المواقع الاباحية ودورها في هدم البيوت

 

الأسرة هي النواة الأساسية في بناء المجتمع واستقراره من خلال تأثيرها في تنشئة أبنائها وتوجيههم التوجيه السليم لحمايتهم من الوقوع في براثن الإلحاد والانسلاخ من الدين والانحلال الأخلاقي، وهي مصدر التربية الدينية والأخلاقية باعتبارها اللبنة الأولى في سلسلة الحياة الاجتماعية.

وقد اقتحمت القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي حياة الأبناء مما يوجب أن تقوم الأسرة بدورها الإيجابي في مواجهة الهجوم الإعلامي الموجه لأبنائها من خلال تركيز جهودها في توعيتهم وتوجيههم وبيان المخاطر التي تواجههم.

إن المتتبع لما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي يرى الشباب والمراهقين والأطفال يقضون أكثر أوقاتهم في التعامل مع هذه الوسائل التي سلخت البعض من دينهم وأخلاقهم. لذلك يجدر بنا بيان دور الأسرة في حماية أبنائها وضبط سلوكهم ومنعهم من الخروج على تعاليم الإسلام وقيم المجتمع،

توجد مصالح للشركات في إطلاق يدها، وكف يد المجتمع والدولة. وهذه مصالح تجارية بحتة، لا علاقة لها بحرية الرأي والفكر.

في المجتمعات الليبرالية الحديثة، تجد الأسرة مكونة من طفل أو طفلين، والمدارس تضم عددا قليلا من الطلبة، ووسائل الإعلام والتنشئة تمارس دورا حاسما في تقوية مناعة المجتمع، بما يجعل تدخّل الدولة محدودا جدا، ليس في الإباحية فقط، بل حتى في الكلام العنصري والجارح والخادش للذوق العام.

مع ذلك، توجد آليات للمجتمع والدولة في الرقابة والمحاسبة. في ظلِّ ضعْف الوازِع الديني عند كثيرٍ من الناس، وفي ظلِّ غِياب التربية على الأخلاق والآداب والمَحامِد، مع ما تَشهَده المُجتَمعات العربيَّة المُسلِمة من انفِتاح كبير على “الغرب” وثقافته المختلفة، وعلى رأسها “ثقافة العُرْي” والمُجاهَرة بالفاحشة.

في وجود كلِّ هذا، غزَت الإباحيةُ المُتَمثِّلة في الأفلام والصُّوَر والقصص الجنسية كلَّ قوام وأركان البيت المسلم، لا نقول: الشباب والفتيات في مراحل المراهقة وما قبل الزواج فحسْب؛ بل عقول وقلوب كثيرٍ من الأزواج والزوجات في مختلف الأعمار، وعلى اختلاف الثقافات، حتى استبدَل كثيرٌ من الأزواج المشاهداتِ الإباحيةَ وما يَعقُبها من خيالات ومُمارَسات جنسية خاطئة بممارسة الحياة الزوجية الطيبة!

فكانت مرحلةٌ أخرى هي الأسوأ وهي الأخطر، مرحلة إفساد العلاقة الزوجية؛ بل تخريب بيت الزوجية! فالزوجة عادةً إذا ما اكتشفت مشاهدةَ زوجِها لمثل تلك الإباحيات عبر الفضائيات أو مواقع الإنترنت والتليفونات المحمولة، فإنها تُصاب بالصدمة المُغَيِّبَة، ثم يَصدُر منها – غالبًا – ردودٌ انفِعالية، تعقبها وتعقب زوجها خسارة حياتهما الزوجية للأبد.

أمثلة ونماذج من الواقع:
• تسأل زوجةٌ بعد أن سردت معاناتها: هل لي أن أطلب الطلاق من زوجي، إذا كان يُشاهِد المواد الإباحية؟ • وتقول أخرى لزوجها بعد زواجٍ لم يَدُم أكثر من ثمانية أشهر: والله إني لأدعو الله أن يُبعِدني عنك إذا استمررت بهذا الطريق (مشاهدة الأفلام الإباحية)، بالرغم ممَّا تَعرِفه من حبِّي لك، وإني لا أطيق يومًا بدونك.
• وتحكي إحداهنَّ أن زوجها يُخزِّن في جوَّاله صُوَرًا وأفلامًا جنسيَّة، وأنها لَمَّا قامت بحذفها في غِيابه ضربها وهجرها وكاد يطلِّقها!
• وتشتكي زوجة عُزْلة زوجها لكلِّ مَن حوله، وعكوفه على مشاهدة القنوات الإباحية لِمُدَّة تُجاوِز عشر ساعات يوميًّا!
• وتقول زوجةٌ أخرى: زوجي يُشاهِد الأفلام الإباحيَّة ولا يُبالِي بمعرفتي بذلك، وأنا الآن أشمئزُّ منه وأهجره ولا أهتمُّ بمشاعره؛ بل وتركت له البيت!
• ويقول زوجٌ مُتَألِّمًا: بيتي غزَتْه الإباحيَّة؛ فزوجتي تُشاهِد الأفلام الإباحية عبر جوَّالها وجهاز الحاسوب المنزلي، ولا أدري ماذا أفعل؟
• وإن تَعجَب فعجبٌ من زوج طلَّق زوجته بدايةً؛ حتى يخلو بمشاهدة العورات والمُمارَسات الشيطانية بعيدًا عن تأنيب زوجته له!

هذه فقط بعض النماذج الحيَّة من المجتمع، والتي تحمِل دلائل واضحة، تعني كلُّها في النهاية فساد الحياة الزوجية في حال وقوع أحد طرفَيْها في وَحْلِ الإباحيَّات.

إذًا مشاهدة الأزواج لهذه المحرَّمات جمعَتْ مفسدة عظيمة أخرى، إضافةً لمفسدة الوقوع في أمر محرَّم، وهو مخالفة الأمر بغَضِّ البصر، وحب الزنا، وربما الرضا به وتمنِّيه، كذلك ومفسدة تشرُّب المسلم للثقافة الغربية “الحيوانية” في العلاقات الجنسيَّة بين الرجل والمرأة، ضمَّت هذه المشاهدات المحرَّمة إضافة إلى كلِّ هذه المفاسدِ مفسدةً كبيرة أخرى، وهي هزُّ استِقرار الحياة الزوجية؛ بل وتخريبها عادةً.

من هذا المنطلق، منطلق استشعار خطَر دخول الإباحية حياة وبيوت الأزواج، نَتَدارَس أسباب هذا الغزو المدمِّر للدين والدنيا معًا، ونضع المقترحات والحلول الواجبة حوله.

لماذا يُشاهِد الأزواج تلك الإباحيَّات؟ لا شكَّ أنَّ وراء مُشاهَدة الأزواج والزوجات – أحيانًا – للصُّوَر والأفلام الإباحيَّة أسبابًا كثيرة، تَرجِع كلها في النهاية إلى ضعْف الوازِع الديني، وغِياب المقامات الإيمانيَّة العاصِمَة؛ كمقام المراقبة، ومقام المحاسبة، وغير ذلك. وهذا لا يمنع – ولا يُناقِض كذلك – من الوقوف على الأسباب الأوليَّة والمُصاحِبة للوقوع في براثن تلك الإباحيَّات المُهلِكة، فلمبدأ الوقوع في هذه المعصية أسبابٌ يجب معرفتُها وتَوَقِّيها، فليس أقل من أن يعتبر مَن عُوفِي من أسباب هذه الزلَّة الخطيرة والكبيرة فيتجنَّبوها، ويفقهها التائبون فلا يُكَرِّروا خطأهم ثانية. فمن هذه الأسباب، أسباب وُقُوع الأزواج في مُشاهَدة المحرَّمات، ثم اعتِياد المُمارَسات الجنسيَّة الشاذَّة كذلك، برغْم حُصُول العِفَّة بالزوجة الصالحة، وبالشكل الصحيح الطبيعي الطيب:

الغفلة والفُضُول:
فالغفلة باب شرٍّ، حيثما فتَحَه العبد، عاد عليه بالخيبة والخسران وضَياع الغاية التي خلق اللهُ لأجلها البشرَ جميعًا، فالغافِل مُضَيِّعٌ عادَةً لواجبات وقته، باحثٌ عن كلِّ ما يُسَلِّيه ويشغل فيه وقته، ومن هنا يلعب به الشيطان؛ فينقله من أمر مُباح إلى آخر مكروه، ثم إلى ما هو محرَّم مذموم، حتى لا تُخطِئه شِباك الإباحية وقد تَوافَرَتْ دواعيها، فيقع في تلك المُشاهَدات الإباحية بشكل أو بآخر، عن تعمُّد أو عن غير تعمُّد، وربما من باب الفُضُول أولاً، ثم تكون مرحلة الاعتِياد الإدماني في النهاية.

ومُشاهَدة تلك الإباحيات بدافِع الفضول نوعٌ من أنواع الغفلة المحرَّمة، فليس لأحدٍ أن يُذنِب ليقف على حقيقة الذنب وماهيَّته، ولا يقبل العقل – أيُّ عقل كان – أعذار المُخطِئ لأنه أخطأ بدافع الفضول.

وإنما الفُضُول في مشاهدة المحرَّمات خطوة شيطانية، وحظٌّ من حظوظ النفس الأمَّارة بالسُّوء والخادعة لصاحبها، كما أنَّ الفضول المحرَّم علامة على استِهانة صاحبه بأوامر الله – تعالى – ونواهيه؛ إذ لا يُتصوَّر أنَّ هذا المُقدِم على مشاهدة ما حرَّمه الله – عزَّ وجلَّ – بدافع الفُضُول يخفى عليه حُرمة ما يفعل وما يقع من جرَّاء مشاهدته.

إدمان هذه المشاهدات قبل الزواج:
لإدمان الشباب أو الفتيات المشاهدات الإباحية في عمر المراهقة وما قبل الزواج، أسبابٌ كثيرة، يأتي الكلام عنها في مقال آخر، وإدمان هذه المشاهدات ليس من الهيِّن أن يقطعه الزواج؛ بل غالبًا ما يستمرُّ إلى ما بعد الزواج.

فقضاء الوطر شيء، وإدمان النَّظَر إلى العَوْرات، والهُيَام في عالَم الخواطر والخيالات، وحب الشذوذ في الممارسة الجنسية – شيءٌ آخر، فالشهوة ليسَتْ شهوة فرج فحسب؛ بل قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((… فزنا العين النظر، وزنا اللسان المَنطِق، والنفس تَتَمنَّى وتشتهي…))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة). فللعين شهوة، وللسان شهوة، وللسمع شهوة، وللنفْس شهوة، وهذه الشهوات كلُّها مقصودة لذاتها عند هؤلاء الأزواج، وقد تكون مُتَوفِّرة في المشاهدات الإباحية بقدر أكبر من الزوجة الحلال الطيِّبة، ومن هنا كان سبب مشاهدة كثيرٍ من الأزواج والزوجات للعورات المحرَّمة وتلذُّذهم بها أكثر من تلذُّذهم بحياتهم الزوجية الكاملة.

حتى قضاء الوطر الزوجي نفسه يُستبدَل به الممارسات الشاذة المُكمِّلة لكمال اللذَّة عندهم، وهكذا تُسقِط الإباحيةُ الحياةَ الزوجية عند أولئك الأزواج.

التقصير في إقامة العلاقة الجنسية الزوجية:
للزوجين رغبات جنسية جِلِّيَّة مشروعة، هذه الرغبات تختَلِف باختِلاف الأشخاص ومُيُولهم النفسية والشخصية، فالزوج يحبُّ أن يرى زوجته بشكل أو أشكال مُعَيَّنة، ويحبُّ أن يُمارِسَا الجنس بصفة أو صفات مُعَيَّنة، ويحبُّ أن يكون ذلك في مكان أو أماكن من المنزل مُعَيَّنة، ويحبُّ أن يسمع من زوجته أثناء الجِماع كلامًا أو أصواتًا مُعيَّنة، ويحبُّ أن يرى على زوجته لباسًا مُعَيَّنًا، والمرأة كذلك لها رغباتها.

ورغبات كلِّ طرف في الحياة الزوجية ينبغِي أن تُقَدَّر ويُعتَنَى بها، مهما كانت في نظر أحدهما صغيرة أو غير مهمَّة، فإنَّ الرغبات في النهاية حاجَة في النفس تبحث عن مَخْرَجٍ، فإن لم تجدْه فيما أحلَّ الله – تعالى – ربما مالَتْ إلى ما حرَّم.

نعم، تقصير أحد الطرفين أو كلاهما لا يُبِيح لأحدهما مُشاهَدة تلك المحرَّمات؛ لكنَّه سببٌ في الوُقُوع فيها، ولكونه سببًا فحسب نذكره.

فقه التعامل مع الزوج المُبتَلَى بمشاهدة المواد الإباحية:
إدمان الزوج لمشاهدة العورات المحرَّمة عبر الفضائيَّات أو شبكة الإنترنت، يضع الزوجة أمام امتِحان إيماني وعقلي ونفسي، امتحان ليس سهلاً بحالٍ من الأحوال؛ بل امتحان صعب خطير، قلَّ من النساء مَن تَتجاوَزه بلا خسائر معنويَّة أو ماديَّة.

والزوجة عادةً ما ترفض وضْع مشاهدة الزوج لتلك المحرَّمات، ترفض بدافع الدين، أو الأخلاق، أو العقل، أو الأعراف والمَبادِئ، وهذا كلُّه يُحمَد، وكلامنا هنا خارِجٌ عن الزوجة الراضية بمشاهدة زوجها لتلك المحرَّمات، فإن من الزوجات مَن لا ترى بأسًا في هذا – والعياذ بالله – وهذا من قِلَّة الدِّين، وفساد التصوُّرات، وغِياب الآداب والأخلاق.

وفقه المعاملة الصحيحة للزوجة العاقلة مع زوجها المُبتَلَى بمثْل هذا، جزءٌ كبيرٌ جدًّا من إقلاعه وعلاجه، فضلاً عن امتِداد حبل المودَّة والألفة والتقدير بينهما، وهذا منها من حُسْنِ العشرة وتَمام النَّصِيحة، وعلى العكس من ذلك سوء تعامُلها وفَساد رأيها يعني الوحشة والبُعْد بينها وبين زوجها؛ بل وخراب بيتهما في كثيرٍ من الأحيان!

من هنا كان لا بدَّ للمرأة من معرفة واجِباتها إزاء هذه المحنة الكبيرة والخطيرة، والاستِعانة بالله – تعالى – في تطبيقها على أكمل وجه مُطَاق.

