لا أريد من الحب، سوى روعة النهايات !

 

عندما نغرق في الحب ونقع في غرام أحدهم وننتشي بعشقه إلى حد الثُمالة، لا نرى فيه عيوباً ولا نعاتبه على خطاياه ومهما فعلَ ويفعل بنا وبقلوبنا، نبتسم وتلوذ أفواهنا إلى صمت مطبق وكأننا في الحب نفقد أبجدية اللوم ولغة العتاب؛ فلا نشتكي من جنونه ونزقه، بل على العكس نختلق له الأعذار والمبررات ونمتثل لفلسفة الحديث النبوي ونهمس بداخلنا ” ألتمس للمغرم به سبعين عذراً بل تسعين عذراً”
فقط ، لأن قلوبنا تحت تأثير عشقه، نبرر له الباطل ونقلبه إلى حق ونقلب لأجله الحق إلى باطل، ننبهر به إلى حد الهوس ونراه وسيماً وكأن جمال الكون وكل الوسامة قد اُختزلت بملامحه، لا عيب فيه ولا عِوج وليس على الوسيم والجميل والمغرمين به من حرج..!
نعطيه ما يشاء بكرمٍ وسخاءٍ، دون تردد أو تلكأ ومن أجله نخفض من صوت الكبرياء ونطفئ ضوء الحساسية الشديدة كي لا يزعج النور الساطع عيون إحساسه ولا يؤرق مزاجه.
لا نعاتبه البته ولا نحاسبه؛ حتى إن أهمل مشاعرنا وترك عواطفنا الحُبلى باللهفة إليه مصلوبة على جذع الانتظار ..!!
لكن، ما أن تذبلَ وردة الحب ويذوي بداخلنا غضن الغرام، ما أن ينطفئ قنديل الحب ويحترق فتيله؛ حينها لا نكون معه كما كنا صبورين ونحن في مراسم العزاء وتشييع جثمان حبه إلى مقابر التجاهل لدفنه في صقيع اللامبالاة؛ تصير مزاياه الحلوة خطايا وحسناته وأعماله الطيبة معاصٍ وآثام..!!
لا نتقبل منه أي شيء حتى الجميل منه نراه قبيحاً ونتساءل في سرنا من أين جاء بكل هذه البشاعة والقباحة؛ نسأل ونتساءل ولا نعرف للسؤال والتساؤل إجابة وبعد أن تنقضي العدة وننتهي من حبه، نكتشف ” حين نقع في الحب لا نعشق بأعيننا ولا بعقولنا إنما نعشق ونهوى بقلوبنا ولهذا قالوا ” الحب أعمى” نعم، الحب أعمى عن عيوب وخطايا الحبيب طالما أننا نحبه ونبصر العيوب حتى الصغير منها حين يموت حبه له.
آهٍ منا ما أقسانا وما أقسى قلوبنا حين تخلع عن نبضها ثوب الحب؛ فكيف لحب عمره ملايين العواطف وآلاف المشاعر ومئات المواقف؛ ينتهي ويتلاشى في أيام معدودات من الخصام أو ربما ساعات!!
نتنكر ممن كان أغلى الناس وأعزهم على قلوبنا وعلى الفور نسحب منه جنسية التعاطف والتماس الأعذار ونمزق هوية الإحساس به، نكرهه إلى درجة الإزدراء من أفعاله وأقواله ولا نطيق سماع صوته؛ صوته الذي كنا نقتبس لبحته ونبرته أحلى القصائد وأجمل الأشعار، نكره صوت خطاه، تلك الخطى التي كنا ننتظر بشغف سماع إيقاعها وهي تطقطق على بلاط اللوعة من بعيد.
يا للغرابة كيف تحولت تقاطيعه الجميلة إلى ملامح باهتة وكيف انقلبت عواطفنا الملتهبة إلى جليد متجمد، إلى صقيع؟
كل البدايات. وفي كل العلاقات في اللقاءات الأولى تكون البدايات شهية جميلة ولذيذة المذاق
كل البدايات، تكون مترفة بالكلام الباذخ الناعم، المحلى بشهد المعاني وفي البدايات جميعنا يتعامل بأسلوب راقٍ وذوق مخملي رفيع..
أيعقل أننا نعيش في خداع وتناقض؟ أم أننا في الحب لا نكون بكامل وعينا؟
هل يا ترى كنا نعطي ونلتمس الأعذار وتعمى قلوبنا وأبصارنا عن خطايا الحبيب؛ فقط لأننا كنا نحبه وكنا نشبع غرور الأنا؟
إذن، نحن في حقيقة الأمر لم نكن في حب عميق وعن يقين ولم نكن في غرام حقيقي كما توهمنا في البدايات؛ لعلنا كنا فقط نحب أنفسنا من خلاله ونغذي جوع غرورنا وكنا نلبُس الغرور ثوب الحب؛ فليس من المعقول أن يتحول الحب إلى كراهية ونفور شديد وأن تنقلب في أعيننا مزايا الشخص إلى خطايا.
حسناً، لقد اختلفنا معه وصار الخلاف ما بيننا عميقاً وجدران التفاهم التي كانت تحرس مشاعرنا وتأوي قلوبنا قد تصدعت ولم يعد بمقدورنا الاستمرار وقد حان موعد النهاية ولكن لماذا لا ننتهي بهدوء وسلام ونساوي ما بين جمال البداية وبين جمال النهاية؟
لماذا لا نعيد بوعينا وإدراكنا صياغة جديدة لروعة النهاية؛ كما صغنا بمشاعرنا وعواطفنا روعة البداية؟
لماذا ونحن نفترق، لا نفترق بود ومحبة وشفاهنا يتدلى من شباكها عنقود الابتسامة؟
لماذا لا نعكس ثقافتنا وتفتح أزهار وعينا ونجعل لشهادتنا الجامعية وما تعلمناه وقرأناه الأثر الجميل في مشهد النهاية؛ لعلنا نفرح ونفتخر بأنفسنا بأننا لم نسرف سنوات عمرنا في الدراسة والمطالعة؛ إلا لنكون أشخاصاً أفضل وبأسلوب أجمل ونشكّل فارقاً كبيراً وملحوظاً ولا نتساوى في تعاملاتنا وعلاقاتنا مع الشخص الأمّي البسيط.
للتعب نهاية وللحزن نهاية وللحرب نهاية ولكل شيء في الحياة نهاية؛ فكما عودنا أنفسنا على تقبل موت أحبتنا وقبولنا بقضاء وقدر النهاية؛ علينا أيضاً أن نتقبل النهاية في الحب ولا نحولها إلى فاجعة تزيد من مرارة النهاية..!
متى ننتهي إلى عالم الجمال المطلق وننصف علاقاتنا الإنسانية ونتعامل معها بحيادية ووعيٍّ ونحب الحب ونبقى على حبنا للآخر وإن اختلفنا وافترقنا ولا نقلب طاولة الحب العامرة بالود القديم وبالعِشرة وبالذكريات إلى كراهية وحقد وضغينة؟
يا أيها العشاق، يا رفاق الحب القدامى، لا تلقوا بالحجر في نهر الحب ولا توقفوا مساره في قلوبكم ودعوه يجري كما كان في البداية وكما جئتم إلى الحب تحملون باقات الورد؛ احملوا الورد والود لبعضكم في النهاية..!
لا نريد من الأحبة في الحب سوى روعة النهايات وأن نآخي جمال البدايات مع جمال النهايات

المقال السابقالعراق يفقد سفيره الانيق
المقال التالىمن سواي يتحدث عن الأنهار
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد