فاتح المدرس: قيصر التشكيل السوري و كسر حواجز العزلة في دوائرها الزمنية


 
فاتح المدرس: قيصر التشكيل السوري و كسر حواجز العزلة في دوائرها الزمنية

فاتح المدرس أيقونة سورية بإمتياز ، وسلسلة جبلية تشكيلية تمتد من مشارف عفرين إلى السماء التاسعة ، مَعْلَم من معالم الحضارة السورية ، و من أبرز التشكيليين السوريين في القرن العشرين ، والذي قال عنه الفنان التشكيلي سرور علوان : ” فاتح المدرس و فان كوخ هما الفنانان الوحيدان اللذان يرسمان المئات من الأعمال الفنية بعد رحيلهما .
فاتح المدرس: قيصر التشكيل السوري و كسر حواجز العزلة في دوائرها الزمنية

“و ذلك لإبراز القيمة العالية لأعمالهما فيبدأ تجار السوق بتقليدها ، و لهذا من المستحسن قبل الإنتقال إلى قراءة أعماله ومحاورتها في مفاصيلها العميقة و الدقيقة لا بدّ من الإشارة بأن المدرس يشكل مرجعيتين ، الأولى مرجعية أسلوبية فهو من مؤسسي التجريد في سورية و من أبرز رموز الحداثة في الفن التشكيلي السوري ، و الثانية مرجعية الخيال الفني الحامل للقيمة الفنية الجمالية مع ضرورة الإشارة بأن صياغاته التداولية و على مساحاته الواسعة و الممتدة في اللازمان و المرتبط بالمتخيّل عموماً دون أن يغيب عن الذهن أن الفن التشكيلي ومع جميع الفنون الأخرى و في كل زمان ومكان تشكل أهم مصادر إنشاء علم التاريخ ، والمدرس دون أية مبالغة ساهم و مازال رغم رحيله منذ ما يقارب عقدين من الزمن / 1999 / و بقوة في ذلك و نعترف سلفاً بأن أعماله مفتوحة الجهات ،

فاتح المدرس: قيصر التشكيل السوري و كسر حواجز العزلة في دوائرها الزمنية

وتطل على السموات التسعة و لهذا ليست هناك أية محدودية للتساؤلات ، فأعماله بعتباتها الدالة على تلك الجوانب المتعلقة بالثراء المدهش في آلياته وألقها و بمتنها المستمدة من الأرض و الإنسان يجعلك تلاحق أدق التفاصيل ، وبلا إقرار نهائي ستحتاج إلى توسيع دائرة الفرجة و هذا تقاطع تؤكده مشروعية ولادة أسئلة موحية في إحالاتها الكثيرة و بلا شكوك ستخرج بتفاصيل إفتراضية حققته مسارات مقارباته للحكايا المنبثقة أصلاً مما تبقى من الذاكرة ،

و لإستكمال رؤاه في حضوره المترقب للذات و كذلك للكائن الماثل لأفعال جلها إشارات تتعاظم مع تداخلاته الجديدة تقنياً على نحو أكثر ، فكل رقعة منها ( من منتجه ) مشحونة بكم هائل من الطاقة و الضوء اللتان تساعدان المتلقي في تشكيل أفقه الغائم جزئياً والذي سيعوم فيه بالإضافة إلى جعله يتابع بدأب و نشاط تلك التفريقات الدقيقة و اللامتناهية في وظائفها و التي ستؤوله إلى عدم الإنزلاق في العدم ، وهنا أود أن ألفت النظر إلى أن بعض أعماله يمضي بالمتلقي إلى خلاف ما يتوقع و بالتالي لا يلبي حاجاته بل يرميه بين تلك الحاجات ليتحول فيما بعد إلى جزء منها ، وبالتالي سيدفعه إلى البحث عن مخارج توصله و دون بوصلة إلى حوار لا ينتهي ، قد يدفعه لاحقاً و مرغماً إلى الإختباء وراءها مع تحليل الجزء اليسير من عهودها التي تتجاوز التقسيم القهري للحالة ، و هذا ما يذيل نهاياته بأسئلة فيها من التعقيب الشيء الكثير ، ودون غياب لمظاهر تحولاته التاريخية و التي تجري ضمن فضاءاته تحتاج فقط لمسافة تواصلية حتى تقر بملحمة ما يقودك .

فاتح المدرس: قيصر التشكيل السوري و كسر حواجز العزلة في دوائرها الزمنية

فاتح المدرس يملك فلسفة جمالية و هذا ما منحته طريقة للفهم والحياة و بالتالي قادراً على رسم جسور يمكن أن نقرأ من خلالها المتخيل الفني و الإجتماعي معاً ، فهو يبتكر لغة تتكئ على رؤيا جديدة تختلف عن لغة التداول ، يبتكر لغة تجعله يستوحي تجلياته من سيرته الذاتية حيناً و من التخيّيل الذاتي في أحيان أخرى ، فهو يسهم كثيراً في بلورة الفكر الجمالي بعيداً عن اللغة المتخشبة ، فهو يهتم كثيراً بالعودة إلى الذات والتغلغل فيه مما يجعله يفتح مجالات واسعة جداً لقراءة المتخيّل في شطره ذي الصِّلة بأفق يعيش فيه بذهنية دونكيشوتية مع الإرتياد لمجالات من الممكن تأويلها بتجاوز عقباتها و ويلاتها ، فالمدرس يمارس شخصنة الأشياء بفكر نهضوي قواعد البناء فيه مأخوذة من تحولات سردياته بنزوعها الإطلاقي مع حضور العناصر الموروثة بإنطوائيته للتفاعل مع التكوينات المتسربة إلى حواريه ، لهذا يهتم بإعادة الخلق في كل تجربة ولهذا يرتاد أكثر المناطق وعرة علّه يدفعنا إلى إعادة تأويل جديد مبني على رفض الساكن فاللحظة تتحول بين أصابعه إلى قيمة تنظيرية و ببساطة فالمدرس يخرجنا من المقولات الموروثة بالقسر ليفتح لنا كوات و نوافذ لمفاهيم جمالية فلسفية دون أن يغفل آليات التكريس مع رفع مستوى العمل الفني إلى مستوى فلسفي قيمي ، و هذا يقربنا من مقولات يدفعنا المدرس بها نحو صياغات جديدة مع التمسك جيداً بلحظة الخلق أو بلحظة الإجتياح والذي سيدفع بالمتلقي إلى كسر حاجز العزلة في دوائرها الزمنية كلّها ..

لا تعليقات

اترك رد