا الذي لن يتحول إلى شرق عربي آخر تعبث به التدخلات الخارجية، وتلقي بشعوبه في عمق البحر الأبيض المتوسط .
وخطر الحرب الأهلية التي تغذيها دول “مشاريع” إقليمية وعالمية، لن يمتد إلى دول الجوار التي تدرك أن أرض ليبيا وإن اتسعت مساحاتها، فهي لا تعد امتدادا حيويا كافيا لعمليات عسكرية تتحرك برا وبحرا وجوا .
تحصنت دول الجوار الليبي في موقف موحد على قاعدة من التفاهم المتناسب، رسمت الجزائر أبعاده الأمنية والسياسية، لدرء خطر يهددها دون استثناء، ويستهدف سيادتها وأمنها.
الوصول إلى شرق المتوسط لا يمر عبر شمال إفريقيا، أمن دوله أولا، أمن لا تستقيم قاعدته وهناك خلف شريطها الحدودي تحفر خنادق حرب مدمرة، تسمع صدى صوت مدافعها، ويطمع المتقاتلون في فتحها مجالا حيويا لقتالهم العبثي.
قرأت الجزائر الواقع بعقل ثاقب، وهي ترسم إستراتيجيتها الدبلوماسية، مستحضرة كل الوسائل والأدوات اللازمة في تنفيذ مضامينها، مدركة أن سر قوتها لا يقتصر على خطاب بلغ صداه أسماع العالم، بل في إصرارها على إحياء دورها الإقليمي في شمال إفريقيا، وتأهبها لمجابهة خطر يمس قاعدة أمنها القومي الثابت، بما امتلكت من مستلزمات قوة مادية أو معنوية.
وضعت الجزائر الثوابت التي لا يختلف عليها أحد، في طاولة المباحثات المستديرة لدول الجوار الليبي، ثوابت تتناغم مع ما اتفق عليه قادة العالم في برلين :
هدنة تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يفتح الباب آمنا لمفاوضات سياسية “ليبية- ليبية” لا تخضع لمؤثرات حاضنات خارجية توظف المشهد الأمني لحساب مصالحها المتنوعة.
ورقة المباحثات الجزائرية التي جمعت دول الجوار دون استثناء، ألزمت دول إقليم شمال إفريقيا بغلق كل المنافذ أمام أي تدخل خارجي في ليبيا، التزام معلن على الرأي العام العالمي والإقليمي، لن يحيد عنه أحد، طالما يصب الأمر في بوتقة المصالح الأمنية السياسية المشتركة.
القوة الدبلوماسية أبلغ قوة من أي خيار عسكري يستنزف القدرات ولا يصل لمبتغاه، مبدأ التقت حوله دول الجوار الأكثر حرصا على ضمان استقرار أمني إقليمي يعطي ثماره اجتماعيا واقتصاديا، فاستجابت لدعوة جزائرية صادقة، إدراكا منها أن ما تبتغيه سيختصر مسافات الوصول إليه دون أعباء تثقل كاهلها.
تدرك الجزائر ومعها دول الجوار الليبي، أن أطراف الصراع الداخلي ما زالت أبعد ما يكون عن اللقاء حول قاسم وطني مشترك، طالما خضعت لإرادة أطراف خارجية ألزمتها قمة برلين بتغيير سياساتها التي تذكي جذوة ذلك الصراع .
لكن الورقة الجزائرية التي اتفقت عليها دول الجوار الليبي، رغم هذا الواقع الأمني المعقد، لم تقدم نفسها بديلا عن خيارات الشعب الليبي في استعادة أمنه ووحدة سيادته، ولن تفرض عليه الوصاية، وهي تنتظر استقبال “الأخوة الفرقاء” في لقاء وطني جامع يرسي دعائم السلام المنشود في ليبيا وشمال إفريقيا، ويغلق الأبواب بوجه أي تدخلات خارجية تشعل المنطقة حربا.

المقال السابقالانسانيّة وجدلية الانتماءات
المقال التالىنظرية المؤامرة
عبدالرحمن جعفر الكناني .. باحث وناقد فني – عضو المركز العالمي للفنون محرر صحيفة الجمهورية /بغداد عملت بالصحافة الكويتية / 1982-1988 - مجلة المجالس - جريدة الأنباء - جريدة السياسة محرر بمكتب وكالة الأنباء العراقية – تونس 1990- 1994 إعلامي في المركز الثقافي العراقي – تونس رئيس القسم الإقتصاد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد