لا ترحل ايها الزميل

 
اللوحة للفنانة صبا غالب

في البدايةِ كنتُ غصناً غضاً يانعاً …أتمرجحُ على شجرةِ الاماني …الّوحُ للريح ،لا اخاف لأنني واثقٌ انها لن تكسرِني او تسقطني ارضاً فانا اتمسكُ جيدا، اسقيها كي تظل صامدة تحملني على جذعها الصلب …لكني لم اكن أعلم ان هناك دودٌ ينخرُ فيها من الداخل …احملُ كتابي وطموحي واحلامي وأسيرُ قربَ الحائط ….أُكافح كي أُحقق لنفسي هوية ومكانة مناسبة بالمجتمع ليفخر بي اهلي وناسي …احاول جاهدا أن اعوضهم ايام التعب والحزن .
كنت في كل الظروف والحروب ملتزم بواجبي….وحين حلَّ الوباء على بلدي المتعب استمريت و طمأنت اهلي اننا سنعبر الازمة بخير طالما نحمي انفسنا بلبسِ الكمام ونلتزم بالتباعد الاجتماعي والتعقيم …..
وبعد ان مرت الايام اكتشف انه كان وهما واحلام يقظة ففي عالم يغط في فوضى وجهل وسفينة تغرق ،لن تحصل على الراحة والأمان واصبحت ابحث عن آلةٍ تعيدني للزمن الماضي كي اعيش الطمأنينة والسلام …حتى انني احيانا كنت احتاج الى صفعة قوية على وجهي كي أصدق ان ما يحدث يقين وهو قدري…. ربما هي طعنة اخرى في خاصرة الاحلام بعد كل تلك الحروب التي سرقت اجمل ايام العمر ……لكنها هذه المرة مزقت كلّ العمر .

