تجلي المبتذل، فلسفة الفن لأرثور دانتو الجز الاخير

 

خلاصة
لماذا نعيش مع أشياء مملة؟ لماذا لا تكون جميلة مثل Brillo Boxes؟ آرثر دانتو

اعتبر كتاب La transfiguration du banal. Une philosophie de l’art (1) “تجلي المبتذل، فلسفة الفن” للفيلسوف الأمريكي الشهير آرثر دانتو (2) Arthur Danto (1924-2013) من أكثر البحوث استفزازية في فلسفة الفن التحليلية، إذ عمل على خلخلة العادات الراسخة في الفكر الجمالي بشكل أكثر فاعلية. فحسب رأي الكاتب، أن الفن يرتبط ارتباطا وثيقا بالتأويل والتفسير. فالتأويل يجعل الشيء يتسامى ويتشكل ليصبح عملا فنيا. (يستخدم دانتو بالتبادل، المعنى الأنطولوجي للشيء Thing والمعنى المعرفي Object، لتعيين الكيان الحقيقي البسيط الذي يعارض الكيان الفني.
في العام 1964، نشر آرثر كولمان دانتو، المعروف في الأوساط الثقافية الأمريكية كناقد فني مرتبط بالصحيفة الأسبوعية الأمريكية The Nation وبمجلة (3)Artforum المتخصصة في الفن المعاصر، مقالًا كان له الأثر الفعال في المشهد الفني/الجمالي، حيث أشْهَرَ مفهومَ “عالم الفن” Artworld، المفهوم الذي اعتُبِر منذئذ نوعا من نظرية الفن.
إن مفهوم “عالم الفن”، كما نظَّر له أرتر دانتو وغيره من النقاد الأمريكيين بالخصوص، ساعد على تحديد ماهية للفن والأثر الفني. وبما أن التحديد ذا يتأسس على خمس ركائز، يتوضَّح من خلالها أن القطع المصنوعة Artfact تعد أثرا فنيا، إذاً وفقط، استوفت الشروط أدناه، فقد اعتبرت، في آخر المطاف، حسب رأي المعارضين، تقليدية نوعا ما، وتتلخص الخمس ركائز فيما يلي:
الخضوع لشرط الغرض (condition of aboutness)؛
استحضار (شرط الأسلوب)، أي أن الموضوع يلمح لوجهة نظر أو موقف معينين؛
أن تتحقق المقاربة الفنية/الجمالية بصيغة بلاغية/مجازية؛
أن تتحقق إمكانية البناء الاستنتاجي من طرف المتلقي؛
وجود سياق تاريخي فني يضم العمل المقصود ويسهل إمكانيات التفسير والتأويل.
إن الشرط الأخير (وجود سياق تاريخي فني يرعى العمل المقصود ويسهل إمكانيات التفسير والتأويل) يحشر التعريف ضمن نوع من التقليدية المؤسسية. النظرية التي عمل على تطويرها فيما بعد الفيلسوف جورج ديكي، والتي تسمى في سياقات فلسفة الفن بالنظرية المؤسسية للفن (institutional art theory )، والتي مفادها أن العمل الفني شيء مصنوع Artfact، أنشأه فنان ثم عرضه على جمهور من عالم الفن Artworld.
اشتغل جورج ديكي على تطوير نظريته المؤسسية، حيث تمت مراجعتها وتنقيحها ثم نشرها. ويتضح ذلك بدءا من مقالته الموسومة (4)Defining Art، المنشورة في العام 1969، ثم إصداره في العام 1974 لكتاب «الفن والجمالية. تحليل مؤسسي” Art and the Aesthetic: An Institutional Analysis(5)، وبعده بعشر سنوات نشر كتابه (6) The Circle، الذي راجع فيه الشروط اللازمة لوجود أي عمل فني، والمتلخصة في الثالوث، الفنان والعمل الفني وعالم الفن.
حسب نظرية ديكي أن الفنان هو الشخص الذي يوظف فهمه ليساهم في إنجاز العمل الفني. والعمل الفني هو الشيء المصنوع الذي تم إنشاؤه قصد تقديمه لجمهور من عالم الفن، والجمهور، مجموعة من الأشخاص مهيئين لفهم الشيء المعروض عليهم. وللإشارة أن ما يطلق عليه عالم الفن ليس فقط مجموعة أشخاص، بل نظام نسقي (Systemic arrangement) متكامل، يتواجد بالضرورة لتقديم عمل فني أنجزه فنان إلى جمهور من عالم الفن.