تنبيه مهم:
أحوال الرِّجال المُشاهِدين للموادِّ الإباحيَّة مختلفة باختلاف تديُّنهم وأخلاقهم، وبيئتهم ومستوى تفكيرهم، وتَفاوُتُ كلِّ هذا من شأنه أن يُغَيِّر من عملية المعاملة بين رجل وآخر؛ لذا فإنَّ كثيرًا ممَّا يأتي من مُقتَرحات وتَوصِيات إنما هو عامٌّ قابِلٌ للاستِثناءات والتخصيصات؛ إذ المرجو حصولُ المصلحة وزوال المفسَدة، وهذا لا يخضع لقانونٍ واحدٍ في المعاملة.

أوَّل ما يجب على الزوجة:

عدم إطْلاع زوجِها على مَعرِفتها بأمر مُشاهَدته للموادِّ الإباحيَّة، وهذا إذا لم يكن الزوج عَلِمَ بمعرِفَتها، فلا فائدة في البداية من إطْلاع الزوجة بمعرِفتها؛ بل هذا يَكسِر الزوج إن كان صاحب دِين وأخلاق، أو مبادئ وقِيَم، كما أنَّه يجعل الزوج يستَمرِئ هذه المشاهدات المحرَّمة ويَعتادُها أمام زوجته نفسها، إن كان ضعيف الدين والعقل، قليل الآداب والأخلاق.

ولا علاقة بين إخفاء الزوجة على زوجها معرفتها وبين واجبها وإيجابيتها في نَصِيحته والأَخْذ بيده عن الحرام، فإنَّ ما يغلب على الظن في إعلامه بمعرفتها أنه يُفسِد ولا يُصلِح.

كيف تُناصِح المرأة زوجها وهو لا يعلم بمعرفتها مشاهدته للموادِّ الإباحية؟

المُناصَحة أكبر بكثيرٍ من أن تَقتَصِر على توجيه النُّصْح القولي؛ لذا فإنَّ أبواب نُصْحِ المرأة لزوجها كثيرة، والمقصد في النهاية انتِهاء الزوج عن هذه المحرَّمات.

• ومن نصح الزوجة لزوجها المُبتَلَى بمشاهدة المحرَّمات، صناعة الجوِّ الإيماني في البيت، بالمحافَظَة على الأَوْراد التعبُّدية، والاهتِمام دَوْمًا بمتابعة الفضائيات الإسلامية، وعمل مشروع خيري مُصَغَّر للفُقَراء والمحتاجين ولو بشكل محدود، وكلُّ هذا وغيره يهدف لشغل الزوج بالخير المُذهِب للشر، وخلقِ هدف لحياته وغاية صحيحة له.

• ومن نُصْحِ الزوجة لزوجها كذلك حسنُ حالها مع الله – تعالى – وصلاحها، فإنَّ كلَّ إنسان مهما اجتَمَع فيه من شرٍّ، يتأثَّر بحال مَن حوله من أهل الخير والفَلاح، فكيف إذا كان هذا من أقرب وربما أحب الناس إليه؟ وهذا في الحقيقة هو الاقتِداء؛ فإنَّ المرء يقتَدِي بمَن يُعجَب به ويُؤَثِّر فيه، وكثيرًا ما تكون الزوجة الديِّنة سببَ صلاحِ زوجها دون دعوة مباشرة له، وأقلُّ ما في هذا أن يستحيِيَ الرجل ويتحرَّج من حاله السيِّئ وهو ينظر لحال زوجته الطيب.

• ومن نُصْحِ الزوجة لزوجها أيضًا تضييق الخناق على الزوج بشكل غير ملحوظ، وهذا حتى لا يصل للموادِّ الإباحية، ومثال ذلك بأن تسهر معه إذا كانت عادته السهر، وتُحاوِل الجلوس معه إذا جلس منفردًا… وهكذا.

والزوجة الفَطِنَة تقوم بمنْع زوجها من معصية الله – تعالى – بإعمال ذكائها ولُطْفِ أسلوبها، وهذا وإن لم يكن بَتْرًا للمرض من أصوله، إلا أنه نافع إذا ضُمَّ إلى غيره من أسباب العلاج والمُعافَاة، وفي الحديث أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((مَن هَمَّ بسيئةٍ فلم يعملها، لم تُكتَب شيئًا))؛ (أخرجه مسلم من حديث أنس). • ومن نُصْحِ الزوجة لزوجها الإلحاحُ في الدُّعاء له بالمُعافَاة من هذه المعصية، والاستِغفار له من هذا الذنب، والإلحاح يعني: كثرة الدعاء، ويعني: التذلُّل لله في الدُّعاء، ويعني: ثقة القلب في استجابة الله للداعي. ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُستَجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: قد دعوت فلم يُستَجَب لي))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة)، فقوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما لم يعجل)) هو معنى الإلحاح في الدعاء.

كتم أمر الزوج:
لا يحلُّ لمسلم فضحُ مسلمٍ وإن لم تجمعهما علاقة أو صلة؛ يقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن ستر مسلمًا، ستَرَه الله في الدنيا والآخرة))؛ (أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة))، فكيف إذا كان هذا المسلم هو الزوجَ وله حقوق عظيمة؟ وحقوق الزوج باقية وإن وقع في معصية الله – تعالى – فإن هذا لا يُسَوِّغ بحال فضح زوجته له.

وإضافةً إلى كون إفشاء معصية الزوج لأيِّ أحدٍ محرَّمًا؛ بل وقد يدخل في كبائر الذنوب، إضافة إلى كلِّ هذا فإن فَضْحَ المرأة لزوجها المُشاهِد للموادِّ الإباحيَّة لا يُفِيد الزوجَ ولا الزوجة؛ بل يصنع النفرة ويُورِث الوحشة بين الزوجين، كما أنَّه لا يُرجِع الزوج عن غَيِّه ورغبته في مُشاهَدة المحرَّمات.

نعم، قد تحتاج المرأة لِمَن تُشاوِره في أمر زوجها، ومَن يُساعِدها على إخراجه من مِحنَتِه، وهذا وإن كان يَتَطلَّب أحيانًا ذكْر بعض حال الزوج، إلاَّ أنَّ هذا ينبغي أن يضبط، بحيث يكون بدايةً بعيدًا عن أُذُن الزوج، فلا يسمعه أو يعلم به، وكذلك يكون التصريح بأقل قدر مُمكِن، فإن أمكن مثلاً أن تُخفِي الزوجة، فلا تصرِّح مع المسؤول أو المُستشار أو الناصِح أنها تتكلَّم عن زوجها، فهذا هو الواجب، وإن احتاجت الزوجة للتصريح فليكن بقدر الكفاية، ولا تَستَرسِل في الحديث عن عورات زوجها ومساوئه.

مُناصَحَة الزوجة زوجَها إذا اتَّضح له معرفة زوجته بأمر مشاهدته:

وهذه المُناصَحة ينبغي أن تُحَضِّر لها الزوجة جيدًا قبل الإقدام عليها، فلا تَتَعجَّل فيها فيترتَّب عليها مفسدة أخرى، ربَّما هي الأكبر.

والإنسان عادَةً يتَّضح له بعد التفكير ومُشاوَرة الآخَرين والاستِعانة بالله – عزَّ وجلَّ – ما لا يظهر له أوَّل الأمر، وقد يُحَتِّم الشرع أو العقل تأخيرَ النصيحة.

ماذا تفعل الزوجة إذا دخلت على زوجها فوجدَتْه يُشاهِد تلك الإباحيَّات؟

قد تدخل الزوجة على زوجها – كما يحدث كثيرًا – فتجده يشاهد تلك المحرَّمات، فإن تعجَّلت في النصيحة وهي مَصدُومة أو مَذهُولة أو غاضِبة، لم تَتمالَك ألفاظها، ولم تَضبِط انفعالاتها، وأفسدتْ أكثر ممَّا يجب عليها أن تُصلِح، نعم، سيَظهَر عليها – رغمًا عنها – استياؤها وأسَفُها، لكن لتُحاوِل أن تُؤَخِّر الكلام، وتُظهِر لزوجها بالفعل أن مكانته محفوظة، وحقوقه لم تتأثَّر، وتأخذه لشيءٍ آخر بعيدًا عن هذا الأمر.

وعادةً يَتَعجَّل الزوج الحديثَ مع زوجتها حوْل ما رأَتْ، أو يسعَى لمعرفة ردِّ فعلها ونظرتها إليه، هذا إذا كان الزوج ذا دين أو خلق، أمَّا إن لم يكن كذلك فإنَّه عادةً لا يُبالِي – والعِياذ بالله – بما رأَتْه عليه زوجته! وربما تبجَّح وتعَلَّل بجهل وهوى.

إذا ألَحَّ الزوج على الزوجة في الحديث عمَّا شاهدَتْه عليه، فهل تجاوبه الحديث؟

نعم تجاوبه، ولتُبدِي له استياءها من مشاهدته لهذه المحرَّمات، ثم لتُحِرِّك مشاعِرَه الطيِّبة في نفسه، بأنْ تقول له: “أنت بأخلاقك ودينك أكبر من هذا”، أو: “لعلَّها هفوة أو ذنب لا تُكَرِّره”، ومثل هذه العبارات الرقراقة. وقد تحتاج الزوجة أن تَعِظَ زوجها بشيءٍ فيه تخويفٌ من الله – تعالى – وتحذيرٌ من عقوبة فِعلته تلك، كأنْ تقول له مثلا: “أنت تتجرَّأ بهذا على مَحارِم الله ولا تُراعِي نظره إليك”، أو: “أنا أخشى على بيتنا وعلاقتنا من هذه المعصية”، ومثل هذا. وكلُّ امرأةٍ أدرى أي أسلوب أولى وأنفع مع زوجها؛ فهذا أمر تقديري ونسبي يختَلِف باختلاف الشخصيات ذاتها.

ماذا لو لم يكن الزوج يستحيي من مشاهدته للمواد الإباحية على علم زوجته؟

مثل هذا الزوج عادَةً لا يرى عيبًا في مشاهدة تلك المحرَّمات، والواجب تعريفُه أنَّ ما يقوم به محرَّم، ووعْظُه وتَخْوِيفُه بالله وعقابه في الدنيا وفي الآخِرة، كما يجب تنبيهُه للعواقِب الوَخِيمة لمشاهدة هذه الإباحيَّات، وأنَّ لها أسوأ الآثار على بيته وأولاده، وربما زوجته!

ولتتَّبِع الزوجة كلَّ وسائل نُصْحِه، وقد سبَق الحديث عنها، وليكن حادِيها في ذلك اللُّطف واللِّين والموعظة الحسنة.

هل للزوجة أن تحذف المواد الإباحية من جهاز الحاسوب أو الهاتف المحمول لزوجها؟ وكذلك حذف القنوات الإباحية؟

لا شكَّ أن هذا من النَّهْيِ عن المنكر، لكن إن غلب على ظنِّ الزوجة ردَّة فعل سيِّئة من زوجها، فلا تفعل؛ لأن النهي عن المنكر لا ينبغي أن يترتَّب عليه منكرٌ أكبرُ منه، مع العلم أنَّ الزوج لن يَعجِز عادة عن امتِلاك مواد إباحية أخرى، أو إعادتها.

أمَّا إذا كان الزوج مُقِرًّا بخطأ وجود هذه المحرَّمات في البيت، ويعلم أن زوجته إنما قصدَتْ نصحه والخير له، فلا بأس بحذفها حينئذٍ، ولو أنَّ الزوجة رجعَتْ لزوجها وطلبَتْ منه حذف هذه المحرَّمات، لكان هذا أحسن وأجمع لقلبيهما.

والأمر في النهاية راجِعٌ لتحصيل المصلحة الشرعية وتقليل المفسدة، فإنْ أَشكَل على الزوجة الأمر، فلتُراجِع أهل المشورة والفتوى.

أثر الزوجة كـ”امرأة” في انتشال زوجها من تلك المنكرات:
ذكرنا فيما سبق أنَّه قد يدفع الزوجَ لمشاهدة هذه المنكرات تقصيرُ الزوجة في حقِّ زوجها، من ملبس أو زينة، أو كلمة أو حركة… وهكذا، ولا يُعفِي الزوجةَ من المسؤولية أنَّ زوجَها لا يطلب منها كذا أو كذا؛ فعادة الأزواج أن رغباتهم كثيرة ولا يتحدثون عن رغباتهم إلا قليلاً.

فعلى الزوجة واجباتٌ نحو زوجها كامرأةٍ تملك مُقَوِّمات أنثوية قادرة على احتِواء رغبات الرجل، ونحن نفهم أنَّ من النساء مَن لا تقصِّر في حقِّ نفسها أو زوجها، كما نفهم أنَّ من الرِّجال مَن أُصِيب بنوع شذوذٍ في رغباته الجنسية لا تقدر عليها المرأة، لكنَّ هذا لا يعني ألاَّ تتفنَّن المرأة في خطف قلب زوجها من الإباحيَّات المُشتِّتة. وكثيرٌ من الرِّجال إنما يُحَرِّكهم لِمُطالَعة العورات المحرَّمة خاطرةٌ فكرية، أو مشهد رأوه، أو ربما كلمة سمعوها، فإنَّ منبع هذا كلِّه حرمان، أو حاجة جنسية افتَقَدُوها بدايةً في زوجاتهم، أو رغبات وُجِدَتْ ولم تستطع زوجاتهم إشباعَها.

نيَّة واجبة ومُعِينة:
من الطبيعيِّ جدًّا أن تشعر المرأة بإهانة ضمنيَّة إذا رأَتْ زوجها يَتَلذَّذ بمُلاحَقة العورات المكشوفة المحرَّمة عبر القنوات والمواقع الإباحية، فهو في نظرها يستَعِيض عنها بصُوَر وخيالات، ومن هنا تُجرَح كرامتها، وتَسعَى لتغيير هذا الوضع.

لكنَّ التغيير من هذا المُنطَلَق وحدَه – مُنطَلق الشعور بالإهانة أو الغَيْرَة عند المرأة – عادةً لا يقوى على إرجاع الزوج عن تلك المحرَّمات؛ لأنَّ ثَمَّة عوامِلَ تغيير كثيرة ناقصة؛ كمُخاطَبة الواعظ الديني في قلب الزوج، وغير ذلك. والواجب على الزوجة أن تتحرَّك أوَّلاً من باب النصيحة الشرعيَّة ووجوب النهي عن المنكر، وتُعِينها هذه النيَّة الشرعيَّة الواجبة على مهمَّتها كزوجةٍ في انتِشال زوجها من تلك المَتاهَات الإباحيَّة المضلِّلة.

نظرة معتدلة:
بعض الزوجات تَنظُر لزوجها المُبتَلَى بمشاهدة الصُّوَر والأفلام الإباحية نظرةً متدنِّية، وربما نظرة احتِقار، ويَكثُر هذا في الزوجات المتديِّنات، ويَصِلُ الأمر كثيرًا إلى الاحتِقار والاستِعلاء في الخِطاب مع الزوج؛ بل والتصريح للزوج أحيانًا بأنه كذا أو كذا!