أسبوعٌ مجهد استنزف طاقته في مستشفى العزل ….الوباء ينتشر…. لا يوجد سيطرة عليه و لا علاج شاف او لقاح …ورغم كل التحذيرات ….الناس تتجاهل التعليمات ولا تلتزم …. دخول المرضى اصبح اكبر من قدرة المستشفى على الاستيعاب ، الاسرة محدودة …….بدأ الكادر الطبي يصاب بالعدوى ويزداد الاجهاد على الباقين ….. لقد تم عمل فحص لجميع الاطباء ….انه لا يستطيع العودة للبيت لقد اشتاق لأهله لابنه لزوجته ووالده لكنه يخاف عليهم …..
اشرقت شمس جديدة وعلا نور النهار، حاول النهوض لكن الجسد ثقيل لا يقوى على رفعه ، مد يده يحاول ان يسحب ساعتهُ من المنضدة القريبة لينظر للوقت فسقطت على الارض وانفصلت العقارب…. لكنها لازالت تعمل…. تك تك صوتها يرن في اذنه ….الوقت يستهلك ذاته …يستهلك جسده … يستهلك حياته كلها ….لكنه وقت اخرس بلا مواعيد بلا لقاءات مع الاهل وقت قاسي لا يسمح له ان يضم ابنه الوحيد ويقبله ولا يسمح له ان يتناول (الدولمة من يد زوجته ).ولا حتى ان يجلس قرب والده ليتناقش معه حول حال العراق ووضعه الاقتصادي والسياسي والمستقبل المجهول ……اين الهاتف ؟؟ انه بعيد وضعته على الشاحن كم الوقت الان ؟ لقد نمتُ طويلاً اليوم لماذا لا اقوى على الحراك ؟
التور الصباحي …متابعة المرضى …حالة المريض فلان وتحضير الدم و البلازما لفلان …… وووووووووو
انني مجهد جدا …..اكيد الكل تنتظرني في الردهة
رن الهاتف …
نهض بصعوبة ليجيب ….
_مرحبا دكتور اين انت ؟ اتصلنا بك قبل ساعة و لا ترد؟
_في غرفتي بدار الاطباء تعبان جدا واعتقد عندي حرارة
_دكتور عيني نتيجة فحصك ايجابية وانت مصاب بالفايروس ليش ما ترجع ترتاح بالبيت
_ما اقدر اتحرك وما اريد انقل العدوى لأبي الكبير بالعمر سأحجر نفسي هنا بالمستشفى
_ انت تحتاج لرعاية خاصة ومتابعة و لا يوجد سرير فارغ بالمستشفى مع الاسف وانت تعرف الأسرة كلها محجوزة … الافضل ان تحجر نفسك بغرفة معزولة بالبيت حتى تشفى وان شاء الله تعبرها بسلام .. و ترجع لنا بأقرب وقت يا بطل حتى تستأنف عملك .
لن تحتاج الى رصاصة ليموت فيك الاحساس …انها فقط الخيبة تلك القنبلة النووية التي بامكانها ان تكسر كل اضلاعك وتحطمك لتجد نفسك بلا طاقة كزجاج مهشم لا تستطيع ان تلملم قوتك … فتبتلعك الموجة بدون اي مقاومة……
كيف سيخزن جسده شيء من التفاؤل و الايجابية وهو لا يجد حتى سرير في المستشفى الذي افنى حياته وهو يخدم فيها
تم حجر الدكتور في بيته بغرفة لا يدخل عليه احد سوى زوجته التي تلبس كل الدروع المحصنة وتتحدث معه من مسافة مترين تضع الطعام له على المنضدة القريبة تعقم السطوح وتفتح النافذة .. تمر الايام وهو يزداد سوءا…. لماذا كل الاشياء الجميلة تختفي فجاءة …لم يعد القمر رائعاً ولا صوت المطر ولا رائحة الربيع لم يعد للوجود طعم لم يبقَ سوى صرخة الالم تسكن جوفه المظلم …ليلقي ترانيم الحقيقة المرة …
اتصلت الزوجة بأحد زملائه المقربين تتوسل ان ينقلوه للمستشفى ليكون تحت اشرافهم انها قلقة جدا على صحته ….
اخيرا تم الحصول على سرير فارغ وتم نقله بسيارة اسعاف ….رحل من البيت على سدية ..زوجته ووالده يودعانه بمرارة …..رفع الاب كفيه للسماء فنزلت الدمعات لتغسل الخدين وصار يدعو بصوت عالٍ:
((اللهم اعده لبيته سالما معافى اللهم انت اعلم بحاله لقد افنى حياته وهو يعالج الناس يا الله لا تريني فيه شرا يا رب خذ من صحتي وعافيتي واعطيه )) ثم اجهش بالبكاء اما زوجته فقد حضرت كاسة ماء وسكبتها خلفه وهي تتأمل ان يعود اليها معافى ودمعاتها ترسم خطوطا على الخدين
مضى اليوم الاول و الدكتور في المشفى ورغم انهم اعتادوا فراقه بسبب العمل و الخفارات ولكن هذه المرة الفراق مؤلم جدا ….ربما سيكون الوداع الاخير
كان الكادر الطبي يحاول المساعدة لكن الامكانيات متواضعة لا يوجد جهاز تنفس فارغ و الدكتور تسوء حالته وينخفض معدل الاوكسجين في الدم و يدخل في غيبوبة…. تم توفير البلازما بصعوبة ولكن دون جدوى ….القلب حزين والعيون تدمع انه زميلنا الطيب والمتفاني بعمله …ابن دورتنا على سرير المرض القاتل و لاحول لنا و لا قوة …ياما تناقشنا حول هذه الحالة وتلك ….ياما ضحكنا سويا …ياما جلسنا وتعاونا العمل نرجوك لا ترحل وتتركنا
الكل ينظر اليه وعيونهم تقول اسفون جدا يا زميلنا و نعتذر جدا.. …. نحبك لكن العين بصيرة واليد قصيرة اننا نعلن فشلنا في انقاذك نعلن فشلنا في المساعدة، الفايروس اقوى منا والامكانيات لا تليق بمقامك ايها الدكتور القدير لقد بذلت حياتك وعمرك تركض بين الردهات حتى حفظت كل حيطانها واسرتها اكثر من بيتك …وداعا ايها العزيز ايها العراقي المخلص …. خرجت الروح لتحلق مع قافلة شهداء العراق….كان ينظر الى زملاءه بحسرة بعد ان تحررت روحه من الجسد المتعب…. يود ان يحتضنهم جميعا يود ان يقول لهم….احبكم واعلم انكم لم تقصروا بواجبكم لكننا في سفينة نخر فيها الفساد فغرقت بنا جميعا …احموا انفسكم ارجوكم لأجل اهلي… اننا ضحية لهم …ضحية لأطماعهم و جشعِهم …. ارجوكم لا تبلغوا اهلي بوفاتي….. ماذا سيحل بزوجتي المسكينة لقد ترملت مبكرا كانت تظن انها تزوجت دكتور كبير وستعيش افضل حياة ….ماذا سيحل بولدي الصغير انني حتى لم اشبع منه ولم اضمه لصدري لقد استعجل الموت ولم يمنحني فرصة كي اوصيه واعلمه ان يحب وطنه واهله ولا يبخل بالمساعدة
وماذا سيحدث لابي المسن لقد فقد ابنه وسنده الذي دعمه ليكون طبيب كي يعالجه في كبره …..
كان زملاءه يحملوه ليدخلوه بالثلاجة ولكن لا مكان فارغ ….المكان ضيق جدا ….والجو حار جدا لابد ان يدفعوه بقوة……. ارجوكم ترفقوا بجثتي ولا تكسروا فقراتي العنقية …..
باليوم التالي ظهر الخبر في مواقع التواصل الاجتماعي…العراق يودع خيرة اطبائه….. …… الوالد صار يلوم نفسه …
_انا السبب …انا الذي أصرّيت ان يدخل ولدي كلية الطب لأفخر به انا السبب جعلته يفني عمره بالمشفى فتعرض للخطر والوباء ليموت شهيدا للواجب في بلد لا يقدّر المتفاني ….نم قرير العين يا ولدي ففي بلدي سيموت المخلص ويعيش الفاسد .

لا تعليقات

اترك رد