الكاتب الألماني دانييل كيلمان : عمّا قريب ، سيصبح ترامب من التاريخ ج2

 

الكاتب النجم ” دانييل كيلمان Daniel Kehlman ” ينالُ منه القلق حول الحرّيات المدنيّة، ولكن مع ذلك فالألماني الآن يتحلّى بالكثير من الشجاعة.
ـ دانيال كيلمان الذي احتُفي به في الولايات المتحدة الأمريكية، كصاحب المؤلّفات الأكثر مبيعا.
بدأ عام 2020 ممتازا لدانييل كيلمان، فقد أُحتُفي بروايته ” Tyll “، في أمريكا. ككاتب يكتبُ بالألمانية اختُيرت روايته ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر البريطانية الدولية. كان كيلمان (44 سنة)، يعيش مع عائلته، في مدينة نيويورك حين أدخلت الكورونا العالم في حالةٍ من الجمود. الآن يقوم بما يُتقن فعله: الكتابة. لدى دانيال كيلمان مكالمةٌ عبر الكمبيوتر، والساعة تُشير للعاشرة صباحا بحسب توقيته.
سؤال:
تكتبون مسرحية حوارية، تُدعى ” حوارات ـ كورونا “، تلك التي يقول فيها الكاتب المُتخيّل ” كلاوس فيرنر فنكين هنريش Klaus-Werner Wenken-Henrichs”، بأنّ الفيروس كان ” وقتا للتفكير والتأمّل “. هل هو كذلك لكم أيضا؟
جواب:
بالنسبة لي شخصيّا، هو كذلك جزئيّا. تركنا أنا وزوجتي وابني السكن بوسط مدينة نيويورك في منتصف شهر آذار، لنستأجر منزلا صغيرا بالقرب من المحيط الأطلسي، في ” مونتاوك Montauk” الواقعة على اللسان الممتد ” إيسلاند Island “. كثيرا ما نذهب للتنزّه على الشاطئ. أُمارسُ القراءة كثيرا وكذلك الكتابة. لكنّ الوضع العالمي بالمجمل يُحزنني كثيرا. نحن غارقون في إحدى أكثر أزمات البشرية حزنا. ليست الأسوأ لكنّها الأكثر حزنا، ذلك أنّ الشفاء يكمن في بقائنا بعيدين عن بعضنا البعض. من كائنٍ للعقل والحرّية والجمال والإثارة، غدا (الإنسان) كائنا حاملاً للأمراض، يبصق الفيروسات. لكنّ ما يُقلقُني أكثر: كيف سنخرجُ من هذه الحال؟ إن نحن ارتدينا الكمّامات، عند التسوّق، لسنوات، فهذا سيكونُ مزعجا، لكنّه مع ذلك سيكون مشكلا تافها، مقارنة بالاعتداء على حقوقنا الأساسيّة.
سؤال:
قبل سنتين وسمتُم ترامب بـ ” الكارثة العظيمة “، وقلتُم إنّكم تشعرون في نيويورك، وكأنّكم قريبون من مفاعل نووي. الآن يقع منزلكم في واحدة من أكثر بؤر التوتّر سوءا؟
جواب:
لأنّ روايتي ” Tyll ” نُشرت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فـقد سافرتُ كثيرا في شهريّ شباط وآذار، إلى الساحل الغربي على سبيل المثال. في شباط طرتُ إلى انكلترة. في بداية آذار إلى فرنسة. إنه أمرٌ مدهش أنني لم أمرض، وأتساءلُ إن كنتُ أنتمي إلى تلك المجموعة التي تحمل الفيروس دون ظهور أعراض عليها، وهو ما بات كلّ منّا يتمنّاه، بطبيعة الحال، فهذه المجموعة غدت فجأة كنادٍ هو الأكثر تميّزا في العالم. تلك الرحلات التي لم يسبق لي وأن تخلّفتُ عنها طويلا، تبدو لي وكأنّها تنتمي لحقبة أخرى. لترد بعدها الأخبار المفجعة من إيطالية وما أدّت إليه من إغلاق، ثم بعد ذلك وردت أخبار الإغلاق في إسبانية، ثمّ فرنسة فالنمسة. هذا كان مُرعبا بالنسبة لنا، فالأمريكيّون معروفون بشكل خاص بميلٍ لردود الفعل المُبالغ بها، حال نشوب خطر. خرجنا من نيويورك لأنّنا كنّا خائفين من سنّ قيودٍ متشدّدة جدّا. في إسبانية على سبيل المثال لم يُسمح للأطفال بالخروج من منازلهم طوال ستّة أسابيع، وهذا ما يجب تخيّله، لكن هذه القيود في أمريكا، لم تكن بذلك القدر الذي كانت عليه في إسبانية.