الفن الذي تم إنشاؤه خارج الإطار المؤسسي يبدو من المستحيل إجازته. هذا ما توصلت إليه النظرية المؤسسية وما اقتنع به مناصروها. لكن المعارضين، من بينهم أرتر دانتو نفسه، واضع أسس النظرية، كان لهم طرح مغاير. فهم يرون أن مجموعة “عالم الفن” يمكن أن ترتكب أخطاء أثناء قيامها بتقييم وتصنيف الأشياء لتحديد ما هو أثر فني وما هو غير ذلك. فيمكن لعالم الفن، في بعض الأحيان، أن يزيح قطعة (Artfact)، ولا يصنفها ضمن الأعمال الفنية، لكن واقعها يشهد على عكس ذلك.
بعد مرور عشرين عاما تقريبا على نظرية ديكي، سيصدر أرتر دانتو كتابه The transfiguration of Commonplace حسب اللغة الأصلية للكتاب. يطرحه فيه نظرية أخرى مغايرة، رغم أنها لا تضع جانبا مفهوم “عالم الفن Artworld” لتعطي تعريفا جديدا للعمل الفني. ضرب دانتو أمثلة وهمية للمقارنة وليثبت أن التفسير حينما يتغير، تتغير بموجب ذلك هوية العمل الفني. كتب جان ماري شيفر في مقدمة الكتاب: “يتضح من المثال الخيالي الذي يفتح عليه الكتاب، أنه عندما يتغير التفسير، تتحول هوية العمل: يمكن أن يكون السطح الأحمر نفسه فنًا بسيطًا Art minimaliste) (مربع أحمر) أو على العكس عملا ذا حمولة سردية كثيفة (عبور العبرانيين البحر الأحمر)”. ص 15
فلا ينبغي الخلط بين التفسير الفني كما يفهمه دانتو والمتغيرات المختلفة للتفسير التأويلي. هذا الأخير ليس تأسيسيًا ولكنه توضيحي، ولا يتحقق إلا في حضور عمل منجز نهائي، ليشرحه على أنه علامة أو عَرَض أو تعبير عن واقع.
توصل دانتو إلى استنتاج مفاده: في مواجهة مثل هذه السلسلة من الأعمال المتطابقة لونا وشكلا وحجما… لن يكون لدينا بديل آخر للفرز، غير الذي يأخذ في الاعتبار الاختلاف في المحتوى. ويستنتج أن الشيء كي يكون عملًا فنيًا، يجب أن يكون قطعة أثرية تجسد معنى. يتجسد المعنى من خلال قصد الفنان، ورؤيته للعالم، وأن نتيجة تفسيره الفني، تؤدي إلى استنتاج شيء عادي (Object)، يرتبط ب”غرض” ما (Aboutness)، فيتجلى ويرقى إلى درجة الأثر الفني، وهي مايسمى التجلي Transfiguration.
يأخذ تفسير الفنان للعالم شكل استعارة إهليلجية، يتم استكمالها بعد ذلك بمشاركة الجمهور. وبالتالي، فإن نوع تأسيسي من التفسير الفني يتقاطع مع نوع من التفسير المعرفي: وهو تفسير جمهور عالم الفن.

إن مقاربة دانتو الجديدة لتعريف الفن قد أرضت المعجبين بالظروف الجوهرية لـ “أرث هود Arthaud “: إنه نهج وجودي، يعارض النسخة المؤسسية، بمعنى أنه يسعى إلى تجاوز الوصف الاجتماعي والاستعانة بمصادر خارجية لنظام لا يشكل سوى “Arthaud” أي صفة الفن أو حالته، تحت ظروف عدة شروط صارمة. فحيثما هي إذن متواجدة، فإنها ستوفر إمكانية صنع الفن خارج المؤسسات. ومع ذلك، من الواضح أن شرطي المعنى والتجسد -في حد ذاتهما، غير كافيين. وإلا فمن وجهة النظر هذه، يمكن أيضا، اعتبار نصوص النقد الفني والمقالات حول الموضة… من الأعمال الفنية. إنه في نظر المنتقدين لطروحات دانتو الفلسفية، يبقى شرطا ثالثا ملحا، تغاضى دانتو عن تقديمه. وهكذا، تبقى نظرية أرتر دانتو غير مكتملة…

هوامش ومراجع:
1- DANTO, Arthur. La transfiguration du banale. Une philosophie de l’art. Tr. Claude Hary-Scaeffer, éditions du Seuil1989
2ــ آرثر كولمان دانتو، (1924 ـ 2013)، فيلسوف وناقد فني أمريكي. كان رئيسًا للجمعية الفلسفية الأمريكية والجمعية الأمريكية الجمالية. على الرغم من أنه كتب عن العديد من الموضوعات (فلسفة الفعل وفلسفة التاريخ وفلسفة المعرفة)، إلا أنه معروف بشكل رئيسي بأعماله في الإستطيقا. يعتبر، إلى جانب نيلسون غودمان، من أشهر ممثلي الجماليات التحليلية الأمريكية.
ألف آرثر دانتو العديد من المقالات والكتب في الفلسفة والنقد الفني. إن سوء فهم مقولة “عالم الفن” التي أوردها دانتو في مقالته المنشورة عام 1964، قاد الفيلسوف جورج ديكي إلى صياغة “النظرية المؤسسية للفن” “institutional theory of art”. مما دفع بدانتو إلى الانفصال عن تفسير ديكي ليحدد أطروحاته الفلسفية حول العمل الفني في The Transfiguration of the Commonplace. A Philosophy of Art
3ـ Artforum هي مجلة أمريكية شهرية متخصصة في الفن المعاصر. تأسست في عام 1962 في سان فرانسيسكو، وانتقلت المجلة إلى لوس أنجلوس في عام 1965 قبل أن تستقر بنيويورك في عام 1967، حيث لا يزال مقرها الرئيسي اليوم. من أشهر المساهمين فيها: دنيس كوبر، إيف ألين بوا، آرثر دانتو، ماني فاربر، مايكل فرايد، روزاليند كراوس، غريل ماركوس، روبرت موريس، سيمون رينولدز، روبرت سميثسون، إدموند وايت، كليمنت جرينبيرج، بيل بيركسون أو حسنًا مرة أخرى دونالد جود.

4-                                                          American Philosophical Quarterly, vol. 6 (1969)
5-                     George Dickie – Art and the Aesthetic: An Institutional Analysis. Editeur : Cornell University Press, 1974
6-                 Dickie, George – The art circle : a theory of art. Ed. New York, N.Y. : Haven, 1984

لا تعليقات

اترك رد