وهذه النظرة الاحتِقارية من الزوجة للزوج المُبتَلَى، من فساد التصوُّر، أو من مرض القلب؛ فإن كلَّ إنسان يُخطِئ ويُذنِب، يقول ربُّنا – تبارك وتعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]، فأخبر – تعالى – أنَّ الذين اتَّقَوا الله من عباده يقَعُون في بعض ما حرَّم؛ من ترْك واجب، أو فعْل محرَّم، ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والذي نفسي بيده، لو لم تُذنِبوا لذهَب الله بكم، وجاء بقومٍ يُذنِبون، فيستَغفِرون اللهَ فيغفر لهم))؛ (أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة – رضِي الله عنه).

وقد وقع في خير مجتمع؛ مجتمع النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأصحابه – رضي الله عنهم – جرائمُ الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وغير ذلك، ولم يكن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يحتَقِر أصحابَ هذه المعاصِي الكِبار؛ بل يأخذ بهم إلى النجاة والفلاح، وينهى أصحابَه عن لعنهم أو سبِّهم؛ عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – “أن رجلاً على عهْد النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان اسمه عبدالله، وكان يُلقَّب حِمارًا، وكان يُضحِك رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وكان النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قد جلَدَه في الشراب، فأُتِي به يومًا فأُمِر به فجُلِد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العَنْه؛ ما أكثر ما يُؤتَى به! فقال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إلاَّ أنَّه يحبُّ الله ورسوله))”؛ (أخرجه البخاري وغيره).

فهذا الرجل يحبُّ الله ورسوله، ولكنَّه ابتُلِي بشرب الخمر، وكذلك كثيرًا ما يُبتَلَى بعض أهل الخير بمشاهدة العورات المحرَّمة، وقد يكونون يُحِبُّون الله ورسوله ولهم أعمال خير كثيرة، وفي قصة مالك بن ماعز المشهورة قال – صلَّى الله عليه وسلَّم – لِمَن سَبَّه: ((لا تَسُبُّوه)).

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه -قال: “أُتِي رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – بشاربٍ فقال: ((اضربوه))؛ فمنَّا الضارب بيده، ومنَّا الضارب بنعله، فقال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تقولوا هكذا، لا تُعِينوا الشيطانَ عليه))؛ (أخرجه ابن حبَّان وأبو يعلى وصحَّحه الأرناؤوط).

نعم، تُكرَه المعصيةُ ولا تُقرُّ؛ بل تُنكَر ويُناصَح أهلها، ولا يسوِّغ كلُّ هذا للزوجة أن تُهدِر خير الزوج لبعض شرِّه؛ فهو يصلِّي ويصوم ويحجُّ إن استِطاع، ويشاهد تلك المحرَّمات، ليس تناقضًا – كما تقول بعض الزوجات – وإنما هوى غلاَّب، ووسوسة شيطان، وضعف نفس، وبهذه النظرة وحدَها ينبَغِي أن تَنظُر الزوجة إلى معصية الزوج.

كيف تعرف الزوجة أن الزوج امتَنَع عن مشاهدة المواد الإباحية؟
تلحظ الزوجة هذا بإقبال الزوج على الطاعات، وشغل وقته بالأعمال المفيدة، والتقليل من خلوته، والاستِئناس بِمَن حوله مرَّة أخرى.
فقه تعامُل الزوج مع الزوجة المُشاهِدة للصُّوَر والأفلام الإباحية:

هناك فارِق جوهري بين الرجل والمرأة في عملية التعامُل مع الطرف الآخر في الحياة الزوجية؛ فقوامة الرجل وطبيعته تُحَتِّم عليه الأخْذ بيد الزوجة طوعًا وكراهية عن المحرَّمات، وهذا بالإضافة إلى النصائح المتقدِّمة للزوجة.

فللزوج أن يُضِيف على كلِّ ما مضى من نصائحَ، منْعَ زوجته من كلِّ ما يُوصلها بهذه الموادِّ الإباحية؛ من فضائيَّات، أو شبكة الإنترنت، أو تليفونات محمولة ذات إمكانيَّات لمشاهدة الصُّوَر ومقاطع الفيديو.

وبعض الأزواج يَتعامَلُون بسلبيَّة مَقِيتَة نحو مُشاهَدة زوجاتهم أو أبنائهم للموادِّ الإباحيَّة، وهذا ما لا يُقبَل من المسؤول الأوَّل عن البيت وصاحب القوامة، فلا يُكتَفَى في حقِّ الرجل بتوجيه النُّصْحِ القولي للزوجة وحسب؛ إذ هو مسؤولٌ أمام الله – تعالى – عن حال مَن ولاَّه الله أمرهم من زوجةٍ أو أبناء؛ يقول ربنا – تبارك وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

والمرأة عامَّة تقبل من الزوج وإن اشتدَّ قليلاً، لا سيَّما وهو يبحث عن نجاتها، ويخشى عليها سوءَ المُنقَلب والهاويةَ. يقول دُعاة الإباحية: إنَّ كلَّ امرأةٍ خُلِقتْ لكلِّ رجل في هذا العالم، وما الطريق الفطري إلا أن يقع الاتصال الجنسي كلَّما اشتَهَياه، وتمكَّنا منه، وتراضَيَا عليه، شأن أيِّ اثنين من الحيوانات! ولكنَّ الحقيقة أنهم يُخطئون خطأً بيِّنًا في التعبير عن الفطرة الإنسانية؛ وذلك أنهم قد زعموا أن الإنسان حيوان محضٌ، فكلما ذكَروا الفطرة والطبع، أرادوا بها فِطرته الحيوانيَّة، لا فِطرته الإنسانية! والعلاقة الجنسيَّة المطلَقة التي يعبِّرون عنها بالفعل الطبيعي. لا شكَّ أنها طبيعة بالنسبة للحيوان، ولكنَّها ليستْ من الفطرة في شيءٍ للإنسان؛ ذلك بأن فِطرته الإنسانيَّة تَقتضي أن يكون لعلاقته الجنسيَّة ثباتٌ ودوامٌ؛ حتى يَشترك الأبوانِ في تربية الطفل، وقيام الوالد بكفالة الولد وأمِّه، ولكنَّ المرءَ إن لم يكنْ على ثقة من كون الولد من صُلْبه هو، فإنه لا يرضى أبدًا أن يتكلَّف في تربيتِه، ويُعانيَ الجهد والإيثار، ولا يرضى للولد أن يرثَ تَرِكَته، وكذلك المرأة إن لم تكنْ على يقينٍ من أنَّ الرجل الذي يُعاشرها مُستعدٌّ لكفالتها وكفالة ولدِها، فإنها لا تَرضى أبدًا أن تُعانيَ متاعبَ الحمل، ثم إنه إذا لم يتعاونِ الأبوان على تَنشئة الولد، لَم يُمكنه أن يبلغ في تعليمه وتربيته، ومكانته الخُلُقية والعقليَّة – مبلغًا يَجعله عاملاً مفيدًا للتمدين الإنساني.

تلك هي مُقتضَيات الفِطرة الإنسانيَّة في كلِّ رجل وامرأة، فإذا أهمَلها الرجل والمرأة، وجاءَا يتعلَّقان بعلاقة جنسيَّة عارضة كأنواع الحيوان، فإنهما لا شكَّ يُهملان مقتضى الفطرة الحيوانية أيضًا، وهو الإنجاب والتناسُل؛ لأنهما حين يتَّصلان لا يقصِدان التَّوليد والتناسُل، بل تكون غايتُهما من العلاقة الجنسيَّة – إذ ذاك – مجرَّدَ التلذُّذ والتمتُّع، مما هو مخالِف لمقصود الفطرة أصلاً.

إنَّ الاتصال غيرَ الشرعي بين الرجل والمرأة من شأْنه إهدارُ المجتمع خُلُقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، وإذا ما تصوَّرْنا مدى الانهيار الذي يُصيب الأُمَّةَ من سوء فِعْل هؤلاء الذين لا يُراعون في أنفسهم ضميرًا أو ضابطًا، أو عهدًا أو أمانة، وجَدنا أنَّ الخطر كبيرٌ، والجُرْم شنيعٌ، ومن هنا كان لا بدَّ من أن نُبَيِّن بعضَ هذه الأخطار وأثرَها على الفرد والأسرة والمجتمع:

1- إنَّ أوَّل ما يَجنيه المرءُ المغامر الذي يُرسل غرائزَه كيف شاء وأنَّى شاء، هو أنه يُعَرِّض نفسَه لخطر الإصابة بالأمراض السريَّة القاتلة، وبذلك لا ينقُص مما في قواه من المنفعة العامَّة فحسب، بل يجرُّ على الجماعة والنَّسل أيضًا أضرارًا بالغة، وإنَّ مرض السَّيلان – الذي هو أوَّل ما يُبتلى به الفاجر – يقول فيه الأطباء:

“إنَّ هذه القرحة في بعض الأحيان قلَّما تَندمل، ولا يخلُص من أذاها الإنسان إلاَّ في النادر”، ومن قول طبيب حاذق: “مَن أُصيب بالسيلان مرَّة، أُصيب به للأبد”. وهذه العاهة كثيرًا ما تُتلف الكبدَ والمثانة والخُصيتين، وغيرَها من الأعضاء، وتُسَبِّب وجعَ المفاصل وأمراضًا أخرى، كما أنها تُسَبِّب العُقم الأبدي.

وأمَّا مرض الزُّهري، فهو يُفسد نظامَ الجسد كلّه، ولا يُبْقي من قمَّة الرأس إلى أخمَص القدم عضوًا من أعضاء الجسد غيرَ متأثِّر بسمومه وأذاه. ثم ينتقل من المريض إلى أولاده، وأولاد أولاده، فيُعانون أذاه بلا ذنبٍ فعلوه، والأولاد الصم والبُكم والعُمي والمجانين – من أهون ثمرات ساعات اللذَّة القلائل، تلك التي عدَّها الأبُ الظالم أعزَّ ما في حياته.

2- وإذا لم يكن حتمًا ابتلاءُ كلِّ زانٍ بالأمراض السرية، فمن المحتوم ابتلاؤه بالسفاسف الخلُقيَّة التي تتعلَّق بهذا الإثمِ بالضرورة، فالوقاحة والخديعة، والكذِب والأثَرة، والخضوع للشهوات وجُموح النفس، وتشرُّد الفكْر، وفساد الطبع، وتطلُّعه إلى كلِّ جديدٍ، والغدر وقلَّة الوفاء – كلُّ أولئك من آثار الفَعْلة الشَّنيعة التي قام بها.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ مَن يجمع في نفسه هذه الخصالَ، لا تَنحصر سفاسفُه الأخلاقيَّة في الشؤون الجنسيَّة فحسبُ، بل تتعدَّاها إلى المجتمع الذي يعيش فيه.

3- إنَّ الرجال والنساء الذين يَسيرون في هذا الطريقِ الشائنِ، قلَّما يصلُحون لأَنْ يَحيَوْا حياة زوجيَّة صالحة؛ لأنَّ هذا السلوكَ العمليَّ الفاسد، يبعث في نفوسهم من سوء الفَعْلة، وفجور النظر، وتشرُّد الفكر، ويُرَبِّي فيهم من تلوُّن العواطف، وعدم ضَبْط الميول – ما هو جديرٌ بأن يهدِمَ الصفاتِ التي هي ضروريَّة للعلاقة الزوجيَّة الصحيحة بين الرجل والمرأة، فهؤلاء – إن ارتبطوا برابطة الزَّواج – لن تتحقَّق بين الزوجين منهم تلك الصِّلةُ؛ من حُسن المعاملة والمحبَّة، والوفاء والثقة، والانسجام والاعتماد، والمواءمة التي تُنبت نسلاً جيِّدًا، وتُنشئ بيتًا قِوامه السعادة والاستقرار.

4- وناهيك – أيضًا – بإيجاد أولادٍ غير شرعيين، لا يعرفون لهم في الغالب أبًا أو أُمًّا، ثم إنَّ الولد الذي لا يأتي أَبَويه كشيءٍ مطلوب محبوب، بل ينزل بينهما نزولَ النَّكبة المفاجئة – يَفقد في أغلب الأحوال عطفَ الأبوَّة ووسائلها، ولا تتيسَّر له إلاَّ تربيةُ الأم، وهذا ما يكون نادرًا، فيتربَّى تربيةً ناقصة، وربما يُخالطها الضَّجر والإعراض.

وإذا ما ذهب بهذا الطفلِ البائس المنكود الحظُّ إلى دار الحضانة (الملجأ)، فقد حُرِم كلَّ أنواع العطف الطبيعي، ولا شكَّ أنه ينشأ إنسانًا ناقصًا، غيرَ تامِّ الإنسانية، فلا تتكوَّن له سيرة صحيحة، ولا تتجلَّى فيه كفايات موهوبة، ولا تتوافر له وسائلُ التقدُّم والإجادة العلميَّة، ويكون معدومَ الأهل والنصير، فيَخرج للحياة ناقمًا ساخطًا، ورُبَّما ساقَتْه عُقدتُه إلى احتراف الإجرام والإضرار بالناس وبالمجتمع، ويظل طوالَ حياته يشعر أنه إنسان غير طبيعي، جِيء به في ظروف شاذَّة.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي تحت عنوان: “عربة اللُّقَطاء” هذه الكلمة التي هي أبلغ من كلِّ تعليق: ” …. إنَّ ابن الحيوان يستقبل الوجود بأُمِّه؛ إذ يكون وراءها كالقطعة المُتَمِّمة لها، ولا تقبل أُمُّه إلا هذا، ولا يصرفها عنه صارفٌ، فتُرغم الوجودَ على أن يتقبَّل ابنَها، وعلى أن يعطيَه قوانينه، أمَّا هؤلاء الأطفال، فقد طردَهم الوجود منه، كما طرَد الله آباءهم وأُمَّهاتهم من رحمته.

والأُمَّات يقُمْنَ بإعداد الثياب والأكسية لأجنتهنَّ قبل أن يُولدوا، ويهيِّئْنَ لهم بالفكر آمالاً وأحلامًا في الحياة، فيُكسبْنَهم في بطونهنَّ شعورَ الفرح والابتهاج، وارتقاب الحياة الهنيئة، والرغبة في السموِّ بها، ولكنَّ أُمَّهات هؤلاء لهم الشوارع والأزقَّة منذ البَدء، ولا تترقب إحداهنَّ طَوال أشهر حَمْلها أن يَجيئها الوليد، بل أن يتركها حيًّا أو مقتولاً، فيُورِثْنَهم بذلك – وهم أَجِنَّةٌ – شعورَ اللهفة والحسرة، والبُغض والمَقت، ويَطْبَعْنَهم على فكرة الخطيئة والرغبة في القتل، فلا يكون ابنُ العار إلاَّ ابنَ هذه الرذائل أيضًا.