سؤال:
وبناء عليه، نصح ترامب بحقن مواطنيه، بالمطهّرات؟
جواب:
يُدرك العالم، قبل كلّ شيء، حقيقة التضليل الذي يمارسه ترامب في موجزاته الصحفيّة المجنونة. لكن ما حدث في نيويورك، هو أنّ الحاكم ” أندرو كومو Andrew Cuomo ” برهن بوضوح، وبشكل استثنائي، على عقلانيّته. اقترح ترامب إغلاق المدينة، كما في مدريد وباريس. كومو حسم ذلك في غضون ثلاث ساعات، في لقاء مع قناة CNN: لا يمكن منع الناس من حرّية التنقل، فهذا سيكون ضدّ الدستور. كان جميلا سماعُ أحدٍ ما يتحدّث فجأة عن سيادة القانون. تولّى الحكّام دفّة المسؤولية، في جميع أنحاء البلاد، والإجراءات في الكثير من الولايات الأمريكية لم تختلف كثيرا في النهاية، عن تلك التي اتُخذت في ألمانيا. ارتفع منحني المرض في نيويورك بشدّة، لكنّه عاد لينخفض مرة أخرى. انخفضت سلاسل العدوى الشهيرة (يقصد المنحني الأسي في انتقال عدوى الكورونا) إلى ما تحت الـ 1، كما في ألمانيا. في تلك الأثناء كان الوضع في المستشفيات كارثيا، لكن حال المدينة بالمجمل لم يكن مأساويا، كما كان عليه في أوربا.
سؤال:
كيف تنظر للأمر؟
جواب:
بعض الصور التي بُثّت من نيويورك وانتشرت في العالم، أدت لسوء فهم. على سبيل المثال، هذه الخيمة المستشفى في السنترال بارك، قدّمتها منظمّة دينيّة متخصّصة ببناء المستشفيات الميدانية في أفريقيا، لصالح مدينة نيويورك، منذ البداية، من باب التحوّط، لكنّها لم تُستخدم مطلقا. كذلك صور التوابيت التي زُعم أنّها كُدّست في ثلّاجات الموتى، بهدف دفنها في مقابر جماعيّة. واقع الحال، هو أنّ الجنازات لم تكن ممكنة باحتشاد الأهالي، بسبب الحظر المفروض على التواصل. ولذلك فقد تمّ ـ إذا جاز التعبير ـ تخزين الموتى، إلى أنّ يُصبح ممكنا نقلهم للمقابر. لا تفهمني حطأ: هذا أيضا كان شنيعا. لقد اتّصل بي كثير من الناس من ألمانيا، من أولئك الذين لم أسمع عنهم شيئا منذ عشرين عاما، يسألونني عمّا إذا كنّا نودّ الخروج من نيويورك ” قبل أن ننجح في الخروج “. حسنا، ما الخطب؟ أعتقد أنّ كثيرين طاردتهم رهبة الخوف، تتراءى أمامهم الصور الهوليووديّة المروّعة. نعم في السينما غالبا ما تغرق نيويورك، في موجات المدّ، الوحوش، الزلازل. كثيرون ممّن كتبوا لي بذات القلق بالبريد الإلكتروني، خالوا في الواقع أنّني كما “ويل سميث Will Smith” في فيلم ” أنا أسطورة I Am Legend”، أمشي مع كلبٍ بين الحطام. نحنُ نعيش في ظلّ أزمة الكورونا استدعاءا متكرّرا غريبا للصور. لكنّ الصور لا تساعد على فهم الحالة عن بعد، لا في “برغامو Bergamo” ولا في “نيويورك New York”. وحدة العناية المركّزة تبدو دائما مرعبة. خارج نطاق المشافي غدت المدينة هادئة.
