حول جدلية آدم وحوا

 
حول جدلية آدم وحوا.. للكاتبة راندا الحمامصي #مصر
لوحة للفنان اسماعيل نصرة

في بدء الخليقة، خلق الله آدم ثم خلق حواء من ضلعه.قال الله لهما:
وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ

فهم آدم وحواء أنهما ممنوعان من الأكل من هذه الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه يوما بعد يوم.راح يوسوس إليه يوما بعد يوم. تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقاً، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوماً أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما القديم.
ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الشجرة المحرمة. لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى أحس أن صدره ينقبض. أحس الألم والحزن والخجل. اكتشف أنه عار، وأن زوجته عارية. اكتشف أنه رجل وأنها امرأة. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.وهبط آدم وحواء إلى الأرض. خرجا من الجنة. كان آدم حزينا وكانت حواء لا تكف عن البكاء. وكانت توبتهما صادقة فتقبل الله منهما التوبة.. وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيها، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث هنا في الأرض. كان عليه أن يواجه شقاء وصراعا لا ينتهي أحدهما إلا ليبدأ الآخر، وكان عليه أن يشقى ليأكل، كان عليه أن يحمي نفسه بالملابس والأسلحة، ويحمي زوجته وأطفاله من الحيوانات والوحوش التي تعيش في الأرض. وكان عليه قبل هذا كله وبعده أن يستمر في صراعه مع روح الشر، فهم آدم هذا كله مع الشقاء الذي بدأت به حياته على الأرض. الشيء الوحيد الذي كان يخفف حزنه. أنه قد جاء سلطانا عليها. وعليه أن يخضعها، ويستعمرها، ويزرعها ويبنيها ويعمرها، ينجب فيها نسلا يكبرون ويغيرون شكل الحياة ويجعلونها أفضل. ( هذه هى القصة المتعارف عليها لآدم وحوا)

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا تصور ساذج لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً” ولم يقل لهم إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. كان الله تعالى يعلم أن الشيطان(مظهر العصيان) سيغتصب منهما البراءة. وكانت هذه المعرفة شيئا لازماً لحياتهما على الأرض. وكانت التجربة كلها(تدبير وخطة إلهية ليعلّم الخلق أن الطريق إلى جنته يمر بطاعة الله والعمل بأوامره وعداء الشيطان(مظهر العصيان). هل يقال لنا أن الإنسان مسيّر مجبور.. وأن آدم كان مجبوراً سلفاً على أن يخطئ ويخرج من الجنة ويهبط إلى الأرض. حقيقة إن هذا التصور لا يقل سذاجة عن التصور الأول. كان آدم حراً تمام الحرية. ولهذا تحمل تبعة عمله.عصى وأكل من الشجرة فأخرجه الله من الجنة.. معصيته لا تنافي حريته. بل إنها تستمد وجودها الأصلي من حريته. كل ما في الأمر أن الله كان يعلم سلفاً ما سيحدث، يعلم الله الأشياء قبل حدوثها، ولكنه لا يدفعها دفعاً أو يقهرها قهراً على الحدوث. إن الله يعطي الحرية لعباده ومخلوقاته.
ويرتب على ذلك حكمته العليا في تعمير الأرض لكى تكون الخليقة ثم يكون عرفان الله وعبادته عن طريق رسله ورسالاته وأوامره.
أصل تسمية آدم وحواء
آدم كلمة سامية قديمة تعني الإنسان سواء كان ذكراً أو أنثى (أي آدم تنطبق على الرجل و المرأة) ويعتقد اللغويون المختصون في اللغات الشرقية السامية أنها مشتقة من كلمة أدمة وهي التربة الطينية . أما حواء فهي تعني في اللغة العبرية “أم كل حي” وأصل هذه التسمية ورد في الإصحاح الثالث من سفر التكوين.