ومتى ألْقَت الآثمة ما في بطنها، قطَعتْه لتوِّه من روابط أهله وزمنِه وتاريخه، ورَمَتْ به ليموت، فإن هلَك، فقد هلَك، وإن عاش لمثل هذه الحياة، فهو موت آخرُ شرٌّ من ذاك! ومهما يتولَّه الناس والمحسنون، فلا يزال أوَّله يعود على آخره، مما في دمِه وطباعه الموروثة، ولا برِح جريمةً ممتدة متطاولة، ولا ينفكُّ قصة زانٍ وزانية، وفيها خطيئة ولَعنة”.

إنَّ البلد الذي لا يحترم شريعةَ الزواج يلد – من غير شكٍّ – منكوبًا في أخلاقه وحضارته.

فأمريكا اليومَ ضاقت بالأولاد غير الشرعيين، وتدلُّ التقارير الرسمية أن ما يقرُب من 350 ألف طفل غير شرعيٍّ يُولدون سنويًّا بها، كما تُفيد آخر التقريرات أن عدد المواليد غير الشرعيين في بريطانيا قد بلغ 59104 مواليد سنة 1963، ويُشكل هذا العدد نسبة 9.6 % من مجمل عدد المواليد في بلاد الإنجليز هذا الانحلال والانحطاط، وراحَت الحكومتان تشكلان اللجان والخبراء لمعرفة سرِّ تلك الأعداد الضخمة من اللقطاء، فجاء الردُّ بأنَّ الأسرة لم يَعُد لها كِيان في أمريكا وإنجلترا، وأن الاختلاط بين الفتيان والفتيات هو سرُّ تلك النَّكبة التي حلَّت بهذين البلدين الكبيرين، وأنَّ الإباحيَّة هي سرُّ هذا الوباء الخطير، وقد نصَح الخُبراءُ ورجال الدين بالعودة إلى مبادئ الدين والقِيَم الرُّوحية؛ فهي الضمان للحدِّ من انحلال الأسرة، وتشجيع الشباب على الزواج، ومساعدتهم على حلِّ مشكلاتهم.

استقرت الحكومات الغربية على تقنين الشذوذ الجنسي وفرض احترام فاعليه، وإدراج أي إنكار له أو تنديد به، تحت بند جرائم الكراهية والتمييز. وهذا التحويل لأمر شاذ أو استثنائي وجعله طبيعياً وحقاً مشروعاً ومعاقبة منكريه يؤثر بصورة سلبية وكارثية على مفاهيم كثيرة تتعلق بهذا الشأن،

كمفهوم الزواج والأسرة والأمومة، ويُعد أيضاً فرضاً بالقوة لرأي أقلية على أغلبية الشعوب المختلفة بما تبقى لديها من فطرة سليمة، بما فيها الغرب نفسه. في ازدواج للمعايير الغربية واضح، تلك المعايير التي تتعلق بالديمقراطية وخيار الأغلبية.

حتى الاستفتاءات التي جرت في بعض البلدان حول تقنين زواج الشواذ على سبيل المثال، حدثت قبلها حملات إعلامية واسعة صورت من يرون في الشذوذ الجنسي تدميراً للمجتمع على أنهم رجعيون ويتصفون بالكراهية والتمييز على أساس الميول الجنسية.

وقد قُننت أوضاع الشواذ وأصبحت “حقوقهم” خطاً أحمر في الغرب بسبب رؤية الأنظمة الغربية للإنسان نفسه، تلك الرؤية المادية الأنانية لمفاهيم الحرية والمنفعة واللذة، مما يجعل الفرد متمحوراً حول نفسه فقط بأنانية مفرطة، ومقبلاً على ما يشبع احتياجاتها، بغض النظر عن مصلحة الأسرة والمجتمع، وبلا اهتمام ببقاء الجنس البشري الذي يكفله الزواج الطبيعي التقليدي، وبلا مراعاة للدين والفطرة والقيم.

وقد بدأت هذه الحركة الواسعة من تقنين وضع الشواذ، بالحركة النسوية الواسعة التي سادت أمريكا وأوروبا، والتي قد بدأت بالمناداة بالحقوق المشروعة للمرأة ولكنها تحولت إلى الغلو والمناداة بمطالب غريبة، كإباحة الشذوذ، والمساواة المطْلقة بين المرأة والرجل في كل شيء بما فيها الأمومة، وحق التعري بحجة أن جسد المرأة ليس عيباً لتغطيته، وفي حق تحديد النوع ذكر أم أنثى، وغير ذلك من المطالب التي تزداد غرابة يوماً بعد يوم مما ينذر بفناء المجتمعات.

وبما أن الشعوب العربية تابعة ومغلوبة، وأن المغلوب مولع دوماً بتقليد غالبه كما يقرر ابن خلدون، وبما أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يسعى سعياً حثيثاً لعولمة نموذجه الثقافي والاجتماعي والاستهلاكي، فقد أتت رياح الشذوذ الجنسي على مجتمعاتنا الإسلامية، وبرزت أصوات تطالب بحقوق من يسمون “المثليين”، رغم قلتهم النادرة في مجتمعاتنا، إلا أن منظمات مجتمع مدني منتشرة في ربوع العالم الإسلامي تتحدث و تتطالب بحقوق “المثليين”، هذه المنظمات التي تلقى تأييد ودعم الجهات الغربية في محاولة لنشر الشذوذ في المجتمعات الإسلامية والترويج له وتعميمه وجعله معياراً للحرية.

بالطبع لا تزال مجتمعاتنا الإسلامية تلفظ هذه المطالبات وتستنكرها، لكن الوقاية خير من العلاج، ووأد هذه المطالبات في مهدها وبيان خطرها دائماً هو أمر متحتم. فهكذا بدأت تلك المطالبات مستنكرة في محيط المجتمعات الغربية، لكن عدم مواجهة ذلك بكل وسيلة متاحة أوصل الغرب إلى ما هو فيه من وضع كارثي على مستوى القيم التي تقوم عليها أي حضارة.

ولا شك أن الشذوذ الجنسي مدمر للمجتمعات ومُبيد للجنس البشري، وقد جاء الإسلام لتحقيق مقاصد خمسة، منها “حفظ النسل” والذي لا يتم إلا بالزواج الطبيعي، لذلك نهى القرآن الكريم عن الفحشاء والمنكر {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}،

“والفحشاء كل أمر يفحش، أي يتجاوز الحد. ومنه ما خصص به غالباً وهو فاحشة الاعتداء على العِرض، لأنه فعل فاحش فيه اعتداء وفيه تجاوز للحد حتى ليدل على الفحشاء ويختص بها. والمنكر كل فعل تنكره الفطرة، ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة. وقد تنحرف الفطرة أحياناً فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها.

والبغي: الظلم وتجاوز الحق والعدل. وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي. ما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها، والمنكر بكل مغرراته، والبغي بكل معقباته، ثم يقوم. والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة، مهما تبلغ قوتها، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها.

وتاريخ البشرية كله انتفاضات وانتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي. فلا يهم أن تقوم عهود وأن تقوم دول عليها حيناً من الدهر، فالانتفاض عليها دليل على أنها عناصر غريبة على جسم الحياة، فهي تنتفض لطردها، كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه.

وأمر الله بالعدل والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي يوافق الفطرة السليمة الصحيحة، ويقويها ويدفعها للمقاومة باسم الله. لذلك يجيء التعقيب{يعظكم لعلكم تذكرون} فهي عظة للتذكُّر، تذكُّر وحي الفطرة الأصيل القويم”.

أولاً: الجهات الفاعلة
الحكومات الغربية والأمم المتحدة
تسابقت الحكومات الغربية إلى تقنين زواج الشذوذ خلال السنوات القليلة الماضية، وإلى تقرير مبادئ على مستويات عدة لدعم الشذوذ والاعتراف به وحماية مرتكبيه بقوة القانون، فنقد الشذوذ الجنسي ومهاجمته أصبح تمييزاً وحثاً على الكراهية. وقد استخدمت الحكومات الغربية الأمم المتحدة لمزيد من الحماية للشذوذ.

فبالنظر لمقررات الأمم المتحدة المتعددة ومفوضياتها المختلفة يبدو أنه يوجد سعي لإنشاء ما يشبه نظاماً عقدياً عالمياً موحَّداً، وقد تعددت تصريحات بعض مسئولي الأمم المتحدة بهذا الشأن، فيقول روبرت مولر Robert Muller الذي عمل في الأمم المتحدة لمدة 38 عاماً، تدرج خلالها في مناصب عديدة، وكان مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة، ولقِّب “بالفيلسوف” ورسول الأمل”، يقول: “لقد بدأت أعتقد جازماً أن مستقبل سلامنا وعدالتنا وتجانسنا في هذا الكوكب لن يكون رهناً بحكومة عالمية؛ بل بوحي كوني وحكومة كونية، بمعنى أننا نحتاج إلى تطبيق قوانين طبيعية تطورية استلهاميه كونية،

إن معظم هذه القوانين موجودة في الديانات الكبيرة والنبؤات العظيمة وسيعاد اكتشافها رويداً رويداً عبر المنظمات العالمية”. ويقول: “لن تستطيع قوة بشرية أن تقضي على الأمم المتحدة، لأن الأمم المتحدة ليست مجرد مباني أو أفكار، ليست مخلوقاً من صنع البشر، إن الأمم المتحدة هي نور الهداية القادم من العالي المطلق… إن العالي المطلق سيقرع أجراس انتصاره في الأرض عبر القلب المحب المعِوان للأمم المتحدة”.

وفي برلمان الأديان العالمية الذي عقد في مدينة شيكاغو الأمريكية في الفترة من 28/8 إلى 5/9 1993م، قدم هانز كنج Hans Küng ورقة بعنوان (نحو عقيدة عالمية: إعلان مبدئي)، تحولت هذه الورقة إلى كتاب صدر عام 1991م بعنوان (المسؤوليات الكونية: البحث عن عقيدة عالمية)، ذكر فيه كنج أن التحول نحو هذه العقيدة لن يكون اختيارياً، قائلاً: “دعونا نقولها بصراحة: لا بقاء لأي عقيدة رجعية كبتية –سواء كانت المسيحية أو الإسلام أو اليهودية أو نحوها- في المستقبل، إذا كان المقصود من العقائد هو ازدهار الجميع فيجب أن لا تُقسَّم، إن رجل ما بعد الحداثة وامرأة ما بعد الحداثة يحتاجان إلى قيم وأهداف وقدوات وتصورات مشتركة، والسؤال مثار الخلاف هو ألا تفرض هذه الأشياء عقيدة جديدة، إن ما نحتاجه نحن هو نظام عقدي عالمي”.

وبحسب روبرت مولر السابق ذكره فإن “هناك رسماً مشهوراً يُبين المسيح وهو يقرع باب مبنى الأمم المتحدة الضخم العالي يريد أن يدخله”، يقول مولر معقباً: “كثيراً ما أتصور في ذهني رسماً أخر، رسماً أدق وهو أن مبنى الأمم المتحدة هو جسم المسيح نفسه”… “إن الأمر الذي لا مناص منه هو أن الأمم المتحدة عاجلاً أم آجلاً ستأخذ بُعداً روحياً”. لقد استفاضت الأمم المتحدة في طَرق قضايا الحرية الجنسية وأسرفت في الدعوة إلى الإباحية الجنسية، وتفننت في تسميتها بغير اسمها، فظهرت مصطلحات مثل: الجندر، حقوق المثليين، الثقافة الجنسية، الصحة الإنجابية، ونحو ذلك، من المصطلحات التي تدعو إلى قبول الشذوذ الجنسي كممارسة مشروعة، تدخل ضمن حقوق الإنسان، وتوفر لممارسيها العناية الطبية والحماية القانونية، تقول الباحثة صباح عبده: أكدت السيدة روبنسون -المفوضة العامة للمرأة- في كلمة لها أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 م هو وثيقة حية. وقد اكتشفت أن هذه الوثيقة – وهذه مفاجأة المفاجآت – تضمنت في ثناياها حماية “حق التوجه الجنسي” أي الحياة المثلية.

وقد التقت هذه المفوضة (ماري روبنسون رئيس جمهورية إيرلندا السابقة) بالحلف الدولي للشواذ وتعهدت خلاله بإعطاء كل تأييدها ودعمها لجهود هذا الحلف الذي يتمتع بالصفة الاستشارية لدى اللجنة الاجتماعية والاقتصادية في الأمم المتحدة، وأعلنت ماري روبنسون عن عزمها تعيين مراقب خاص لمتابعة المسائل المتعلقة بحقوق الشواذ ومنها حق الزواج من نفس الجنس، ومكافحة القوانين المضادة للشذوذ الجنسي، وأكدت تصميمها على حث لجنة حقوق الإنسان للإعلان عن أن كل تفرقة على أساس السلوك الجنسي هي غير قانوني. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل في مؤتمر روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ؛ والذي عقد في عام 1998م، حاول المؤتمرون إصدار توصيات مُلزمة على المستوى الدولي بتجريم القوانين التي تعاقب على الشذوذ الجنسي فورد ما معناه أن كل تفرقة أو عقاب على أساس “الجندر” تشكل جريمة ضد الإنسانية

الكيان الصهيوني
تُنَظَّم فعاليّات ما يسمى (أسبوع الفخر Pride month) في الكيان الصهيوني، كجزء من الاستراتيجيّة الأوسع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي أطلق عليها ناشطون فلسطينيون ودوليّون “الغسيل الوردي”، والتي يقوم الاحتلال من خلالها باستغلال ما يُدعى (حقوق) الشواذ وتجاربهم، وذلك لتحقيق أهداف سياسيّة تهدف إلى تجميل صورته أمام العالم والتغطية على جرائمه البشعة بحق الفلسطينيين، وإظهاره كدولة طبيعيّة تقدّميّة ومتحرّرة لا احتلال غاشم، بالإضافة إلى سعي الاحتلال إلى تحقيق أهداف ماديّة تتعلّق بجني أرباح طائلة من سياحة الشواذ.

في عام 2014م، صرّح مستشار بلديّة تل أبيب لشؤون التعدديّة الجنسيّة والجندريّة، يانيف فايتمسن، أنّ كل سائح أجنبي شاذ يزور الكيان الصهيوني، هو سفير يخدم الإنجاز التسويقي الذي جعل تل أبيب من أكثر الدول الصديقة للشواذ في العالم.