سؤال:
ولكن إذا كان انتخاب ترامب يُعدّ ” كارثة عظيمة “، فماذا يعني تفشيّ الوباء في ظلّ حكم الرئيس ترامب؟
جواب:
ترامب يُسيء لنفسه بتصريحاته الفاحشة الآن. يتضاءلُ معدّل تأييده حتى لدى ناخبيه الأساسيين، فهو يميل في كلّ الولايات الساخنة حسب الاستطلاعات لصالح ” جو بايدن Joe Biden”. اقتصاديّا، ستحلّ أوقاتٌ عصيبة صعبة على أمريكا، لكنّني متفائل بأنّ ترامب سيخسر في شهر تشرين الثاني القادم، لأنّ كثيرين من أنصاره، يُدركون الآن كم هو رئيس كارثي. أعتقد أنّ ترامب، عمّا قريب سيغدو من التاريخ.
سؤال:
في رواية ” مسح العالم “، كتبتم عن “فريدريش غاوس” و” ألكسندر فون هومبولدت”. في ” Tyll ” واكبتم الموسوعي “أثانيسيوس كيرتشر Athanasius Kircher”. كصديقٍ للعلم لابدّ أن تجذبكم شخصيّة عامة من علماء الفيروسات.
جواب:
بكلّ تأكيد. أنا ممنونٌ جدّا من (كريستيان دروستين Christian Drosten) لأجل بثّه الصوتي واليوميّ، الذي لم تفتنا منه ولو حلقةٌ واحدة، أنا وزوجتي. لا مكان آخر بخلافه، في هذه الأيام، يمكن فيه للمرء أن يتلقّى هذه الشروحات الجيدة. بمعزلٍ عن ذلك: فحين يتعامل المرء ولو قليلا مع فلسفة العلوم، سيُدرك أنّ العلم وسيلةٌ لا مؤسّسة. العلم قبل كلّ شيء مبنيٌّ على التفنيد (Falsifikation)، ولذلك فالأمور تبرز وكأنّها أخطاء. إنّ العلماء غالبا ما يكونون على خلافٍ فيما بينهم، وهنا بالضبط تكمن قوّة منهجهم. لكنّ ما يُعقّد الأمر هو أن يدّعي السياسيون في ذات الوقت أنّ قراراتهم ليس من بديل لها، لأنّها قائمة على العلم، ذلك أنّ هؤلاء السياسيّين قد اختاروا بشكلٍ مسبق، من هم أولئك العلماء الذين يستأنسون بهم.
سؤال:
هل تطالبون بتخفيفٍ أسرع للقيود؟
جواب:
لا أودّ التقليل من شأن الفيروس. أنظر للخطوات السريعة الحاسمة بعد ظهور الكورونا على أنّها صائبة. يجب أولا معرفة المزيد عن التهديد. أمّا النقاش حول الانفتاح التدريجي وإلغاء الإجراءات المعمول بها، فباعتقادي أنّ من الضروري فعل ذلك. على كلّ حال، فالأمر يتعلّق بالقيود الأكبر المفروضة على الحقوق الأساسية منذ الحرب العالمية الثانية. يجبُ عليّ دوما أن أتمعّن في أحداث الحادي عشر من أيلول من عام 2001. كان هجوما إرهابيّا فظيعا خلّف المزيد من القتلى، وكارثة يجب التعامل معها بردٍّ ما. ولكن في نهاية المطاف كانت الاستجابة وخيمة العواقب: منظومة باتريوت وغوانتانامو، ومن ثمّ الحرب في العراق. بدعم جزء كبيرٍ من السكّان تمّ فرض قيودٍ متشدّدة على الحقوق الأساسية، منها الكثير مما لم يتمّ رفعها حتى الآن.