أصل قصة آدم وحواء وظروف تدوينها
لم ترد قصة آدم وحواء في أي من أثار الحضارات القديمة الشرقية (حضرات مصر و بلاد الرافدين وحضارات فارس و الهند والصين) أو أثار الحضارات الغربية (الإغريقية والرومانية و السلتية) و ماورد من قصص بدئ الخليقة وأصل البشرية لدى أهل الأمم العريقة متنوع تنوع المعتقدات الدينية واختلاف الظروف التاريخية. كما أن قصة آدم وحواء وطوفان نوح وغير ذلك من القصص التوراتية غير موجود لدى أهل الديانات الزردشتية والهندوسية والبوذية والكونفشيوسية التي يمثل معتنقوها معظم سكان العالم. قصة آدم وحواء وكل ما يتعلق بقصص بدئ الخليقة وسير الأنبياء السابقين لم ترد في الأصل على لسان موسى الكليم إذ أنه جعل الأولوية إقامة أساس متين للتوحيد والأخلاق العامة من خلال شريعته و وصياه العشر ولذلك فهو كغيره من الأنبياء في الأزمنة الغابرة لم يناقش أتباعه في كل ما درجوا عليه من المعتقدات والمفاهيم الأسطورية خصوصا وأن الوثنية كانت ما تزال غالبة عليهم. ولم يدون أي من أنبياء بني إسرائيل أو من سبقهم من الأنبياء سيرته الذاتية أو أيا من القصص التاريخية الواردة في العهد القديم من الكتاب المقدس فكل هذه القصص دونت في مرحلة متأخرة إبتداء من القرن السادس قبل الميلاد وذلك بعد انتهاء سبي بابل الذي استمر سبعين عاماً وكانت البداية مع عزرا الكاهن كاتب وصايا الرب(عزير في القرآن الكريم) الذي طلب منه اليهود العائدون من السبي تدوين تاريخهم منذ بداية الخليقة على وجه الأرض الذي كتب كل إصحاحات سفر التكوين ومن جملة ما كتب قصة خلق الأرض في ستة أيام وخلق آدم وطرده مع حواء من الجنة نتيجة عصيانهما وأكلهما من شجرة معرفة الخير والشر أما بقية قصص العهد القديم بما فيها مقاطع كاملة من سفر التكوين فقد دونها تلاميذ عزرا الكاهن ومن جاء بعدهم من الأحبار اليهود وبعضها كان تدوينا لروايات شفوية تنقلتها أجيال بني إسرائيل المتعاقبة ومن جملتها سير الأنبياء والمرسلين السابقين وأعمارهم و أسماؤهم إلى جانب سير قضاة و ملوك بني إسرائيل وحروبهم وأعمالهم وبعض هذه الروايات قد يكون صحيحا مستمدا من أصل واقعي وبعضها الآخر باطل من خيال وأساطير ومبالغات الرواة أو مقتبس من التراث الأسطوري والديني لحضارات الهلال الخصيب(العراق وسوريا الكبرى) ومصر.

معنى آدم في الآثار المقدسة المباركة البهائية
* لكلمة آدم معنيان: الأول: الهيكل الإنساني البشري الذي خلقه الله أول ما خلق و هو بداية الجنس البشري و لا يمكن تحديد زمانه أو بدئه. أما الثاني: فهو مظهر أمر الله و كما قال القديس بولس في الإصحاح الخامس عشر من رسالته الأولي إلى كورنثوس: صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الاخير روحاً محيياً 46 لكن ليس الروحاني أولاً بل الحيواني و بعد ذلك الروحاني 47 الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء…
إن آدم في الأكوار الإلهية و الأدوار المقدسة الرحمانية هو أول من أمن. و بنو آدم هم نفوس في ظل تلك الكلمة الرحمانية.
إن قضية حضرة آدم أبو البشر المذكورة في الكتب السماوية لها تأويل و يجب أن تفسر، و المقصود من الإيجاد هو الخلق الروحاني و الوجود الرحماني وإلا فبقليل من الملاحظة حتى الأطفال يدركون أن هذا الكون اللامتناهي… ليس منذ ستة آلاف سنة(1) فقط بل هو أقدم من ذلك بكثير…”
إشارة إلى الحسابات التي قام بها رجال الكنيسة بجمع أعمار الأنبياء والمنحدرين من سلالتهم حسب المعطيات الواردة في أسفار الكتاب المقدس، بدأ من زمن المسيح فتوصلوا إلى أن ظهور آدم لا يمكن أن يتعدى 4004 ق م أي أنه مضى على ظهوره ستة ألاف سنة. والطبعات الصادرة من الكتاب المقدس منذ القرن السابع عشر الميلادي تضمنت في هوامشها تواريخ الأنبياء التقريبية. غير أن المعطيات العلمية برهنت بالأدلة القاطعة أن عمر الكون أقدم مما يتخيله إنسان و لا يحسب بآلاف السنين بل بآلاف ملايين السنين و وجود الإنسان فيه قديم قدم هذا الكون وقد مر بمراحل طويلة من التطور قبل أن يصل إلى هذه الشاكلة الحالية والتي ما تزال في حالة تغيير وتطور مستمر أجيال بعد أجيال.
أما لو سألنا: كيف لا يوجد ذكر للأنبياء قبل آدم أبو البشر وسلاطين تلك الأزمنة في كتب التواريخ؟ فإن عدم الذكر ليس دليلا على عدم الوجود و نظراً لطول المدة و انقلابات الأرض لم يبق له أثر و عدا عن ذلك فلم تكن قبل آدم أبو البشر قواعد التحرير و الأساليب التي هي موجودة الان بين الناس و كان هناك زمن لم توجد فيه أسلوب الكتابة قط بل أساليب أخرى.

