محمد الكناني … احتواء الذات في كينونة الخطاب

 

يتميز محمد الكناني بموهبة نادرة بين الرسامين المعاصرين اينما كانوا … تبرز في قدرته على التعامل مع الالوان بكل اشكالها بعفوية ورهافة … مع حساسية للضوء والشكل تؤكد حبه لما تقع عليه العين من مشهد … مهما كان … زقاقا في المدينة او بستاناً في الريف او جمعاً من الباعة والمشترين في رسومه دائماً ذو اشراقة فسيحة بالفضاء يجعلنا كلاهما نستمر من كل لوحة شيئاً من تلك الدهشة وذلك الحب اللذين يحركان فنه … حتى عندما يتقصد رسم شكلاً جديداً بحجم مختلف … يملأها بجزئيات تعجب لدقتها المتناهية .
وحيثما يتعامل مع الالوان الزيتية او الاكريليك فأنه لا يجازف فقط بأتساع قماشته … بل بموضوعه الانساني ايضاً … حين تتعاون التفاصيل كلها … وقد رسمها بواقعية سحرية … في خلق جو سادر قلق يبهر الفنان في تصويره … ويجعل من المراة الشابة وما بين يديها … او ما يحيط بها … متوازيات لتأملاتها وشاعرية احزانها .
هذه الواقعية السحرية تكاد تصيب المشاهد احياناً بهوس جميل يدفعه الى التمعن فيها واعادة التمعن وكلما اعاد النظر اليها … باتت وكانها تجربة جديدة … ولا ينتهي تجدد ايحاءاتها .

حيث تتصل اعمال الفنان محمد الكناني ببعضها البعض بوضوح شديد … ان لها سمة واحدة مميزة … واحسب ان السبب لا يعود الى النزعة الاسلوبية … او الى حاجات شكلية ملحة … بل الى منهل جمالي عميق … يعاد انتاج اثاره … وتندمج فيه الرؤية الفنية والاشكال والتقنية في كل واحد .
يمكن ان نسمي هذا المنهل في حدود موضوعات الفنان الظاهرة للعيان بالتراث … والفنان نفسه يعترف بذلك بضرب من التكريم للماضي الحضاري من دون ما مداهمة او تكريس مضلل ومن خلال بحث مشترك يلتقي به بعدد كبير من الفنانين العراقيين، وبالفعل، فمحمد الكناني له ميزة في انشاء اللوحة الفنية وفي تغطية الفضاء اللوحة بجدلية اصلية ذات سلوك سحري الذي يتجسد في التعاويذ في الاسطورة التي تلعب دوراً مهماً في رسوماته الصورية السحرية .
في اعماله الفنية كافة يعيد الفنان الكناني انتاج لغة تصويرية تراثية لا تنفذ من امكانياته الكبيرة والمتميزة … خاصة وان الفنان يتخذ من سطوح اللوحة المشغول وغير المشغول امكانية جديدة لعمل حر لايبالي كثيراً بالقيم التصميمية فعلى سبيل المثال … نجد في الكثير من اعماله … طبقات من المعالجات السطحية الملمسية واللون والرسوم شبه المحفورة والخطوط المتكونة واحدة فوق الاخرى، بحيث تقترب النتيجة النهائية للعمل من سطح وثيقة سحرية قديمة اثر فيها الزمن مثلما اودع عليها الكثيرون رموزهم المشتركة والشخصية .
لعل هذه النتيجة النهائية هي التمثل الوحيد لدى الفنان لكينونة الماضي في بعض نواحيه الشكلية والتعبيرية … والحال ان هذا الماضي يظهر بالكيفية التي تلقاها فيه كباحث عن الرؤيا الجدلية لهذا الفنان المبدع .

وهناك ثلاثة ضروب من التعبير الانشائي لدى هذا الفنان المميز (الكناني) الاول حر يعتمد على موضوع تخطيطي عام وتوزيع كيفي لبعض الاشكال العضوية والنباتية والرمزية والثاني يعتمد بالكامل على مونتيفات صغيرة مغلقة هي رديف كتابة تصويرية وضعت في حقول عمودية وافقية … اما الضرب الثالث فهو يتخذ شكل اتجاه حر يستفيد من رسوم حديثة من حيث التوزيع ونقاء الاحساس وكفاية التعبير الجوهري للخط .
وفي بعض الاحيان يدمج الفنان الكناني في بعض لوحاته هذه الضروب كلها في تأليف كامل متجاوزاً القيم الانشائية والتصميمية الى تغيير جمالي متعدد الابعاد يوحي بسر تكويني من دون ان يدلنا عليه … لكاننا ازاء رائحة الاستذكار تهيج فينا انطباعات ومشاعر منسية ثم سرعان ما تتلاشى .

يضعنا الفنان الكناني ازاء لغة كونية تخاطب جميع البشر – لغة تفهمها من دون اعمال فكر … فهي لغة احساس … لغة تجربة شاملة صامتة تتحدث عن الدرب الذي قطعناه في صيرورتنا كمخلوقات في ارحام مستديرة دافئة حتى وصولنا الى حالة بشرية منتصبة تعاني من اوجاع الظهر مثلما تعاني من اوجاع الثقافة والحاجة الى التغيير .
هكذا هو الفنان المميز محمد الكناني الذي يعبر عن رمزية الانشاء في خطاب تكوين الاشياء .
الفنان الدكتور محمد الكناني ولد في بغداد ، شارك في العديد من المعارض التشكيلية رسما ونحتا المحلية والعربية والدولية منها معرض الفن العراقي دائرة الفنون التشكيلية / مهرجان بابل الدولي / مهرجان الواسطي / معارض كلية الفنون التشكيلية / معرض الفن العراقي المعاصر جمعية التشكيلين العراقيين / معرض النحت العراقي المعاصر / معرض الفن العراقي المعاصر في الاردن ودمشق وتونس والامارات / معرض مشترك لمجموعة من فناني العالم فن المصغرات امريكا / معرض مشترك باريس / معرض مختارات من العراقي المعاصر في دمشق وبيروت وعمان وباريس واسطنبول .

المعارض الشخصية له معرض شخصي في كلية الفنون الجميلة في بغداد للسنوات 1990 و 1991 ومعرض شخصي اتحاد الشباب بغداد سنة 1993 ومعرض قاعة عين في عمان 1997 ومعرض قاعة الفن المعاصر في المغرب 2001 ومعرض قاعة مدارات في العراق 2009 .
وحصل على العديد من الجوائز منها : جائزة الابداع وزارة الثقافة العراقية بغداد للسنوات 2000 (مجال الكرافيك) و2002 (مجال الرسم) ، الجائزة الاولى / الملصق الطبي فرنسا 1989 ، جائزة اللجنة التحكيمية مسابقة شاكر ال سعيد 2001 .
حاصل على مجموعة من الشهادات التقديرية والفنية في داخل وخارج العراق منها شهادة تقديرية جمعية التشكيلين العراقيين ، المركز الوطني لحقوق الملكية الفكرية المهرجان العالمي للكتاب ، جامعة بغداد وزارة التربية / لجنة مهرجان السينما .
يعمل استاذ لمادة النقد الفني والدراسات الجمالية للدراسات الاولية والعليا ، عضو اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية في العراق ، عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية ، عضو جمعية الخطاطين العراقيين ، عضو اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ، عضو مجلس بغداد الثقافي .

لا تعليقات

اترك رد