سؤال:
هل تتخوّفون، من أن لا عودة بعد الآن؟
جواب:
المجتمع لا يتقهقر رجوعا لما خلف الذي حقّقه من تقدّم. عندما أنظر لأوربا، تتبادر لذهني استطلاعات الرأي العالية المؤيّدة لما أغدق به علينا السياسيّون، حين قدّموا أنفسهم لشعوبهم، كمعلّمين يتّسمون بالصرامة والدقّة. لقد شهدنا في كلّ مكان، نماذج فضفاضة للتعبئة الوطنية: يُسمح للمرء بأن يشعر بنفسه، كشعبٍ يتّحدُ ضدّ الخطر، وفي حقيقة الأمر ليس عليه إلّا أن يعمل للبقاء في المنزل، يتابع ” Netflix “. إنّها حقيقة بسيطة جدا، وهي أنّه ليس من أحد الآن ممّن يحكموننا، بمتحمّس بتلك الشدّة للتفكير بخطّةٍ واضحة للخروج ـ ذلك أنّه من الممكن أن يُعدّ مسؤولا عن تزايد أعداد من تنتقل إليهم العدوى مرّة أخرى. لكن من يعلم متى سيتمّ توفير لقاحٍ ما؟ وفي كلّ الأحوال، يتوجّب علينا كمجتمع أن نجد طريقا، للتعايش مع خطرٍ متنامٍ بشدّة.
سؤال:
ما الشكل الذي يمكن لحياتنا أن تبدو عليه؟
جواب:
أعلم أنّ هنالك ردود فعلٍ ارتداديّة تعتبر الطريقة السويديّة خاطئة. لكن ما حقيقة ذلك؟ لم يدّع السويديّون أنّهم سيتغلّبون على الفيروس، وأنّ الحياة العامّة والاقتصاد سيبقيان لأقصى حدّ ممكن تنبضان بالحياة، ما سيؤدّي بشكلٍ حتميّ لارتفاع أعداد الموتى أكثر مما لدينا. بل إنّهم كانوا من أوائل من قالوا: لربّما علينا التأقلم طويلا جدا مع الفيروس. وبطبيعة الحال، فإنّ ذلك قد يُلزم الكثير من السويديّين على العيش منعزلين بمفردهم. لكنّني حين أتأمّل هذا الأمر، وما سيبدو عليه المستقبل، فإنّني أورد النموذج السويدي أو ديستوبيا مريرة (ديستوبيا Dystopia أي أدب المدينة الفاسدة أو الواقع المرير)، مجتمعٌ خاملٌ معزولٌ في حدودٍ مغلقة، استنزافٌ حادّ لطاقاته، مع قلقٍ مستمرٍّ، في انتظار الإحاطة الإعلامية القادمة. لا أدّعي أنّ حياتنا بإمكانها أن تستمرّ هكذا ببساطة مع المرض. غير إنّها بالفعل يجب أن تستمر بطريقة ما، وبالنسبة لي فليس هنالك من بدائل مقبولة، عن حريّاتنا الأساسيّة التي في نهاية المطاف مات لأجلها أناسٌ كثيرون، وهكذا على المدى الطويل يتم تقييدها. نحن نعتاد على كلّ شيء بسرعة، وكذلك على القيود المفروضة على الحرّية.
سؤال:
ترون من ” مونتوك ” الجميلة، هذا المكان الباعث على الحنين، الذي سبق وألهم (ماكس فريش)، قاتم تماما.