الأدلة الدينية والعلمية على أن آدم ليس أول الخليقة
أن الأدلة العقلية و المنطق العلمي دفعت الكثير من العلماء وأهل الخبرة إلى التشكيك في هذه المعتقدات وإعادة النظر فيها فإذا أمعنا النظر في هذا النص التوراتي نجد أن الجنة التي عاش فيها آدم جنة أرضية وليست جنة سماوية وذكر نهر أشور دليل على أنها بلاد الرافدين، كذلك تضمن النص التوراتي دلائل تشير إلى أن آدم ليس أول الخليقة وذلك في قصة إبني آدم هابيل وقايين (قابيل في القرآن الكريم) ففي الإصحاح الرابع من سفر التكوين ورد على لسان قايين وهو يناجي الله بعد أن لعنه بسبب ارتكابه جريمته الشنعاء وهي قتل أخيه ما يلي :”14. إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض. فيكون كل من وجدني يقتلني. وفي هذا إشارة واضحة إلى وجود البشر قبل زمن آدم و بنيه رغم أن أحبار اليهود ورجال الكنيسة المسيحية فسروا عبارة “من” على أنها إشارة إلى الحيوانات الضارية ولكن يسقط هذا التفسير ما ورد كذلك في الإصحاح الرابع عن رد الله على قايين الذي قرر من رحمته أن يرأف به: 15 فقال الرب لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الله علامة لكي لا يقتله كل من وجده. وليس من المعقول أن تميز الحيوانات المفترسة العلامة أو أن ينتقم الله منها سبعة أضعاف وكأنه بشر عاقل له عقل وإدراك. وفي بقية الإصحاح الرابع ورد أن قايين إستقر في أرض نود شرقي عدن (إسم الجنة التي طرد منها آدم وحواء ) وأنه رزق من زوجته (لم يذكر النص التوراتي إسمها و لانسبها وما قيل عنها فهو من إستنتاجات علماء الأديان الثلاثة ) بولد سماه حانوك و ورد أيضا أنه بنى مدينة :” وكان يبني مدينة فدعا اسم المدينة كاسم ابنه حنوك” (سفر التكوين الإصحاح4) ولا يعقل أن يبني قايين (قابيل) مدينة لوحده فلا بد من وجود بشر آخرين ساعدوه في إقامتها وهذا يدعم أيضا فكرة وجود الجنس البشري قبل آدم.
كما أن القرآن الكريم تضمن قوله عز وجل: واصطفينا آدم (والإصطفاء هو الإختيار من بين جماعة من الناس) وهذا دليل قرآني على أن آدم ليس أول الخليقة كما أن الرسول (ص) قال في حديثه الشريف:” أنا نبي وآدم بين الروح والجسد” وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن وجود المظاهر الإلهية كان سابقا لوجود آدم. وجاءت الآثار المباركة البهائية لتبين بشكل واضح حقيقة هذه القصة ومعانيها الكامنة التي تختزنها النصوص المقدسة.
أما البراهين العلمية على أن وجود البشر قديم قدم هذه الأرض فهي كثيرة ومسلم بها اليوم لدى كل الهيئات العلمية العالمية. فمنذ الجدل الذي أثاره كتاب شارلز دروين “أصل الأنواع” والذي رجح فيه أن يكون النوع البشري سليل فرع متطور من القردة ، والكشوفات والأبحاث العلمية لم تنقطع.
لم تتضمن أسفار العهد القديم تواريخ محددة عن قصص بدئ الخليقة لكنها تضمنت تفاصيل تتعلق بأماكن الأحداث وأسماء الملوك المعاصرين لها وأعمار الأنبياء السابقين وموالديهم مما مكن رجال الكنيسة من القيام بعمليات حسابية تناقصية بدءً من ميلاد المسيح وانتهاءً بظهور آدم والتوصل إلى النتائج التالية وهي في غاية الغرابة بالنسبة لمعطيتنا العلمية:

*خلق الأرض وما عليها من الحيوانات والنبتات في ستت أيام 4004ق م
*خلق آدم من تراب حيث عاش في جنة عدن في بلاد الرافدين 4002 ق م
* طرد آدم وحواء من جنة عدن نتيجة عصيانهم 4001ق م *ميلادهابيل وقابين (قابيل في القرآن) 3875ق م
*أول جريمة قتل في التاريخ هابيل قتل أخاه قايين 3874ق م
* ميلاد شيت الإبن الثالث لآدم وكان عمر آدم أنذاك 130 عاما 3382ق م
* ميلاد حانوك Enoch إبن قايين Cain الذي 3317ق م
أقام أول مدينة على وجه البسيطة تحمل اسم بنه 3074ق م
* ميلاد ميثوشلاح Methuselah بن حانوك 2962ق م
* وفاة آدم عن عمر يناهز 930 سنة 2948ق م
* وفاة شيث Seth عن عمر يناهز 912 سنة 2347ق م
*ميلاد النبي نوح 2247ق م
* وفاة ميشوشلاح عن عمر يناهز 969 سنة 2003ق م
* الله يسلط طوفانا على الأرض و نجاة نوح ومن ركب معه السفينة وعودة الحياة على الأرض 1998ق م
*إنتشار أبناء نوح سام ورفت وحام في الأرض لتنحدر منهم السللات البشرية 1928 ق م
* نمرود بن كنعان يقيم مملكة بابل ويصبح أول جبار في الأرض ويأمر البشر ببناء برج عالي لكي يحاربوا الرب فغضب الرب على البشر وفرق ألسنتهم بعد أن كانت لهم لغة واحدة 1926ق م
* وفاة النبي نوح عن عمر يناهز 950 سنة 1912ق م
* خروج أبرام (إبراهيم) و زوجته سراي (سارة) وبن أخيه لوط من أرض ميلادهم مدينة أور جنوب بلاد الرافدين وانتقالهم شمالا إلى أرض حران.1897ق م
* بعد شجار وقع بين رعاة لوط ورعاة أبرام يتم الفراق بينهما فاختار لوط دائرة الأردن بينما اختار أبرام مواصلة الرحلة إلى أرض كنعان (فلسطين).
* النبي لوط يقع في أسر الملك”شيدولاعومر” chedorlaomer حاكم مدينة سدوم
* الرب يبرم ميثاقه مع أبرام
*ميلاد إسماعيل في أرض “حبرون” من هاجر المصرية و كان أول ابن لأبرام
* الرب يجدد ميثاقه مع أبرام فغير اسمه من أبرام Abram إلى إبراهيم Abraham
* الرب يدمر مدينة “سدوم الفاجرة” وينجي لوط ومن معه عدا زوجته
* ميلاد إسحاق الإبن الثاني لأبرام من زوجته ساري التي كانت عاقرا
* هجرة هاجر وإسماعيل إلى أرض الحجاز بصحراء شبه الجزيرة العربية