فمتابعة بسيطة لاستراتيجيات الترويج الإسرائيلي في الساحة الدوليّة تكشف لنا عن خبث سلطات الاحتلال في استغلال الموضوع لصالحها، من خلال تصوير نفسها كجنّة عدن أو واحة الديمقراطيّة الوحيدة في المنطقة، ما يلهي عن الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها من جهة، ويضعها في مكان النقيض مع المجتمع الفلسطيني “الرجعي والمتخلف” كما يريدون إظهاره، ما يعطيها الحق في احتلاله والتنكيل به من جهة أخرى

لوبي الشواذ
يقوم لوبي الشواذ في أمريكا وأوروبا والغرب عموماً بدور كبير في تطبيع الشذوذ الجنسي، وإرهاب كل من له رأي مخالف، فقد كشف بابا الفاتيكان السابق (بندكت السادس عشر) من قبل عن تعرضه لمحاولة من قبل لوبي “المثليين” في الفاتيكان للتأثير على قراراته، خلال ولايته البابوية. وقدم ثلاثة كرادلة تقريراً مكوناً من 300 صفحة. وكان من المفترض أن يبقى التقرير سرياً، ولكن صحيفة إيطالية يومية شهيرة قالت إنها اطلعت على محتواه، حيث المزيد من التسريبات المحرجة، مع مزاعم عن وجود شبكة عن القساوسة المثليين أصحاب “التأثير غير اللائق” في الفاتيكان

وقد عارض بندكت السادس عشر -ومنذ عمله كرئيس لمجمع العقيدة والإيمان- الشذوذ الجنسي، وكرّس عدة دراسات لحل هذه القضية وموقف الكنيسة منها، أبرزها الوثيقة الموجهة إلى جميع أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في العالم عام 1986، وجد البابا خلالها أن الشذوذ الجنسي يأتي نتيجة أمراض هرمونية أو نفسية، ودعا الأساقفة والكهنة إلى رعاية الشواذ بهدف معالجتهم، الوثيقة قررت أن ميل الشخص نحو المثلية ليس ذنبًا، بل هو أشبه بميل قوي نحو شر أخلاقي جوهري

ولكن بعد انتخابه “بابا” تعرض لضغوط من لوبي الشواذ في أكثر من بلد أوروبي، ولم يعد يصرح بأي تصريح مباشر ضد الشذوذ والشواذ، ومع مراعاته لذلك الأمر هوجم أيضاً، فقد أصدر في 22 ديسمبر 2008م رسالة موجهة إلى الكرادلة والأساقفة أعضاء الكوريّا الرومانية، ميّز فيها بين بعض الممارسات الجنسية التي انحرفت في رأيه عن الدور المركزي للجنس وجوهره المحترم، دون أن يسمي المثلية الجنسية بشكل مباشر، ووجد بندكت أنه على الكنيسة أن تقوم بحماية الإنسان من تدمير نفسه. ولكن مجتمعات المثليين الجنسييين في أوروبا أمثال مجتمع آركي جاي (Arcigay) في إيطاليا ومجتمع إل.إس.في.دي (LSVD) في ألمانيا وجدوا تصريحات بندكت “عنصرية” و”تمييزية” بحقهم

ويطلق لوبي الشواذ مسيرات الفخر Pride parades في كل عام في بلاد كثيرة لتطالب بحقوق الشواذ وتؤكد على حقوقهم، والغاية الأساسيّة للمشاركة في مسيرة الفخر عند الشواذ هي التعبير عن أنفسهم وهويّاتهم الجنسيّة بشكل “حرّ” و”طبيعي”، والبعض يشاركون في مسيرة الفخر “تضامنًا” أو “دعمًا” للشواذ.

ثانياً: الأدوات
الرياضة
وسائلَ إعلام أمريكية قالت إنّ المغرب أخفى عن “الفيفا” أن قانونه يجرّم “المثلية الجنسية”. ويشترط الاتحاد الدولي لكرة القدم على البلدان الراغبة في تنظيم نهائيات كأس العالم أنْ تضمن للجماهير التي ستحضر لمتابعة المونديال حماية من كافة “أنواع التمييز”، بما في ذلك التمييز القائم على الميول الجنسية للأفراد، في اشتره إلى الشواذ.

فمسألة ضمان حرية الشواذ ستشكّل تحدّياً حقيقياً لملف المغرب لاستضافة كأس العالم، باعتبار أن التحالفات والائتلافات الدولية المدافعة عن ما يعدونه “حقوقاً فردية”، ولا سيما منها “المثلية”، هي تحالفات قوية ولها امتدادات في المؤسسات الدولية الكبرى، سواء منها السياسية أو الدبلوماسية أو المالية، ورأيها يؤثر على قرارات الدول ومستقبلها

التعليم والمؤسسات العلمية
إذا جئنا إلى التعليم الحكومي واستخدامه كوسيلة لتطبيع الشذوذ، فهناك نظرية تدعى نظرية النوع، تسعى لإلغاء الفروق الجنسية بين الذكر والأنثى دفعة واحدة، فتشجع على الشذوذ والمثلية بل وتغيير الجنس، وهناك لوبي للمثليين في البرلمان الأوروبي ينتمي إليه ميشيل تيشني، العضو في الحزب الاشتراكي بفرنسا وعضو مؤسس لحركة الشواذ الاشتراكيين، وقد كلفه وزير التربية الوطنية الفرنسية بإعداد تقرير يشجع على إبراز المثلية الجنسية.

وعلى الرغم من كونها مجرد نظرية، إلا أنها تُناقش في البرلمان وتُفرض في المدارس في بلد مثل فرنسا، وتقول هذه النظرية إن الهوية الجنسية ليست أن تكون رجلاً أو امرأة، ولكن بالشعور بكونك رجلا ًأو امرأة بغض النظر عن الجنس البيولوجي، وتفرق النظرية بين الهوية الجنسية والتوجه الجنسي.

مثل قصة “الثعلب جون” التي تُدرس لأطفال الروضة، وهي قصة ثعلب يعيش مع والدتين سحاقيتين، أو قصة “عندي أبوان يتحابان” لطفل يعيش مع أبوين شاذين، وقصة “أبي يلبس التنورة” وفي غلافها صورة الأب وهو يضع (مكياج/ ميك آب)، وقصة “تانجو عنده أبوان”، وهي قصة بِطْريق لديه أبوان شاذان. وقصة “فيلومين يحبني”، وهي قصة طالبتين شاذتين في المدرسة الابتدائية، وقصة “الأميرة التي لا تحب الأمراء”، وقصة “أمي تتزوج”.

وتزور جمعيات الشواذ المدارس في فرنسا للترويج للشذوذ الجنسي لدى الأطفال، وتوجد بعض الفيديوهات التي تُظهر الشواذ وهم يسألون الأطفال بالصف الرابع هل تعتقدون أن الشذوذ غير شرعي؟ فقال الأطفال نعم. وبالطبع يتم إقناعهم بأنه شيء طبيعي ومشروع. وبعد الدرس قال بعض الأطفال: تعلمنا أنه لا ينبغي السخرية من “المثليين”، وأن الرجال “المثليين” عاديون وأنهم مثلنا ولكنهم لا يحبون نفس الجنس

هذا على مستوى المدارس، أما على مستوى الموسوعات العلمية فتُعرّف الموسوعة البريطانية الهوية الجندرية Gender Identity بأنها: “شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية تطابق الخصائص العضوية، لكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره الشخصي بالذكورة أو الأنوثة)”.. وتواصل التعريف بقولها: “إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة -ذكر أو أنثى- بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كُلّما نما الطفل”.

هذا يعني أن الفرد من الذكور إذا تأثر في نشأته بأحد الشواذ جنسياً فإنه قد يميل إلى جنس الذكور لتكوين أسرة بعيداً عن الإناث ليس على أساس عضوي فسيولوجي، وإنما على أساس التطور الاجتماعي لدوره الجنسي والاجتماعي. وكذلك الأمر بالنسبة للفرد من الإناث.

وتواصل الموسوعة البريطانية تعريفها للجندر “كما أنه من الممكن أن تتكون هوية جندرية لاحقة أو ثانوية لتتطور وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية – الذكورة أو الأنوثة – حيث يتم اكتساب أنماط من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة، إذ أن أنماط السلوك الجنسي والغير نمطية منها أيضاً تتطور لاحقاً حتى بين الجنسين”.

تحريف المفاهيم
فبعد أن سيطر لفظ “الشواذ” ومرادفاته ردحاً من الزمن، بات الآن يتهم من يستخدمه بأنه عنصري وحاث على الكراهية، وباتت مصطلحات مثل “المثليين”، هي الواجب استعمالها.

وهناك العديد من التغيرات المفاهيمية التي تفرضها “الجندرة” وتطبيع الشذوذ وتقنينه، ونتناول بعضها فيما يلي:
الأمومة:
تأخذ الأمومة حيزًا كبيرًا عند الجندريين، حيث تقول عالمة الاجتماع سيمون : “إنَّ الأمومة خُرافة، ولا يوجد هناك غريزة للأمومة، وإنما ثقافة المجتمع هي التي تصنع هذه الغريزة؛ ولهذا نجد أنَّ الأمومة تعتبر وظيفةً اجتماعية”، ما ولّد مصطلحًا جديدًا وهو “الصحة الإنجابية”، ويهدف إلى معالجة الإشكاليات الناتجة من وظيفة المرأة بوصفها أمَّا على مستوى الإنجاب، والتي قد تقف عائقًا أمام ممارستها لدَوْرها الجندري المساوي لدور الرجل، ومِن هذه الإشكاليات أيضًا الحملُ والرَّضاعة، وغيرها من الوظائف الفيزيولوجية للمرأة، ومن هنا فلها الأحقية المطلقة في الإجهاض.

شكل الأسرة:
وفقًا لمفهوم الجندر ولكتاب “الأسرة وتحديات المستقبل” من مطبوعات الأمم المتحدة فإنَّ الأسرة يمكن تصنيفها إلى 12 شكلاً ونمطًا، ومنها أُسر الجنس الواحد؛ أي: أُسر الشواذ، وتشمل أيضًا النساء والرجال الذين يعيشون معاً بلا زواج، والنساء اللاتي ينجبن الأطفال سفاحاً، ويحتفظن وينفقن عليهم،

ويطلق على هذا التشكيل اسم الأسرة ذات العائل المنفرد، وتسمى الأم بـ (الأم المعيلة).. وهذا التغير في شكل الأسرة يعني فيما يعنيه ضمن النسق الجندري تغيير الأنماط الوظيفية المعهودة للأب والأم في الأسرة.

حقوق الشواذ:
جاء في التقرير الذي أعدتْه لجنة المرأة التابعة للأمم المتحدة؛ 2004م، اعترافٌ رسميُّ بالشذوذ وحماية حقوق الشواذ، والسعي لقَبولهم مِن قِبل المجتمع، وعَدِّ ذلك تعبيرًا عن المشاعر، ودعمًا لتعليم الممارسة الجنسيَّة بمختلف أشكالها الطبيعيَّة والشاذَّة

الصراع بين الجنسين:
يترتب على مفهوم “الجندر” إشعال العداء بين الجنسين وكأنهما متناقضان ومتنافران كما جاء في أوراق المؤتمر الدولي لتحديات الدراسات النسوية في القرن 21 الذي نظمه مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية في جامعة صنعاء في اليمن، وعليه يُزج بالجنسين في صراع إثبات الذات بشكل فرداني متمحور حولها.

إعادة صياغة اللغة:
وذلك لإثبات ما يمكن تسميته بالتحيز للذكر يمكن ملاحظة الكلمات الآتية في اللغة الإنجليزية والتي تدل على تبعية المرأة للرجل وعدم إمكان وجودها مستقبلاً كإنسان إلا من خلال الرجل: إنسان (Hu-man)، امرأة (Wo-man) ولو حذفت كلمة رجل (man) لضاعت وسائل المرأة من الوجود في اللغة. المشكلة أنه عندما تطرح الأنثوية كلمات مثل “جندر” بدلاً من رجل وامرأة لوصف العلاقة بين الجنسين وكلمة “فمينيزم” (feminism) للتعبير عن حركة النساء فإن الذي تغير ليس للتعبير عن حركة النساء فإن الذي تغير ليس حروفاً وكلمات وإنما مضامين ومعاني وثقافة وفكر.

ملكية المرأة لجسدها:
نادت الحركة النسوية وخصوصاً بعد فترة الستينيات إلى شعار مؤداه أن المرأة تملك جسدها، وهذه الدعوة الخطرة تقتضي أموراً عدة منه: الدعوة للإباحية الجنسية ومن المشكلات التي خلفتها هذه الظاهرة أمهات غير متزوجات وأغلبهن في أعمار المراهقة، ومنها أيضًا التبرج الشديد والتعري.

تسعى المنظمات الدولية بدأب لفرض رؤيتها المتعلق بالمصطلح في أوساط المؤسسات النسوية العربية رغم أن المجتمع العربي حمّال أنساق اجتماعية وثقافية وحضارية مختلفة عمّا هي عليه في البيئة الحاضنة للمصطلح والمتبنية لرؤاه، واستشراء المفهوم في نسيج المجتمع العربي وداخل المنظمات العربية النسوية وغيرها دون وعي يشكل تهديدًا حقيقيًّا لنسيج المجتمع العربي الذي يعتمد الأسرة بشكلها الأوحد ووظائف أفرادها الفطرية نواةً متماسكة حاملة له مما ينذر إلى جانب مخاطر تفكيك الأسرة التي تعدّ من آخر الحصون التي يتفاخر بها المسلمون على الغربيّين بإحداث هوَّةٍ خطيرةٍ بين الجنسين لتقوم العلاقات بينهما على التناقض والتّصادم بدلًا من التّكامل من خلال فهم كلّ جنسٍ خصائصه وقدراته ومهامه.

الإعلام والفن
وهما أكبر وأقوى وسائل التطبيع في المجتمعات، في الغرب ظهر الشذوذ تدريجياً في وسائل الإعلام والأفلام والمسلسلات بشكل عائم ومن خلال إظهاره كأسلوب حياة طبيعي مثله مثل الزواج، وبين فترة وأخرى تدخل حركات الشواذ في المحافل العالمية سواء رجال أو نساء. ثم بعد فترة بدأ إظهار الشذوذ بشكل أوضح، واعترف مجموعة من المشاهير العالميين بشذوذهم، وأُبرِزوا بشكل متزايد.