جواب:
بالمقابل فنحنُ نواجه خطرا حقيقيّا. أعرفُ الكثير من الناس، ممّن أصيبوا بالكورونا، لكن ولحسن الحظّ فقد تعافوا جميعا وعادوا أصحّاء مرة أخرى. لكن سارت الأمور بصعوبة كبيرة بين دائرة أصدقائي. هذا الفيروس ليس مزاحا. لديّ رؤية مزدوجة للأمر. أرى الكثير مما يحثّني على الشجاعة: هذا التضامن الاجتماعي مع الضعفاء ومع المهدّدين بشكل خاص من شأنه أن يجعلنا فخورين. هذا ما يمكن النظر إليه كرقيٍّ أخلاقيّ. ثمّ تنقلب الصورة، لأرى صورة ديستوبيّة (مريرة) للعالم، من الممكن أن تبقى هكذا دون صعوبات. عالمٌ يتمّ فيه إلغاء كلّ التجمّعات الاجتماعية الكبيرة لأنّها هي الخطر بحدّ ذاتها، المسارح، الحفلات الموسيقيّة، المظاهرات. وفي الواقع لفترة زمنيّة غير محدّدة، على أمل دائم بتوفير لقاح ما، وهو ما لم يتم الوصول إليه بعد وبعد. عالمٌ يعمل فيه الناس منفصلين من منازلهم ويستدون طلباتهم على الأمازون، والحياة العامة لا تجري إلا على الشاشات. وبطبيعة الحال أيضا عالم، تتمّ فيه مراقبتنا دوما عبر تطبيقات التتبّع، في كلّ مكان، لأنّ الفيروس يكمن لنا في كل مكان غير آمن، فكلّنا ناقلون للعدوى.
سؤال:
عالم كهذا، هل يمكن تصوّره باستمرار؟
جواب:
عندما نقرأ اليوم، أنّ ” شكسبير ” كان يعرض مسرحياته أمام آلاف الناس، دون أن يكون هنالك مرحاضٌ للعموم، فهذا يفوق التصوّر. كان الناس يقضون حاجتهم حيث يقفون. هكذا بكل بساطة. مفزع. مثلا كيف يمكن للمؤرّخين أن يتحدّثوا عن مراحيض “Dixie-Toiletten ” (ترتبط باسم جو ديكسي الألماني من موسيقا الروك، وهي القابلة للنقل) لأجل عشرة آلاف في مهرجان موسيقا الروك ” Rock am Ring “؟ ربّما بسبب الخوف. أو لستمائة شخص مجتمعين في عرض مسرحي. مرعب! ليس من الصعب تخيّل أيّ شيء كمسبّب للعدوى، وعمليا نعم هذا ليس من الخطأ. قبل ستّة أسابيع لم يكن بإمكاننا تخيّل ذلك، طوال ستّة أسابيع لا أصدقاء التقوا فيها. لكن إن جرت الأمور بشكل جيد، لستة أسابيع، فلربما امتدّ الأمر لعام؟ لعامين؟ لربما غدت الشاشة مستقبلا معيارا لكلّ لقاء. كما قلت يمكن للمرء التعوّد بسرعة. الإنسان نظام مفتوح.
سؤال:
ما الذي يمنحكم الأمل؟
جواب:
اللجوء للتفكير المجرّد يساعد بطريقةٍ ما. وهذا هو المحمود في الفلسفة: إنّها تعلّمنا، أنّ الحقوق الفردية يجب ألا يتوقّف أمرها على التسلّط الفردي أبدا. ولذلك فإنّه بالنسبة لي، ليست تمثيليّة هزليّة تافهة، أنّ تغرّد الشرطة البافارية، في هذه الأثناء، على التويتر، لتعلن أنّه لن يكون مسموحا قراءة كتاب على مقاعد الحديقة. الشيء الوحيد الذي يحميني من تسلّط الشرطة هو القانون. الكثير من القواعد المعمول بها حاليّا هي تعسّفية بشكلٍ كامل، وبعضها حتى غير منطقيّة. الناس مطالبون بالحفاظ على المسافة فيما بينهم، لكن لا يُسمح لهم بارتياد منزلٍ ثان لهم في البلاد، إلا إن كان هذا المنزل يقع خارج ولايتي (مكلنبورغ فوربوميرن Mecklenburg-Vorpommern) أو (شيلزفيغ هولشتاين Schleswig-Holstein)، الأمر الذي أدّى إلى تنشيط المحاكم في تلك الأثناء، بهدف إلغاء الكثير منها.
استنادا على فكرة ” سيادة القانون ” تمّ تأسيس أمريكا، ومازال هذا العرف بكل بساطة قويّا، أكثر مما هو عليه في ألمانيا، وهو ما يمكن ملاحظته أيضا في فرنسة، حيث يتحدّث الرئيس عن حرب، والخروج في نزهة يحتاج لتصريحٍ خطيّ. أحد عواقب التشكّك في سلطة الدولة الأمريكية، يمكن رؤيتها في الصورة المشهورة الآتية من مدينة (دنفر Denver، عاصمة كولورادو) ……
سؤال:
ما مدى القلق الذي يعتريكم بشأن صناعة الكتب؟
هذا ما أجد صعوبة الآن في إعطاء حكم عنه. في البداية كان البعض متفائلين بأنّ الناس سيجلسون في منازلهم، وسيمضون جلّ وقتهم في القراءة، لكن هذا ما لم يحصل. الناس يمكثون في المنزل، ويتناقلون البيانات في الحواسيب. ليس من السهل التركيز في هذه الأوقات. مبيعات الكتب تنخفض بشكل كبير. ينالُ مني القلق قبل كلّ شيء على المتاجر الصغيرة لبيع الكتب، بالإضافة للمطاعم، والمشاريع المتوسّطة. وكذلك على مجمل المشهد الثقافي. في النمسا أدلت القائمة بسكرتاريا الدولة هناك، بمؤتمر صحفيّ، تحدّثت فيه عن الممثّلين وعن مدرّبيهم. لم يُفهم ما كانت تعنيه بالضبط. غالبا كانت تتحدّث عن المدراء. مؤسفٌ أنّ مصير الثقافة بات الآن بأيدي أولئك الناس، الذين لا يمكن للأجنبيّ الغريب أن ينتمي للثقافة لديهم. ومن هؤلاء سأذكر السادة من معهد روبرت كوخ.
ليس بالضرورة أنّ مستقبل قطّاع النشر أيضا يتعلّق بذلك الرقم المجرّد لسلاسل العدوى، الذي يُدلي به العاملون في معهد روبرت كوخ، بطريقة ما يوميّا. هي تقرّر الآن فيما إذا كان بإمكان متاجر الكتب أن تبقى مفتوحة أم ستعود لتُغلق مرة أخرى. في الواقع نحن نشتري جزءا كبيرا من الكتب ليس عبر الأمازون، الرابح الأكبر من هذه الأزمة.
سؤال:
الحجر الصحي يبدو لكم ككاتب أمرا جيدا؟
جواب:
نعم بالطبع. أكتب كثيرا جدا. وأعمل مع (جوليان شنابل Julian Schnabel) الذي يسكن قريبا من هنا، في كتابة سيناريو. علاوة على ذلك أكتب هذه المشاهد الصغيرة عن الكورونا، حول الأزمة، شخصيّة، ساخرة. إنّها استراتيجية التأقلم التي تخصّني. كما أنني أعمل على كتابة رواية جديدة. بالنسبة لي عدم السفر والبقاء في مكانٍ ما هو أمرٌ جيد، فالتنزّه طويلا، ورؤية عددٍ قليلٍ من الناس ليس أمرا سيّئا للكاتب.
سؤال:
ما هي المدّة التي استأجرت لأجلها هذا المنزل في مونتوك؟
جواب:
لغاية بداية حزيران. حين ينتهي العام الدراسي، فنحن بكل الأحوال نريد السفر لألمانيا. هناك ينبغي أن نبقى في الحجر لمدة أسبوعين، وهذا أجده مفيدا عمليا. ما لا أجده بدون معنى هو استمرار إغلاق الحدود الأوربية. السياسة لم تشرح قطّ: ما التأثير وما الفائدة؟ إذا قدّمت جمعية (Helmholtz-Gesellschaft) نموذجا يتضمّن الإغلاق لخمسة أسابيع أخرى، إلى ننتصر بعدها على الوباء في ألمانيا، وهذا يعني أنّه وإلى أن يتم إيجاد لقاح في فترة زمنية غير محدّدة، فإنّ الحدود الألمانية يجب أن تبقى مغلقة؟ وهذا ما سيولّد خسارة فظيعة لبايرن المغلقة. يمكنني الجزم مسبقا أنّ السيد زودر Söder (رئس وزراء مقاطعة بافاريا) لن يرى ضيرا في ذلك. فهو قد رفض للتوّ حتى إعادة فتح الحدود مع النمسة، مع أنّ أعداد المصابين بألمانيا أعلى مما هي عليها في النمسة، فهو حسم أمره استنادا على اهتمامه بالصحة، ولم يبالِ مطلقا بصناعة السياحة البافارية. لا هذا غير مقبولٍ بالنسبة لي.