مسألة أكل حضرة آدم من الشّجرة
السّؤال: ما حقيقة موضوع حضرة آدم وأكله من الشّجرة؟
الجواب: ذكر في التّوراة ” وأخذ الرّبّ الإله آدم ووضعه في جنّة عدنٍ ليعملها ويحفظها وأوصى الرّبّ الإله آدم قائلاً من جميع أشجار الجنّة تأكل أكلاً وأمّا شجرة معرفة الخير والشّرّ فلا تأكل منها لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت ” إلى قوله ” فأوقع الرّبّ الإله سباتاً على آدم فقام فأخذ واحدةً من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرّبّ الإله الضّلع التّي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم” إلى أن يقول “فدلّت الحيّة المرأة على الأكل من أثمار الشّجرة الممنوعة وقالت إنّ اللّه منعكما عن تناول هذه الشّجرة لئلاّ تنفتح عيناكما وتعلمان الخير والشّرّ ثم تناولت حوّاء من الشّجرة وأعطت لآدم فوافقها آدم أيضاً ففتحت عيناهما ووجدا نفسيهما عريانين وسترا عورتيهما من ورق الشّجرة، ثم عوتبا بعتابٍ إلهيّ “فقال اللّه لآدم هل أكلت من الشّجرة الممنوعة فقال آدم في الجواب إنّ حوّاء دلّتني فعاتب اللّه حوّاء فقالت حوّاء إنّ الحيّة دلّتني وصارت الحيّة ملعونة وحصلت العداوة بين الحيّة وسلالة آدم وحوّاء وقال اللّه صار الإنسان نظيرنا واطّلع على الخير والشّرّ فلعلّه تناول من شجرة الحياة فيبقى إلى الأبد فحفظ اللّه شجرة الحياة. “[1]
فلو أخذنا هذه الحكاية حسب المعنى الظّاهريّ للعبارات وحسب المصطلح عليه بين العامّة لهي في نهاية الغرابة، ويستحيل على العقل أن يقبلها ويصدّقها ويتصوّرها، لأنّ ترتيباً وتفصيلاً وخطاباً وعتاباً كهذا بعيد أن يصدر من شخصٍ عاقلٍ فكيف من الحضرة الإلهيّة التّي رتّبت هذا الكون اللاّمتناهي على أكمل صورة وزيّنت هذه الكائنات التّي لا عداد لها بمنتهى النّظم والإتقان وغاية الكمال، فلتفكّروا قليلاً لأنّه لو نسبت ظواهر هذه الحكاية إلى شخص عاقل فلا شكّ أنّ عموم العقلاء ينكرونها، ويقولون إنّ هذا التّرتيب والوضع لا يصدر يقيناً من شخصٍ عاقلٍ أبداً، من أجل ذلك فحكاية آدم وحوّاء هذه وتناولهما من الشّجرة وخروجهما من الجنّة جميعها رموز ومن الأسرار الإلهيّة والمعاني الكلّيّة ، ولها تأويل بديع ولا يعرف كنه هذه الرّموز ومعانيها إلاّ أولوا الأسرار والمقرّبون لدى اللّه الغنيّ المتعال ، وإذاً فلآيات التّوراة هذه معانٍ متعدّدةٍ نبيّن معنى واحداً منها فنقول أنّ المقصود من آدم روح آدم ومن حوّاء نفس آدم لأنّ في بعض المواضع من الكتب الإلهيّة التّي يذكر فيها الإناث يقصد منها نفس الإنسان، والمقصود من شجرة الخير والشّرّ هو عالم النّاسوت، لأنّ العالم الرّوحانيّ الإلهيّ خير محض ونورانيّة صرفة، وأمّا في عالم النّاسوت تجد حقائق متضادّة من نور وظلمة وخير وشرّ.
والمقصود من الحيّة هو التّعلّق بالعالم النّاسوتيّ، وقد أدّى تعلّق الرّوح بالعالم النّاسوتيّ إلى حرمان روح آدم ونفسه وإخراجه من عالم الحرّيّة والإطلاق إلى عالم الأسر والتّقييد وصرفه النّظر عن ملكوت التّوحيد متوجّهاً إلى عالم النّاسوت، ولمّا أن دخلت نفس آدم وروحه في عالم النّاسوت خرج بذلك من جنّة الإطلاق والحرّيّة إلى عالم الأسر والتّقييد وبعد أن كان في الخير المحض وعلوّ التّقديس ورد على عالم الخير والشّرّ.
والمقصود من شجرة الحياة هو أعلى رتبة في عالم الوجود، وهي مقام كلمة اللّه والظهور الكلّيّ، لهذا احتفظ بذلك المقام حتّى ظهر ولاح في ظهور أشرف المظاهر الكلّيّة، لأنّ مقام آدم كان كمقام النّطفة من حيث ظهور الكمالات الإلهيّة وبروزها، ومقام حضرة المسيح كان كمقام رتبة البلوغ والرّشد، وكان طلوع النّيّر الأعظم هو في مرتبة كمال الذّات والصّفات، ولذا كانت شجرة الحياة في الجنّة العليا هي عبارة عن مركز التّقديس المحض والتّنزيه الصّرف أي المظهر الكليّ الإلهيّ(حضرة بهاءالله حامل الرسالة البهائية)، وما كانت الحياة الأبدية والكمالات الكلّيّة الملكوتيّة من دورة آدم إلى زمان حضرة المسيح شيئاً يذكر، فشجرة الحياة كانت مقام حقيقة المسيح وهي التّي غرست في الظّهور المسيحيّ وتزيّنت بالأثمار الأبديّة، فلاحظوا الآن كيف أنّ هذا التّأويل يطابق الحقيقة، لأنّ روح آدم ونفسه لمّا أن تعلّقت بالعالم النّاسوتيّ خرجت من عالم الإطلاق إلى عالم التّقييد، وتسلسل نسلاً بعد نسل بصورة مثلى، وهذا التّعلّق الرّوحيّ والنّفسيّ بالعالم النّاسوتيّ المعبّر عنه بالعصيان بقي موروثاً في سلالة آدم، وهذا التّعلّق كان حيّةً تسعى ما بين أرواح سلالة آدم إلى الأبد وبه استقرّت العداوة واستمرّت، لأنّ التّعلّق النّاسوتيّ أصبح سبب تقيّد الأرواح، وهذا التّقيّد هو عين العصيان الذّي سرى من آدم إلى سلالته، إذ أنّ هذا التّعلّق أضحى علّة حرمان النّفوس من تلك الرّوحانيّات الأصليّة والمقامات العالية.
ولمّا انتشرت نفحات قدس حضرة المسيح وأنوار تقديس النّيّر الأعظم فالحقائق البشريّة أعني النّفوس التّي توجّهت إلى كلمة الله واستفاضت من فيوضاته تخلّصت من ذلك التّعلّق والعصيان وفازت بالحياة الأبديّة وانطلقت من قيود التّقليد واهتدت إلى عالم الحرّيّة والإطلاق وبر ئت من رذائل عالم النّاسوت واستفاضت من فضائل عالم الملكوت، هذا هو معنى الآية القائلة “أنفقت دمي لحياة العالم” [2] يعني اخترت جميع البلايا والمحن والرّزايا حتى الشّهادة الكبرى للحصول على هذا المقصد الأسمى ودفع الخطيّة بانقطاع الأرواح عن عالم النّاسوت وآثرت انجذابها إلى عالم اللاّهوت حتّى تبعث نفوس تكون جوهر الهدى ومظهر كمالات الملكوت الأعلى.
لاحظوا أنّه لو كان المقصود هو المعنى الظّاهريّ بحسب تصوّر أهل الكتاب لكان ذلك ظلماً محضاً واعتسافاً صرفاً، فلو أنّ آدم أذنب باقترابه من الشّجرة الممنوعة، فأيّ ذنبٍ جناه الخليل الجليل وأيّ خطأ اقترفه موسى الكليم وأيّ عصيانٍ فعله نبيّ الله نوح، وأيّ طغيانٍ برز من يوسف الصّدّيق وأيّ فتورٍ وقع لأنبياء الله وأيّ قصورٍ صدر من يحيى الحصور، فهل تقبل العدالة الإلهيّة أن تبتلى هذه المظاهر النّورانيّة بالجحيم الأليم من أجل عصيان آدم حتّى يأتي المسيح ويصير قرباناً لينجو هؤلاء من عذاب السّعير؟ فتصوّر كهذا خارج عن كلّ القواعد والقوانين ولا يقبله كلّ عاقلٍ واعٍ أبدا ً، بل المقصود منه ما ذكرناه، فآدم روح آدم وحواء نفس آدم والشّجرة عالم النّاسوت والحيّة هي التّعلّق بعالم النّاسوت، وهذا التّعلّق المُعبّر عنه بالعصيان سرى في سلالة آدم، وقد نجّىَ حضرة المسيح النّفوس من هذا التّعلّق بالنّفحات القدسيّة وخلّصهم من تلك الخطيئة والعصيان، وهذا الذّنب بالنّسبة لحضرة آدم بحسب المراتب، وإن كان قد حصل من هذا التّعلق نتائج كلّيّة لكنّ التّعلّق بالعالم النّاسوتيّ بالنّسبة إلى التّعلّق بالعالم الرّوحانيّ اللاّهوتيّ يعدّ ذنباً وعصياناً ويثبت في هذا المقام منطوق “حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين” فكما أنّ القوّة الجسمانيّة قاصرة بالنّسبة إلى القوّة الرّوحانيّة بل نسبة هذه إلى تلك هو عين الضّعف، كذلك تعدّ الحياة الجسمانيّة مماتاً بالنّسبة إلى الوجود الملكوتيّ والحياة الأبديّة، كما أنّ حضرة المسيح سمَّى الحياة الجسمانيّة موتاً فقال “دع الموتى يدفنون موتاهم “[3] ومع أنّ تلك النّفوس كانت حيّة بالحياة الجسمانيّة ولكنّ تلك الحياة كانت موتاً في اعتبار حضرة المسيح، هذا معنى واحد من معاني حكاية حضرة آدم المذكورة في التّوراة فتفكرّوا أنتم أيضاً حتّى تهتدوا إلى المعاني الأخرى والسّلام.(عبد البهاء المبين للتعاليم البهائية)