فللفن في الغرب دور كبير في الترويج للشذوذ الجنسي ودفع الناس إلى تقبله، مصوراً حالات الشذوذ الخاصة التي ينتقيها من المجتمع على أنها حالات عامة، وعلى أنها أمور طبيعية، لا تتعدى كونها حباً كأي حب بين الجنسين، وأن الشواذ مضطهدون مجتمعياً مع مؤثرات تجعل المشاهد متعاطفاً مع الممثل الشاذ أو الممثلة الشاذة.

وإذا جئنا إلى الأغنية باعتبارها أداة فنية مؤثرة، نجد أغنية عربية بعنوان “ما بتغيّرني”، يقول الموقع الإلكتروني “القوس” الذي يدعو إلى التضامن مع الشواذ في فلسطين المحتلة: “تقدّم الأغنيّة دعوة للمواجهة والتحدّي؛ مواجهة كل ما يدفعنا إلى الخوف والعزلة، والعنف المستمرّ الناجم عن تجاربنا الكويريّة أو المثليّة”، وأصدر نفس الموقع أيضاً أغنية “القصة هي هي” التي تجسد معاناة فتاتين في علاقتهما الشاذة، والنقد الذي تتعرضان له في المجتمع وعلى صعيد مجتمعاتنا العربية، ظهرت عدة أعمال فنية تتناول الشذوذ بصورة مبتذلة وما بدا أنه تطبيع للشذوذ، وتعتبر شخصية الشاذ في السينما المصرية من أكثر الأدوار التي شهدت جدلاً نقدياً و جماهرياً نظراً لحساسية تلك الأدوار؛ ففي البداية ارتبطت شخصية “الشاذ” بما كان يسمى (صبي العالمة أو رفيق الراقصة) الذي يتحدث بغنج ومياعة ويتمايل بأنوثة واضحة. وأصبح لفظ (صبي العالمة) يرتبط بغياب الرجولة، وقد تجلّت الشخصية بهذا النمط عندما قدمها الفنان فاروق فلوكس في فيلم “ضرب الهوى” للمخرج حسام الدين مصطفى، حيث جسّد الشخصية بطريقة جريئة، ومن أشهر الشخصيات شخصية “لوسي” في فيلم (إشاعة حب)، والتي جسدها جمال رمسيس.

وفي عام ١٩٧٣ قدّم المخرج صلاح أبو سيف فيلم “حمام الملاطيلي” بطولة الفنان يوسف شعبان، ليكون أول دور واضح للشاذ في السينما، وجسّد الفنان يوسف شعبان دور الفنان التشكيلي رؤوف ليوضّح المخرج أن الشذوذ الجنسي هو مرض نفسي. وفي عام ١٩٧٧، قدّم الفنان نور الشريف والمخرج سمير سيف فيلم ”قطة على نار” المأخوذ عن المسرحية ” قطة علي صفيح ساخن ” للكاتب تنسيمي وليامز، حيث قدّم الممثل اللبناني شوقي متّى دور صديق نور الشريف الشاذ والذي انتحر بعد أن اكتشفت زوجة شذوذه. كان موضوع الفيلم الرئيسي هو التعاطف والتسامح مع تلك الفئة من الناس.

وفي عام ١٩٧٩ قدّم المخرج يوسف شاهين في فيلم “إسكندرية ليه” شخصية عادل بيك الأرستقراطي الذي يعاني من نوع غريب من الشذوذ، حيث كان يصطاد جنود الاحتلال ليغتصبهم ويقتلهم، إلا أنّه يقع في حبّ أحد جنود الإنجليز، وينتهي به الأمر بزيارة قبره في مقبرة الجنود بمدينة العالمين. وقد جسّد الشخصية الممثل أحمد محرز.

ويعود “يوسف شاهين” عام 1985 ليقدم دور الشاذ في فيلم ” وداعاً بونابرت ” مع ممثل فرنسي ميشسيل بيكولي؛ حيث لعب دور كفاليري قائد الحملة الذي يقع في حب شباب مصريين. وفي عام ١٩٩٣ قدم المخرج يسري نصر الله دور الشاذ في فيلم ”مرسيدس” بطولة باسم سمرة الذي يموت فداء لحبيبه الممثل مجدي كامل، حيث قدّم الفنان مجدي دور الشاب الغني الذي ترك والده ليعيش مع صديقه باسم سمرة. وأيضا قدم فيلم ”رومانتيكيا” للمخرج زكي فطين عبد الوهاب شخصية الشاذ؛ حيث يأتي أحد الأجانب ليوهم أحد الشباب بالتمثيل في هوليود. ثم فيلم “عمارة يعقوبيان” الذي قدم فيه الفنان خالد الصاوي دور الصحافي حاتم رشيد رئيس تحرير الجريدة المصرية

وسائل المواجهة
الاهتمام بتبيين خطر الشذوذ الجنسي على البلدان والمجتمعات، خاصة في المجتمعات الإسلامية العربية وغيرها من المجتمعات التي لا تزال لا يُمنع فيها التحذير من الشذوذ ولا تُجرم الدعوة إلى القضاء عليه. ذلك الاهتمام يكون على مستوى المدرسة والمسجد والجامعة ووسائل الإعلام سواء المرئي أو المقروء أو وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا مفيدٌ لمجتمعاتنا وأيضاً للمسلمين في أمريكا وأوروبا وأستراليا وسائر البلاد التي لا تسمح بالتحذير من هذا الخطر المحدق.

ترجمة المواد التي تبين خطر هذا الأمر إلى اللغات الأخرى، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الأوروبية، وتستوي في ذلك الكتب والمطويات الصغيرة والمقاطع المرئية والأفلام الوثائقية وغير ذلك من الوسائل.

على مستوى البناء، تربية النشء والمجتمع على القيم الإسلامية، بصفتها القيم الوحيدة القادرة على حماية الإنسانية، في ظل انفلات قيمي واسع في شتى بلدان العالم من شأنه أن يوصلها إلى الهاوية بسبب اتباع التشريعات الأرضية القائمة على أهواء بشرية مختلفة ومتجددة، بعكس القيم الإسلامية الثابتة المبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتي تحافظ على الفرد والأسرة والمجتمع، وتضع ضوابط للحرية تكفل منع الضرر “لا ضرر ولا ضرار”، وتتعامل بشكل حاسم مع كل ما يأتي على النسل وبقاء الإنسان بالتهديد، وتضع حداً لشهوات الإنسان كي لا تؤدي إلى هلاكه وكي لا تصرفه عن الغايات الكبرى الدينية والدنيوية.

الردود المتخصصة والمتتابعة على الليبراليين وغيرهم من العلمانيين، الذين يدعون من وقت إلى آخر إلى إباحة الشذوذ الجنسي وحماية ما يسمى حقوق المثليين، والتحذير من منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام التي تتبنى هذه الدعوات تحت مسمى حقوق الإنسان والحرية والتقدمية والديمقراطية، وغير ذلك من الشعارات البراقة.

ففي مصر على سبيل المثال توجد عدة منظمات تنشط في هذا المجال، كمركز القاهرة لحقوق الإنسان، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز عدالة للحقوق والحريات، ونظرة للدراسات النسوية، وغيرها من المنظمات. ومن وسائل الإعلام الناشطة في دعم الشذوذ صحيفة “مدى مصر” الرقمية، والتي نشرت مقالة لإحدى أيقونات الشذوذ الجنسي مؤخراً وهي تستعرض المصاعب التي تحدث للشواذ في المجتمع المصري، وغيرها من المقالات والتقارير.

حث البرلمانيين في الدول الإسلامية على التقدم بمشاريع قوانين تحاصر الشذوذ الجنسي بمنع كل ما يشجع عليه أو يدعو إلى إباحته أو يناصر ما يسمى حقوق المثليين، سواء كان الداعي منظمات مجتمع مدني أو مواقع إلكترونية أو صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أو غير ذلك، مع حملة موازية لبيان مفهوم الحرية الصحيح من وجهة النظر الإسلامية،

فلا يوجد عاقل يقول بأن الإنسان حر يفعل ما يشاء حتى لو عاد بالضرر على الغير، فالجميع متفق على تجريم القتل والسرقة مثلاً لأنها تضر الآخرين، ولم يقل أحد إن هذا ضد الحرية، وكذلك الشذوذ الجنسي يؤدي إلى تدمير المجتمع، إضافة إلى تحريمه بصورة قطعية في الشريعة الإسلامية وجميع الشرائع الأخرى.

استقرت أغلب الحكومات الغربية على تقنين الشذوذ الجنسي وفرض احترام فاعليه، وإدراج أي إنكار له أو تنديد به، تحت بند جرائم الكراهية والتمييز. وهذا التحويل لأمر شاذ أو استثنائي وجعله طبيعياً وحقاً مشروعاً ومعاقبة منكريه يؤثر بصورة سلبية وكارثية على مفاهيم كثيرة تتعلق بهذا الشأن، كمفهوم الزواج والأسرة والأمومة، ويعد أيضاً فرضاً بالقوة لرأي أقلية على أغلبية الشعوب المختلفة.

وما استعرضناه يظهر مدى خطورة الشذوذ الجنسي وتقنين أوضاع الشواذ على النسل البشري وبقاء الإنسان، مما يستدعي مواجهة ذلك بالوسائل المختلفة.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية برسم أولويات التربية الصحيحة ليسير عليها الوالدان لتحصين أفراد الأسرة ضد الآفات العقدية والاجتماعية بكل أشكالها ومستجداتها، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.صدق الله العظيم )

لذلك يجب على الأسرة ما يأتي:
أولاً: غرس الرقابة الذاتية لله لدى الأولاد فيكون الفعل والترك من أجل الله، كما يجب غرس القيم والأخلاق، ونشر الوعي لديهم بما يحاك ضدهم من الخطط لإفسادهم سواء بسلخهم من دينهم أو بنشر الفكر التكفيري ليمرقوا من دينهم مروق السهم من الرمية وهم يظنون أنهم على حق.

ثانياً: تنبيه الأولاد على عدم إعطاء معلوماتهم الشخصية كالعنوان والصور ورقم الهاتف واسم المدرسة وعنوانها واسم الوالدين لأي شخص على شبكة الإنترنت، كما يجب على الوالدين معرفة أصدقاء أبنائهم في وسائل التواصل وتحذيرهم من التعامل مع المعرفات المجهولة.

ثالثاً: تنظيم استخدام الأولاد للإنترنت بحيث لا يطغى على الواجبات والاحتياجات الشخصية الأخرى. رابعاً: تشجيع الأولاد على التحدث عن مشاهداتهم في وسائل الاتصال سواء كانت إيجابية، أو سلبية.

خامساً: مراقبة الأجهزة الخاصة بالأطفال بين الحين والآخر، مع تعليمهم الاستخدام الصحيح بالتطبيق المباشر، والدخول على المواقع الجيدة، وعدم التعويل على البرمجيات الخاصة بالحماية.

سادساً: تعليم الأولاد ثقافة وآداب استخدام شبكة التواصل، والتحلي بالآداب والقيم الاجتماعية في التعامل مع الآخرين، والابتعاد عن الألفاظ المسيئة والذم والسباب.

أن وسائل التواصل المختلفة المرئية والمسموعة حالها كحال بقية وسائل الحياة، تجد فيها النافع والضار، والذي يُفترض حصوله ألا تترك تلك القنوات بين يدي الأبناء والصغار دون توجيه ومتابعة لتقنين ما تقدمه لهم ويشاهدونه عبرها.. فالأبناء يشكلون حلقة ضمن حلقات تتابع الأجيال التي يقوم عليها عماد الأمة وتتقدم بهم الأوطان،

ولابد أن تكون تلك الحلقات المتصلة قوية بحيث لا يمكن تفكيكها أو العبث بها لئلا يختل توازن المجتمع والوطن. نعم تترك لهم حرية متابعة ومشاهدة مختلف المواضيع بشرطين: أولهما أن تمنع عنهم المواد الإعلامية الفاسدة التي تدعو إلى التفرقة أو الثورة أو هدم الأوطان،

والشرط الثاني: يمكن لهم أن يشاهدوا بعض المواد الإعلامية في ظل توفر من يفسرها لهم ويعطيهم الغاية من مشاهدتها كبعض برامج التثقيف الجنسي، فلا حياء في الدين، والناشئ بحاجة ماسة لمن يأخذ بيده بتؤدة واحترام لعقله وتفكيره والصبر على أسئلته ومحاولة الإجابة عليها بالشكل الصحيح أو توجيهه للقنوات التي يمكنها فعل ذلك، والمهم ألا ينشغل المربون بإصلاح الدار وترك أهل الدار.. فالمعرفة حق لكل بشر، صغيراً كان أم كبيراً، وللصغير حق رعايته ومتابعته لئلا تتسلط عليه بعض القنوات بأفكار لا تُحمد عقباها، ونسأل العلي القدير أن يحفظ شبابنا وبناتنا وصغارنا، فإن غابت عنهم أعيننا فعين الله باقية عليهم لا تغيب بكل زمان ومكان.

أن الواجب علينا استشعار عظم الأمانة في تربية الأولاد، وأن نقوم بالمسؤولية تجاه تربيتهم والعناية في توجيههم، وأن لا يقتصر دور الوالدين في توفير المأكل والملبس والمسكن، فالغذاء الروحي أهم من الغذاء البدني، والأبناء بحاجة مستمرة إلى توجيه الآباء وإرشادهم لما فيه الخير لهم، كما قال نبي الله نوح عليه السلام لما ركب في السفينة هو ومن ومعه وحاد ابنه ولم يركب معه: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ}، فالرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته.

وهذه المسؤولية لا تقف على الأب والأم لكون الأبناء يتلقون التوجيهات من وسائل متنوعة في البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. وزمننا هذا يعيش أولادنا طفرة كبيرة في عالم الإنترنت والقنوات الفضائية وتكنولوجيا الاتصال الحديثة

، الأمر الذي فتح الباب أمامهم دون رقابة، ومع غياب الوعي المجتمعي لمخاطر بعض القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي وتأثيراتها العقدية والفكرية والأمنية والاجتماعية والصحية، لذلك لابد أن يكون للأسرة دور كبير في توعية البنين والبنات،

وأن تدرك المخاطر التي يتعرضون لها في وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تعمل الأسرة على إشاعة ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت، وتأخذ دورها الإيجابي في المواجهة الجادة للمواد الإعلامية السلبية في المواقع الإلكترونية من قنوات وألعاب وترفيه قد تحيد الأبناء عن الطريق الصحيح ويكونون أداة للأعداء في زعزعة الأمن وتلقي الأفكار المنحرفة والسلوكيات الشاذة، خاصة أن الإقبال متزايد للأطفال والمراهقين على ملازمة مواقع التواصل الاجتماعي.