سؤال:
هل تعتقدون أنكم ستعودون للسفر بحرية، كما كان في شهر آذار؟
جواب:
أعتقد أنّ هذا يتعلّق بما إذا كنّا سنحصل على لقاح. يجب هنا التمييز بين الحقوق والسلوك. الحدود يجب إعادة فتحها، ولا يجب نسيان الحقّ في اللجوء، الذي يشمل أيضا الحقوق الأساسيّة، التي غابت فجأة وبالكامل عن النقاش الآن. وبغضّ النظر عن كلّ شيء، فلن يُضير إنّ نحن جميعا سافرنا أقلّ قليلا مماّ كان ذي قبل.
سؤال:
ولكن هذا الوباء منعكم نوعا ما من التحليق (يُقصد به الظهور الإعلامي). “Tyll” لاقت في أمريكا صدى كبيرا.
جواب:
يا للخسارة. لقد كنتُ محظوظا مع التوقيت. روايتي ” Tyll ” تمّ تناولها بالنقد والمراجعة، قبل أن تلجأ الصحف للكتابة عن الكورونا فقط، وكنتُ وقتها قادرا على المساهمة في جميع الفعاليّات عنها. لكن أحد الجوانب المتعلّقة بـ “Tyll “، التي تمّ التركيز عليها آنذاك بشكلٍ غير كافٍ في ألمانيا، عاد ليبرز مرّة أخرى: الرواية تدور أحداثها في زمن الطاعون، الذي كان حينها وباء عالميّا. هذا غدا فجأة مرة أخرى موضوعا راهنا.
سؤال:
لقد استقصيتم طويلا عن سنوات الطاعون. لأيّ مدى يجب عليكم التفكير في الوباء الراهن؟
جواب:
لو أنّ المرء عكف على دارسة الطاعون باستفاضة، سيُدرك كم كانت الأمراض، فيما مضى، تبعث على السخط والاشمئزاز، لفظاعتها. يبلغ معدّل الوفاة بالكورونا قرابة 0,5%، وهذا كثير، لكنّ مع الكوليرا كانت قرابة 50%، وفي الطاعون وصلت لغاية 70%. بسبب ما سُمّي بـ ” إنفلونزا هونغ كونغ ” مات في عام 1968 حوالي مليون شخص ـ على المرء أن يتخيّل، كيف كان سيبدو عليه العالم اليوم، لو تمّ إلغاء ” صيف الحبّ Summer of Love* ” آنذاك، وتمّ إخضاع كلّ شيء للإغلاق قانونيّا. التاريخ يُظهر لنا، كيف يمكن للوباء أن يغيّر سريعا وفعليّا مسار كلّ شيء. إلا أنّ الطاعون لم يكن بإمكانه أن يقضي على وجودنا، بل إنّه نقلنا لعصر النهضة. أشكّ في أنّ بإمكان Covid-19 أن ينقلنا لشيء مشابه مقارنة بذلك، في تأثيره. ولكن هنالك ما يبعث على الاطمئنان، حين نعرف أنّ الناس وفي ظلّ انتشار الطاعون واصلوا حياتهم الاعتيادية الطبيعية بشكلٍ أو بآخر. في نهاية المطاف، فنحن البشر جنسٌ صامدٌ مقاوم.

صيف الحب Summer of Love: علامة فارقة في عقد ستينات القرن العشرين مع تطور حركة الهيبيز ودخولها في الحركة الثقافية العامة، وانطلق من مدينة ( سان فرانسيسكو ) تحديدا، حيث تدفق ما يقارب 100 ألف شخص، في عام 1967، على أحد أحياء المدينة، وهذا ما كان إيذانا بتغير وتحوّل ثقافي وسياسي.

ترجمة عن الألمانية: عبد الحميد محمد

لا تعليقات

اترك رد