آدم والعصمة
وإنّي مع عدم المجال و تشتّت البال و تتابع البلبال أبادر إلی الجواب مقرّاً بضعفی و قلّة بضاعتی و فقری فی العلوم و فاقتی و ليس لی أمل الّا تأييد ربّی فأقول و علی اللّه التکلان. انّ عصيان آدم عليه السلام فی الذکر الحکيم أتی و قال اللّه سبحانه و تعالی ” و عصی آدم ربّه فغوی و لم نجد له عزماً” و قال بحقّ ذی النون عليه السلام و “ذا النون اذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادی فی الظلمات” و خاطب الرسول الکريم “إنّا فتحنا لک فتحاً مبيناً ليغفر لک اللّه ما تقدّم من ذنبک و ما تأخّر” فهذه الآيات صريحة ناطقة بحقّ الانبياء و يخالف العصمة الکبری. و الحال أنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة نور علی نور لا يعتريهم ظلام الذنوب الديجور و لا يشوب حقيقتهم الرحمانيّة شوائب العصيان. لأنّهم شموس الهدی و بدور الدجی و نجوم السماء فکيف يجوز أن يعتری الشمس ظلام أو يسترّ البدر عوارض و حجاب نعم إنّ الغيوم المتکاثفة فربّما تمنع الأعين الناظرة عن مشاهدة الکواکب الساطعة و لکن تلک العوارض تعتری و تحول دون کرة الأرض و تحجبها عن الشمس. و أمّا تلک الکواکب النورانيّة و السيّارات الشعشعانيّة منزّهة عن کلّ غيم و محفوظة عن کلّ ضيم. بناء علی ذلک نقول أنّ تلک الآيات الدالّة علی عصيان آدم عليه السلام أو خطأ بعض الأنبياء إنّما هی آيات متشابهات ليست من المحکمات و لها تآويل فی قلوب ملهمة و معانی خفيّة عند النفوس المطمئنّة أمّا قضيّة آدم عليه السلام ليس المراد ظواهرها بل ضمائرها و ليس المقصد من ظواهرها الاّ سرائرها فالشجرة هی شجرة الحياة الثابتة الأصل الممتدّة الفرع إلی کبد السماء المثمرّة بأکل دائم و المفطرة لکلّ مرتاض صائم. فمنع آدم عليه السلام ليس منع تشريعی تحريمی إنّما هو منع وجودی کمنع الجنين عن شؤون البالغ الرشيد. فالشجرة مقام اختصّ به سيّد الوجود الحائز علی المقام المحمود. حبيب ربّ الودود محمّد المصطفی عليه التحيّة و الثناء. و المقصد من حوّاء نفس آدم عليه السلام فآدم أحبّ و تمنّی ظهور الکمالات الإلهيّة و الشؤون الرحمانيّة الّتی ظهورها منوطة بظهور سيّد الوجود. فخوطب بخطاب وجودی أنّ هذا الأمر ممتنع الحصول مستحيل الوقوع کامتناع ظهور العقل و الرشد للاجنّة فی بطون الأرحام و النطفة فی الأصلاب فبما کأن يتمنّی ظهور هذه الکمالات الرحمانيّة و الشؤون الربّانيّة فی دور الجنين و ذلک ممتنع مستحيل. فالدور وقع فی أمر عسير و ما کانت النتيجة الّا شيء يسير و هذا عبارة عن الخروج من الجنّة. و أمّا صدور هذا المنی عن الآية الکبری فليس بأمر مستغرب عند أولی النهی. و سليمان عليه السلام قال هب لی ملکا لا ينبغی لأحد من بعدی و هذا أمر ممدوح و مقصد مرغوب و ما عدا ذلک إذا نسب شأن من الشّئون إلی مظاهر الحيّ القيّوم لا يقاس بشئون غيرهم. فإذا قلنا آمن الرسول بما أنزل إليه ليس إيمانه کإيمان السائرين و إذا قلنا أنّ موسی عليه السلام و صاحبه نسيا حوتهما ليس نسيانهما کنسيان غيرهما بل هذا مقام يقال “حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين” فلربّما تعتری أحداً من المقرّبين زلّة لحکمة و لکن المظاهر المقدّسة منزّهة عنها أيضاً انّما هذا في شأن المؤمنين الموحّدين و ما عدا ذلک فلربّما خوطب و عوتب الرسول بما يراد به فی نفوس المؤمنين لئلّا يثقل علی السمع العتاب الشديد کما قال و لو لا أن ثبّتناک لقد کدت ترکن اليهم شيئا قليلا و فاستقم کما أمرت و لا تکن للخائنين خصيما. و عبس و تولّی أن جاءه الأعمی و وجدک ضالّاً فهدی انّما هذا الخطاب موجّه لسائر الاصحاب فتهويناً و تخفيفاً وجه العتاب الی ذلک الجناب کما أنّ حبيب النجّار قال مخاطباً للقوم “و ما لی لا أعبد الّذی فطرنی و إليه ترجعون” و الحال مراده ما لکم لا تعبدون الّذی فطرکم إنّما أسند إلی نفسه لئلّا يثقل الخطاب علی سمع غيره. فبالإجمال أنّ الرسل الکرام و الأنبياء العظام المظاهر النورانيّة و الحقائق الرحمانيّة و الکلمات التامّة و الحجج البالغة و الشموس الساطعة و البدور اللامعة و النجوم البازغة کلّهم تقدّست سرائرهم النورانيّة عن إعتراء الظلام و تنزّهت ضمائرهم الرحمانيّة عن شوائب الأوهام و إنّما لحکمة ما يخاطبهم اللّه بهذا الخطاب حتّی يخضع و يخشع أولو الألباب و يتذلّلوا ألی العزيز الوهّاب و لا يستکبروا ولو رقوا إلی أعلی القباب بل ينتبهوا أنّ الحيّ القيّوم خاطب الحبيب المعظّم و النور المکرّم هادی الأمم و الناطق بالاسم الأعظم بهذا الخطاب المبرم و العتاب الواضح المحکم فما ذا شأن مقاماتنا السافلة و حقائقنا الخامدة و نفوسنا الهامدة و عقولنا الجاهلة فتخشع أصواتهم و تخضع نفوسهم و يبتهلون إلی اللّه و يتضرّعون إليه و يقولون اللّهمّ يا حيّ يا قيّوم و يا مؤيّد کلّ خاضع و حافظ کلّ خاشع و دالّ کلّ سليم و هادی کلّ ذليل الی المقامات العالية و المراتب السامية نسألک الصون و الحماية فی حصنک الحصين و الحرس و الرعاية بلحظات أعين کلائتک فی ظلّک الظليل. اللّهمّ ربّنا لا تدعنا بأنفسنا فاحفظنا بقوّتک المحيطة علی الأشياء و احرسنا عن کلّ زلّة و خطيئة و اسلک بنا فی المنهج البيضآء و المحجّة السويّة النورآء لانّنا خطاة و أنت الغفور الکريم و نحن عصاة و أنت الرحمن الرحيم و لو لا فضلک و عفوک لوقعنا فی سواء الجحيم و لو لا جودک و غفرانک لخضنا فی غمار بحار الطغيان العميق محرومين عن فضلک العظيم ربّنا أيّدنا علی السلوک علی الصراط المستقيم و المنهج القويم انّک أنت الکريم . إنّک أنت العظيم. إنّک أنت الرحمن الرحيم . (من مكاتيب حضرة عبد البهاء ص122-127)