من أهم ما يجب على الأسرة تجاه أولادها أن تزرع فيهم الوازع الديني، والاعتزاز بوطنهم، والطاعة لولاة أمرهم، والغيرة على مجتمعهم، وتثقيفهم بالأولويات في حياتهم وبالوقت المناسب لاستخدام المواقع والألعاب الإلكترونية والقنوات الفضائية حسب المراحل العمرية لأولادهم، والحرص على عدم استخدام هذه التقنية في الغرف المغلقة، مع التأكيد على أهمية تحاور القدوات في الأسرة مع أولادهم عن التقنية الحديثة، وإعطائهم التوجيهات المناسبة لمواجهة السلوكيات السلبية،

وضرورة متابعة الأسرة للبرامج الجديدة والحديثة ومواكبة اهتمامات الشباب التنية سواء في الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم إشعارهم بالوصاية عليهم أو منعهم من استخدام التقنية، فلابد من وجود الثقة فيهم مع القيام بتوجيههم والرقابة على مخرجات سلوكياتهم الفكرية والاجتماعية والصحية.

أن الأسرة هي لبنة المجتمع، وهي الداعم الأساس لصلاح المجتمعات ومنها يتخرج الأبناء ويتأثرون بالقدوة الصالحة من الوالدين والإخوان الذين يكبرونهم. وفي عصرنا الحاضر اقتحمت القنوات الفضائية وأجهزة التواصل الاجتماعي حياة الأبناء فأصبحوا أسارى لها يقضون معظم أوقاتهم معها، ولا شك أن لها سلبيات كثيرة ومخاطر عظيمة.

والواجب على الأسرة حسن التوجيه والرعاية والمتابعة بالإرشاد تارة والنصح أخرى والأخذ على اليد نحو البديل الأمثل حتى يقتنع الابن بمليء وقته بما يعود بالنفع والفائدة، وبهذا يصبح لديه مناعة ذاتية ودافع نحو الوجهة الصحيحة التي يمليه عليه دينه، فبذلك يتكون لدى الأبناء حصانة ثقافية نابعة من الذات مع استمرار الأسرة بالمتابعة والتوجيه.

عما كانت فيه الأسر تتفاخر بحسن تربيتها لأطفالها وأنهم لا يعرفون الشوارع لتحاشي اختلاطهم بالغرباء ورفاق السوء، أما الآن فقد أصبحت كل الشوارع والغرباء تدخل رغماً عنا غرف نوم أطفالنا وبناتنا عبر التطور الهائل لوسائل التواصل والقنوات الفضائية بل والألعاب الإلكترونية كذلك،

وقد تزامن ذلك مع سيطرة عاطفة المرأة والطفل على الأسرة، ودفع الأب للاستجابة لضغوطاتهم العاطفية وإلحاحهم عليه ليوفر لأطفاله تلك الأجهزة الشريرة والخبيثة والتي أطلقوا عليها جزافاً لقب (الذكية) لزيادة تسويقها متناسين ما تحويه من شرور ومضار عديدة تهدد وقته وصحته وعقله، وسجلات المستشفيات التي تستقبل يومياً حالات عديدة من الأطفال الذين يعانون من حالات تشنج وصرع ومشكلات نفسية عديدة، بل دفعت بعض الحالات إلى الانتحار والقتل خير شاهد على تفاقم هذه الظاهرة.

وعليه فلم يعد أمام أفراد الأسرة إلا المكاشفة ومشاركة الأطفال أنفسهم خطورة التواصل مع الغرباء ودخول المواقع المشبوهة والتوصل إلى الاتفاق على ميثاق تربوي يحترمه الجميع ومن يخالفه تطبق عليه مجموعة مخالفات وعقوبات، ومن أهمها الحرمان من استخدام تلك الجهاز أيامًا عدة، ومن تلك البنود المقترحة: عدم تجاوز فترة استخدام تلك الأجهزة والألعاب 2-3 ساعة متقطعة، وبعد الانتهاء من تأدية الواجبات المدرسية وبعطلة نهاية الأسبوع فقط، وتخصيص وقت يومي للرياضات الجسمية للمحافظة على صحته، ومنع دخول تلك الأجهزة لغرف النوم بل يُكتفى باستعمالها بصالة المنزل

وتحت نظر الجميع ليسهل على الوالدين مراقبة ما يجري بالغرف المغلقة، واستخدام التطبيقات الآمنة والتي تحول دون دخول أبنائهم المواقع الإباحية والضارة، ومراقبة أي تغيير في سلوكيات أطفالهم النفسية، واستشارة المختصين عند ملاحظة أي تغير مفاجئ أولاً بأول قبل تفاقم المشكلة.

إلى غير ذلك من البنود التي تحد من أضرار هذه الظاهرة الخطيرة، كما لا ننسى أهمية أن تمارس وسائل الإعلام المحلية والمدارس والمسجد واجباتهم الشرعية والاجتماعية والوطنية بإنتاج البرامج المشوقة لتوعية وجذب الأطفال وشغل أوقات فراغهم بطرق مبتكرة وبرامج وألعاب بديلة. جنَّب الله بلادنا ومجتمعنا وأطفالنا وشبابنا كل شر وأذى.

إن وسائل الإعلام ووسائل التواصل (الاجتماعي) سميت هكذا مجازًا، والأصل أن تسمى وسائل التواصل الإعلامي، هذه الوسائل متاحة للجميع الجاهل والمتجاهل والهادف والمستهدف، أصبحت الدنيا كلها وللأسف أكثرها الغث والغثيث في متناول اليد الواحدة ترى بعين واحدة وتميز بفعل واحد، ومعظم المهتمين هم جيل ما بين أعمار الطفولة والشباب، وهذه الفئة لا تزال تتشكل بدنيًا وذهنيًا، وهذه الوسائل تؤثر تأثيرًا مباشرًا في هذا البناء والتشكُل،

لذا وجب علينا الابتعاد عن النصح المباشر والتحذير المطلق، والاستعانة بملكات الحوار وسماع كل رأي والتحاور البناء الذي منه نستخلص الأبناء من هذه الفتنة، يجب أن نوصل لهم إحساس أننا نتلقى منهم ونتلاقى معهم في أمور تحاورنا بها، وعلينا الابتعاد عن إسباغ صفة العيب فلا مكان لها، ولنستبدلها بالمثالية والأخلاق الجميلة المهذبة الحميدة الذائقة لكل رفيع، ولتبتعد عن تحقير الغير

، ولنستعيض ذلك بالفخر والاعتزاز بالذات، ولنبتعد عن إظهار سلبياتنا أو سلبيات الغير، ووضع هالة كبيرة حولها ولتبقى شرارة صغيرة ما تلبث أن تطفأ بدلاً من نفخها وبسرعة تستطير وتصبح نار تهشم، ولنبتعد عن التوبيخ وجلد الذات في معاملتنا مع الأبناء.

الأسرة يقع على كاهلها دور كبير في توعية أبنائها وتحذيرهم من القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن الضرر الذي تتسبب فيه هذه المواقع على معتقداتنا، وتشويش لأفكار أبنائنا وسلبهم حريتهم باتخاذ قرراتهم؛ مما أوجد لدينا جيلاً تابعًا لكل ما يعرض أمامه، جيل معظمهم للأسف يقلد كل ما يراه، مسلوب هويته،

أغلبيتهم مثل بعض لا طموح ولا تفكير بالمستقبل، وقل نشاطهم البدني وأصبحت ثقافتهم وحدة، أصبحت لعبة تتحكم في حياتهم مما جعلنا قلقين على أولادنا وأحفادنا. وأتمنى أن ننشر الوعي بينهم ليكون لكل منهم هويته الخاصة به.

يوجد دور سلبي للأسرة، لأن الأسرة بجميع أفرادها انشغلت بالقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي ولم يعد هناك مفر.

أن القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي سبب رئيس في تغيير النسيج الاجتماعي وأخلاقيات المجتمع، وأفراد الأسرة لم نعد نستطيع السيطرة على بعض السلوكيات، ولم نعد نشعر بألفة الأسرة الواحدة، وأصبحنا مشغولين بأجهزة التواصل وكأنها المحيط الذي نعيش فيه حتى في المجالس الكل مشغول عن الآخر، فقدنا لذة الحوار الأسري والمجتمعي.

إذًا إلى أين نتجه؟ وما هو مصير العلاقات في الأسرة والمجتمع؟ لا أجد حلاً سوى توعيه الأبناء والنصح والشفافية في الطرح عن بعض المواضيع التي كنا نخاف ونستحي من الخوض فيها ومشاركة المعلومة مع الجهات التعليمية ومتابعة سلوك الأبناء في المنزل والمدرسة، وزرع القيم الإسلامية الصحيحة والمعتدلة بالقدوة في المنزل أولاً؛ ثم المحيط المجتمعي كسلوك.

أن وسائل التواصل الاجتماعي تحتل أهمية في حياتنا وحياة أبنائنا ولا يمكن انكارها، ولكن السؤال كيف يمكن أن يكون دوري كأب أو أم في توعية أبنائي نحو هذه الإسقاطات بمختلف أشكالها في مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى فقير وغيره، فضلاً عن كثافة استخدام اليوتيوب، والتطبيقات بمختلف أنواعها،

ومن هنا علينا البحث عن هوايات الأبناء ما مواهبهم؛ وما الأشياء التي يحبونها. وعند إذن نحاول أن نساعدهم في اختيار ما يشاهدونه مع تعزيز اختيارهم، وزرع الثقة بينك وبين ابنك، فمثلاً إذا مررت بأي معلومات، تجعلني أشعر بعدم الارتياح أو أشعر بالريبة يجب أن اتجاهلها.

دور الدولة في حماية القيم والاخلاق
تلعب الأخلاق دوراً أساسياً في تنمية الشعور الجماعي بالآخرين، وفي تنظيم العلاقات بين الأفراد، الأمر الذي يقوّي أواصر المجتمع، ويزيد من ألفته، ومن تعاونه، وتماسكه، وبالتالي قوّته. تنمية الإرادة تلعب الأخلاق دوراً في تنمية الإرادة، ووضع حدود للشهوات،

الأمر الذي يدفع الأشخاص لإشباعها بالطرق الصحيحة والشرعية، وبالتالي كبح جماح النزوات. إنشاء وحدة قيمية للأفراد تعتبر الأخلاق الدستور المثالي الذي يتم تقييم الأفعال والتصرفات بناءً عليه، علماً أنّ كل ما يتفق مع التصرفات هو حسن ومحترم وخيّر، وكل ما يخالفها فهو شر ومحتقر وسيئ، الأمر الذي يوحّد هذه القيم لدى أفراد المجتمع.

ويمكن حصر التأثيرات السلبية لهذه المواقع في مجموعة النقاط التالية:
– بث الأفكار الهدامة والدعوات المنحرفة والتجمعات الفاسدة: وهذا البث مما يحدث خللًا أمنيًا وفكريًا، وخاصة أن أكثر رواد الشبكات الاجتماعية من الشباب مما يسهل إغراؤهم وإغواؤهم بدعوات لا تحمل من الإصلاح شيئًا بل هي للهدم والتدمير، وقد تكون وراء ذلك منظمات وتجمعات، بل ودول لها أهداف تخريبية.

– عرض المواد الإباحية والفاضحة والخادشة للحياء: لقد ذكرت وزارة العدل الأمريكية في دراسة لها أن تجارة الدعارة والإباحية تجارة رائجة جدًا يبلغ رأسمالها ثمانية مليارات دولار ولها أواصر وثيقة تربطها بالجريمة المنظمة.

وتشمل تجارة الدعارة وسائل عديدة كالكتب والمجلات وأشرطة الفيديو والقنوات الفضائية الإباحية والإنترنت. وتفيد إحصاءات المباحث الفيدرالية الأمريكية (FBI) أن تجارة الدعارة هي ثالث أكبر مصدر دخل للجريمة المنظمة بعد المخدرات والقمار.

– التشهير والفضيحة والمضايقة والتحايل والابتزاز والتزوير: وهي أخلاقية تظهر على الشبكة بشكل عام لسهولة التدوين والتخفي، وهي أخلاقيات لا تحتاج بالضرورة إلى معرفة تامة بالبرمجة والبرمجيات، ولا تستند في الغالب العام إلى مستند شرعي حقيقي، فلا يحتاج صاحبها للتدليل أو التعليل أو الإثبات، كل هذا تقابله أنظمة وقوانين لا تملك الرد الرادع لمثل هذه التصرفات.

والابتزاز قد يكون أخلاقيًا بصور أو مقاطع فيديو خاصة أو أخذت كرهًا وغصبًا وهي من أكثر صور الابتزاز على الشبكات الاجتماعية، وقد يكون ماليًا من قبل أشخاص أو من قبل عاملين في مؤسسة أو شركة خاصة عند ترك العمل أو الفصل ، فقد تكون بحوزته معلومات فيساوم صاحب المؤسسة أو الشركة على تلك المعلومات.

والتزوير من أكثر جرائم نظم المعلومات انتشارًا على الإطلاق، ويتم التزوير في صور شتى منها على سبيل المثال إدخال بيانات خاطئة أو التعديل البيانات الموجودة، ومن صورها على الشبكات الاجتماعية تزوير البيانات الخاصة للشخص مثلا الجنس أو العمر أو وضع صورة مخالفة للواقع.

– انتهاك الحقوق الخاصة والعامة :الخصوصية الشخصية الخاصة أو الخصوصية الاعتبارية للمواقع من الحقوق المحفوظة، والتي يعتبر الاعتداء عليها جرمًا يستحق صاحبها العقاب والتجريم، وقد أدى انتشار الشبكة وخاصة الاجتماعية بما تحمله من خصوصية اجتماعية للشخص والمواقع إلى سهولة هتك ستار الحقوق والتلاعب بها إما بالتعطيل أو التغيير أو بالاستغلال السلبي لها ولمعلوماتها.