-1 التّوراة، سفر التّكوين الأصحاح الثّاني والثّالث.
-2 إنجيل لوقا، الأصحاح الثّاني والعشرون الآية 20.
-3 إنجيل متّى، الأصحاح الثّامن الآية 22.

– قضية آدم وحواء والشجرة
” واما قضية آدم عليه السلام ليس المراد ظواهرها بل ضمائرها وليس المقصد من ظواهرها إلا سرائرها، فالشجرة هي شجرة الحياة الثابتة الاصل الممتدة الفرع الى كبد السماء المثمرة بأكل دائم والمفطرة لكل مرتاض صائم فمنع آدم عليه السلام ليس منع تشريعي تحريمي ، انما هو منع وجودي كمنع الجنين عن شئوون البالغ الرشيد فالشجرة مقام اختص بها سيد الوجود الحائز على المقام المحمود حبيب رب الودود محمد المصطفى عليه التحية والثناء والمقصود من حواء نفس آدم فآدم احب وتمنى ظهور الكمالات الالهية والشؤون الرحمانية التي ظهورها منوطة بظهور سيد الوجود فخوطب بخطاب وجودي ان هذا الامر ممتنع الحصول مستحيل الوقوع كامتناع ظهور التعقل والرشد للاجنة في بطون الارحام والنطفة في الاصلاب فيما كان يتمنى ظهور هذه الكمالات الرحمانية والشؤون الربانية في دور الجنين وذلك ممتنع مستحيل فالدور وقع في امر عسير وما كانت النتيجة الا شئ يسير وهذا عبارة عن الخروج من الجنة واما صدور هذا المنى عن الآية الكبرى فليس بأمر مستغرب عند اولي النهى وسليمان عليه السلام قال هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي “(حضرة عبد البهاء ص 153 امر وخلق مجلد 2)