ويتم انتهاك الخصوصية من خلال عدة طرق، منها انتحال الشخصية الخاصة للأفراد أو الاعتبارية للمواقع والشركات، فلكل شخصية فردية واعتبارية حقوقها المحفوظة، وخاصة للشخصيات المهمة والمتميزة وأصحاب الرئاسات الكبرى، وكذلك الحال مع المواقع الشهيرة والمتميزة، استغلالًا للنفوذ والشهرة والثقة الاعتبارية لكثير من الشخصيات والمواقع

ومن هنا أثار موضوع الشبكات الاجتماعية عديدًا من المفاهيم والقضايا الخلافية حول أخلاقيات الشبكات الاجتماعية والجهة المنوطة بذلك إذا تم الاتفاق على مفهوم الأخلاقيات، وتم وضع أطر ومعايير حاكمة لها، وهنا يثور التساؤل حول من سيملك صلاحية التطبيق لتلك المعايير : هل لجهة منظمة أم للمؤسسات السياسية أم لمطوّري برامج الشبكات الاجتماعية أنفسهم؟ وكيف يمكن أن نجعل كلمة المعايير مفهومة ومتاحة لجماعات مختلفة من المستخدمين ذوي اهتمامات وخلفيات ومرجعيات وتوجهات مختلفة ؟ وما القوة المحركة التي تدفعهم للالتزام بها ؟ وما الذي يجبرهم على الاستمرار في الالتزام إن لم يلتزم الطرف الأخر في المقابل؟

فالنظرة العابرة لمواقع الشبكات الاجتماعية في مصر، على سبيل المثال، بل وفي بعض الدول العربية تكشف عن حجم المأساة والتدني الأخلاقي الذي شهدته مختلف الشبكات بعد اندلاع ما يُطلق عليه ثورات الربيع العربي – سواء عبر الفيس بوك أو توتير – كانعكاس للوضع السياسي والاجتماعي بعد الثورة

أن العدالة هي من حقوق المجتمع وواجباته في الوقت نفسه، والتي لا يجوز التخلي عنها للأفراد، ليقوم كل منهم بفرض عدالته الخاصة. ولذلك فليس لأحد أن ينتزع هذا الحق المجتمعي لنفسه تحت أي غطاء أو ادعاء. فمثل هذه الدعاوى قد تبدأ بدافع الحرص على الفضيلة أو القيم العليا، ولكنها تنتهى إلى تعريض المجتمع إلى الفوضى وانعدام «العدالة» نفسها.

أن «العدالة» في مضمونها الاجتماعي والوضعي هي احترام القوانين حيث يصبح تحقيق «العدالة» بهذا المعنى هو المسؤولية الأساسية للدولة ومبرر وجودها. ولا تملك الدولة التنازل لبعض الأفراد عن هذا الحق، بتركهم يقومون ـ دون تفويض قانونى ـ بتنفيذ «عدالتهم الخاصة».

فالقانون التعبير العملي لمفهوم العدالة المعاصر. وإذا تصادف أن كان القانون القائم غير معبر عن العدالة كما هو في ضمير الجماعة، فإن الطريق إلى الإصلاح هو تعديل أو تغيير هذا القانون وليس الخروج عليه. فما هو دور الأخلاق في المجتمع، وهل يكفى القانون وحده لحماية المجتمعات وتقدمها، أم أن للأخلاق دوراً مكملاً وضرورياً؟ وما هي الفواصل والحدود بين الأمرين؟ وهل هناك مصلحة في تطابق القانون مع الأخلاق، أم أنه مع ضرورة مراعاة القانون للضوابط الأخلاقية، فمن المصلحة أن يظل للأخلاق مجال مستقل إلى جانب القانون؟ كل هذه أسئلة مهمة تستحق الاهتمام.

درسنا في كلية الحقوق العلاقة بين القانون والأخلاق كإحدى القضايا الأساسية لفهم معنى القانون. فالعلاقة بين الأمرين وثيقة ومركبة. وربما ولد مفهوم القانون نفسه من رحم الأخلاق، وذلك قبل أن يتطور ويكتسب لنفسه بعض الاستقلال وإن ظل وثيق الصلة بالأخلاق.

فلا يمكن أن يكون القانون غير أخلاقي أو معادياً للأخلاق أو داعياً للرذيلة، وإن كان يمكن أن يكون محايداً ومنظماً لعلاقات اجتماعية لا صلة لها بالأخلاق. كذلك فإن القانون لا يعمل وحده في المجتمع وإنما هناك الأخلاق إلى جانبه، ولكل منها مجال. كيف؟

يهدف كل من القانون والأخلاق إلى وضع ضوابط على السلوك الاجتماعي للأفراد وذلك بضمان عدم تعريض حقوق ومصالح ومشاعر الآخرين للإيذاء أو الإضرار. وإذا كانت «الأخلاق» مثالية الهدف، فإن «القانون» واقعى النزعة، يبحث عن تحقيق الممكن وليس بالضرورة المثالي. والفارق بين القانون والأخلاق ـ كما انتهى إليه التطور التاريخي للمجتمعات ـ هو أن مخالفة القانون تتضمن توقيع جزاء مادى على المخالف من جانب الدولة أو السلطة، في حين أن مخالفة قواعد الأخلاق تستند إلى جزاء معنوي في شكل ازدراء المجتمع مع ما يترتب عليه من شعور بالخزي والعار لدى الفاعل إزاء نفسه وفى مواجهة أفراد المجتمع من الأسرة أو القبيلة أو الحى والأصدقاء والمعارف.

كذلك فإنه نظراً لأن القانون يطبق من جانب السلطة، فإنه لا يتعرض ـ عادة ـ للنوايا والأحاسيس الداخلية ويهتم فقط بما يظهر من أفعال أو امتناع عندما يلزم القيام بها. أما الأخلاق فإنها تعنى بالأفعال الخارجية كما تهتم بالنوايا والمقاصد الداخلية. فالإنسان يشعر بالذنب لمجرد النوايا السيئة أو المشاعر غير الكريمة.

وهكذا يتضح أن الفارق الرئيسي بين القانون والأخلاق هو أن الأول وسيلة المجتمع من خلال سلطته السياسية لضبط استقرار وتقدم المجتمعات، في حين أن الأخلاق هي تعبير عن ضرورة احترام القيم السائدة في المجتمع وما استقر عليه الضمير العام من عادات وتقاليد.

فالقانون هو «أداة» السلطة في الحكم لتحقيق الاستقرار والتقدم، وهى تقوم على تنفيذ وضمان احترامه وتعريض المخالف للجزاء. أما الأخلاق فهي تعبير عن القيم والتقاليد التي استقرت في ضمير الجماعة واللازمة للوصول إلى الفرد المثالي وتحقيق المجتمع الصالح، ومخالفة هذه القواعد تعرّض صاحبها لازدراء الجماعة وسخطها. وفى الجماعات البدائية يختلط القانون بالأخلاق.

بدأ ظهور القانون وتميزه عن الأخلاق، عندما بدأت تتبلور السلطة السياسية داخل الجماعة في شكل شيوخ أو حكماء الجماعة الذين يتولون فرض احترام القواعد الأخلاقية السائدة فيها، مع توقيع الجزاء على المخالف. وقد ظهر مفهوم القانون، أول الأمر، باعتباره نوعاً من العرف الأخلاقي السائد والمقبول.

وبذلك بدأ ظهور القانون كجزء من الأخلاق كما تمثلها الأعراف والتقاليد السائدة، وبذلك بدأ القانون على شكل تقنين لأعراف مستقرة ومقبولة. وبعد فترة من استقرار سلطة الحكم في الجماعة، بدأت تتميز طبقة الحكام الذين لا يكتفون بتطبيق الأعراف الموروثة بل يصدرون الأوامر واجبة الاحترام، شأنها في ذلك شأن قواعد العرف المستقرة. وبذلك بدأت أوامر الحاكم تأخذ حكم التقاليد والأعراف في ضرورة الخضوع لها. ومن هنا أصبح القانون أيضاً هو أمر الحاكم.

ومع ظهور الدولة الحديثة، خاصة مع تطور المجتمعات الصناعية، لم يعد من الممكن الاقتصار على العادات والتقاليد لمواجهة احتياجات الحياة في ظل سرعة التطورات وتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

وبذلك ظهرت الحاجة إلى ضرورة التنظيم للأوضاع الجديدة عن طريق الأوامر والتشريعات. وأخيراً جاءت الثورات الشعبية التي تطالب بالحكم من خلال ممثلين للشعب في المجالس البرلمانية وحيث تصدر القوانين من خلال التشريع من هذه المجالس المنتخبة

. وهكذا بدأ القانون يستقل عن قواعد العرف والعادات ولم يعد ملحقاً بها، وإنما أصبح أداة الحكم في تنفيذ سياساته، كما أصبح التشريع هو المصدر الرئيسي للقانون. ومع هذا التطور في شكل القانون فقد استمر المجتمع من خلال الأخلاق في القيام بدوره الأصيل باعتباره الأمين على المثل العليا والقيم السامية.

والآن وبعد هذا التطور، يثور التساؤل عن العلاقة بين الأخلاق والقانون، فهل يتطابقان؟ وهل يقومان بنفس الوظائف أم أن لكل منهما وظائف مختلفة؟ وإذا كانت هذه الوظائف مختلفة، فهل هي متعارضة أم متكاملة؟ فأما من حيث النطاق فإن نطاق القانون أضيق أحياناً وأوسع أحياناً أخرى من نطاق الأخلاق. فرغم أن كلاً من القانون والأخلاق يسعيان إلى تحقيق السلوك السليم في المجتمع،

فإن القانون لا يعنى بكل مظاهر السلوك السليم ويقتصر فقط على الأمور ذات العلاقة بالمجتمع التي يمكن أن تعكر الاستقرار والتقدم الاجتماعي. كذلك فإن القانون وهو يهدف إلى حماية الحريات العامة فإنه يحرص على حماية حرمة الحياة الخاصة للفرد طالما لا يترتب عليها إزعاج للآخرين.

أما الأخلاق فإنها تهتم بكل ما يتعلق بالسلوك السليم، وسواء تعلق بحياته الخاصة أو بعلاقاته مع الآخرين، فالأخلاق تتعلق بكل ما يصدر عن الفرد من تصرفات أو حتى أحاسيس. ورغم أن الكذب مثلاً هو أصل كل الآفات الاجتماعية، فإن القانون لا يجرم الكذب بشكل عام،

وإنما فقط في الأحوال التي يترتب عليها أضرار واضحة على المجتمع، كما في حالة التزوير أو الإدلاء ببيانات كاذبة أمام السلطات العامة وغير ذلك مما ينطوي على مخاطر تعرض مصالح الجميع لأضرار. أما الكذب الصغير، كادعاء المرض أو إبداء عذر عائلي كاذب لعدم الوفاء بوعد أو عهد، فهذه مخالفة أخلاقية وإن لم تكن مخالفة قانونية. والسبب في هذا الاختلاف بين موقف القانون وموقف الأخلاق تجاه مثل هذه المخالفات، هو اختلاف دور القانون عن دور الأخلاق في المجتمع.

فالهدف من القانون هو تحقيق مصلحة المجتمع مع احترام خصوصية الحياة الداخلية للأفراد وحرياتهم الشخصية. فهدف القانون هدف اجتماعي منفعي بحت يقارن بين المكاسب بالخسائر الاجتماعية.

أما الأخلاق فإنها لا تقتصر على تحقيق المصالح الاجتماعية ولكنها تسعى إلى الارتقاء بالفرد وتطهيره من جميع الآثام، وذلك بالسعي للوصول إلى الإنسان المثالي والمجتمع الفاضل. فهدف القانون هو تحقيق مصالح المجتمع، أما الأخلاق فهدفها الارتقاء إلى الإنسان الصالح.

ولك أن تتصور كيف تصبح الحياة عسيرة إذا تدخل القانون بفرض عقوبة على كل كذبة مهما صغرت. فتعاتب صديقك على عدم حضوره في موعد اتفق عليه، فيدعى أنه كان مريضاً أو أنه أرسل لك اعتذاراً، وتعرف أنه كاذب فتتجاوز عن مغالطته، وإن فقد لديك جزءاً من الاحترام. هذا هو الموقف القانوني. ولكن تصور ما يحدث إذا تدخل القانون بتجريم هذا الفعل؟

فإذا بك في هذه الحالة تطلب الشرطة والنيابة للتحقيق في صحة ادعائه، هذا يجعل الحياة بالغة الصعوبة. ولذلك فلم يكن غريباً أن جميع الأديان السماوية، وهى تنهى كلها عن الكذب وتعتبره أسوأ النقائص، فإنها كلها لم تضع جزاء دنيوياً على الكذب كما القتل أو السرقة أو الزنى، وذلك لاعتبارات عملية.

فجزاء الكذب، عادة، هو جزاء ديني وأخلاقي. وهكذا فإن القانون لا يسعى إلى تحقيق المجتمع المثالي، وإنما فقط المجتمع القابل للحياة والتقدم وإن لم يكن مثالياً. وهنا يأتي دور الأخلاق لتربية النشء والأجيال الجديدة على مكارم الخُلق، فالمجتمعات لا ترقى إلا بالمثل العليا للأفراد. وهذه هي وظيفة الأخلاق، وهى تهذيب الفرد والارتقاء به.

والجزاء الأخلاقي هو جزاء اجتماعي بامتعاض المجتمع وازدرائه. وليس هناك أسوأ من ازدراء المجتمع واحتقاره للسلوك غير الأخلاقي. ولذلك فإن اقتصار القانون على بعض الجوانب الأخلاقية ذات النتائج الاجتماعية الضارة دون غيرها ليس تبريراً للسلوك غير الأخلاقي، وإنما هو اعتراف بأن دور الأخلاق ومسؤولية المجتمع في هذه الأحوال أكثر فاعلية. فالقانون هو أداة السلطة لضمان استمرار المجتمع وتقدمه، أما الأخلاق فإنها أداة المجتمع للارتقاء بالإنسان والاقتراب من المجتمع المثالي.

وإذا كان مجال القانون يتلاقى مع مجال الأخلاق في العديد من مظاهر السلوك الاجتماعي، فإن للقانون مجالات أُخرى مهمة في المجتمع لا تعرفها الأخلاق. فالقانون ينظم الحياة الاقتصادية والسياسية للمجتمع، وهو يضع قواعد للمرور بالسير على اليمين لتنظيم عملية المرور دون أن يمكن القول إن السير على اليمين أكثر أخلاقية من السير على اليسار.

ولكن المطلوب هو أن توضع قواعد مقبولة ومحترمة من الجميع للسير. وبالمثل ينظم القانون ممارسة المهن وتنظيم التعامل في الأوراق الرسمية أو شكل المستندات القانونية أو مباشرة النشاط الاقتصادي أو أسلوب إدارة المؤسسات أو اختصاصاتها، وهكذا. وهذه كلها أمور ضرورية لتقدم الحياة المدنية دون أن تكون لها صلة مباشرة بالأخلاق.

لا غنى لأى مجتمع سليم عن القانون والأخلاق معاً، وليس أحدهما بديلاً عن الآخر، كما لا يمكن الاستغناء عن أيهما. فالقانون تضعه الدولة وترعاه لسلامة المجتمع، في حين أن الأخلاق هي وظيفة المجتمع ومسؤوليته لرقى الفرد وسموه.

الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها.

وظاهرة «العدالة الخاصة» لا تعدو أن تكون محاولة من بعض الأفراد لفرض وصاية الأخلاق على القانون. وبالمثل فإنه يُخشى أن تؤدى المطابقة بين القانون والأخلاق إلى إهدار وظيفة كل منهما، وبما يهدد بإفسادهما معاً.

لا تعليقات

اترك رد