وقوله العزيز : شجرة حضرة آدم هي مقام بلوغ العالم ، لقد طلب حضرة آدم ان يتجلى له عهد بلوغ العالم فتسبب التاخر، كما ان الأب الحنون يتمنى ان يطعم طفله الرضيع من ألذ انواع الماكولات ، ولكن معدة الطفل الرضيع لا تستطيع هضمها وتعطي نتيجة عكسية ويتاخر عن اكله الاصلي ايضا. الأغيار هم بمثابة الثمر الخام تتساقط من الشجرة ولن تعطي نتيجة وتقع في الهلاك والخذلان الابدي، انما الابرار هم بمثابة الفواكة الناضجة اللذيذة ، يكونوا مظاهر تجلي كمالات شجرة الفضائل ،ويصلوا الى درجة البلوغ ،ويشاهدون جميع شؤون الشجره منطوية في حقيقة انفسهم. الغرباء محرومون والقرباء محرم اسرار الحي القيوم ، هؤلاء ساقطين والاحباء لاقطين ، هؤلاء بدون ثمر وهذه النفوس بمثابة الشجر.”(حضرة عبد البهاء)

” ان المقصود من آدم روح آدم ومن حواء نفس آدم…والمقصود من شجرة الخيروالشر هو عالم الناسوت، لان العالم الروحاني الالهي خير محض ونورانية صرفة ، واما في عالم الناسوت تجد حقائق متضادة من نور وظلمة وخير وشر. والمقصود من الحية هو التعلق بالعالم الناسوتي ، وقد ادى تعلق الروح بالعالم الناسوتي الى حرمان روح آدم ونفسه واخراجه من عالم الحرية والاطلاق الى عالم الاسر والتقييد وصرفه النظر عن ملكوت التوحيد متوجها الى عالم الناسوت، ولما ان دخلت نفس آدم وروحه في عالم الناسوت خرج بذلك من جنة الاطلاق والحرية الى عالم الاسر والتقييد وبعد ان كان في الخير المحض وعلو التقديس ورد على عالم الخير والشر. والمقصود من شجرة الحياة هو اعلى رتبة في عالم الوجود ، وهي مقام كلمة الله والظهور الكلي، لهذا احتفظ بذلك المقام حتى ظهر ولاح في ظهور اشرف المظاهر الكلية… لان روح آدم ونفسه لما ان تعلقت بالعالم الناسوتي خرجت من عالم الاطلاق الى عالم التقييد، وتسلسل نسلا بعد نسل بصورة مثلى، وهذا التعلق الروحي والنفسي بالعالم الناسوتي المعبر عنه بالعصيان بقي موروثا في سلالة آدم، وهذا التعلق كان حية تسعى ما بين ارواح سلالة آدم الى الابد وبه استقرت العداوة واستمرت، لان التعلق الناسوتي اصبح سبب تقيد الارواح ، وهذا التقيد هو عين العصيان الذي سرى من آدم الى سلالته ، اذ ان هذا التعلق اضحى علة حرمان النفوس من تلك الروحانيات الاصلية والمقامات العالية. ولما انتشرت نفحات قدس حضرة المسيح وانوار تقديس النير الاعظم فالحقائق البشرية اعني النفوس التي توجهت الى كلمة الله واستفاضت من فيوضاته تخلصت من ذلك التعلق والعصيان وفازت بالحياة الابدية وانطلقت من قيود التقليد واهتدت الى عالم الحرية والاطلاق وبرئت من رذائل عالم الناسوت واستفاضت من فضائل عالم الملكوت، هذا هو معنى الآية القائلة ” انفقت دمي لحياة العالم”.(مفاوضات عبد البهاء ص79)

لا تعليقات

اترك رد