ساتيريكون: فلليني قراءة مختلفة للتأريخ الايطالي

 

البطاقة الفيلمية :
أنتاج: البرتو غريمالدي
سنة الانتاج: 1969
سيناريو: فريدريكو فلليني وبرناردينو زابوني
عن رواية الكاتب بترون
إخراج: فريدريكو فلليني

الحكاية الفيلمية:
يبدأ الفيلم بصراع من أجل رجل ،فهناك رجل يطارد رجلاً ،أنه مستعد للتضحية بكل شيء من أجله، وان يدفع أي قدر من المال لمجرد رضاه ،أنه متيم بحبه ويقلقه عذاب الحب، هذا الرجل سيصبح مع مسير الاحداث رجل بلا قيم ولا مباديء ،مادامت الظروف هي من يتحكم في سيرورة الحياة.

أحداث الفيلم فيما بعد كلها ستروى من خلال ذلك الرجل الذي كان يوماً ما يطارد الآخرين ليصبح هو مطارداً ،فهو الرابط للأحداث والخيط الموصل بين بعضها البعض، فخلال بحثه عن حبيبه الشاب يدخلنا فلليني الى عوالمه الغريبة ،يد تقطع والدم ينبض خلال العروق، ثم نراه في قلعة مهيبة متعددة الطوابق ،يشاهد مناظر غريبة ،نساء ورجال عرايا وفي مواقف غير طبيعية، أشبه بخليقة الرب الاولى، عالم كانت للغريزة فيه السلطة العليا ، وسط هذه الفوضى الحياتية تظهر شخصية الشاعر ،الذي يقابله بطل الفيلم، الشاعر هو الوحيد من بقي عنده شيء من المثالية والقيم ،وفي رحلته يأخذ معه البطل الى عالم الأثرياء والقصور ،فنشاهد البذخ والانحلال الذي دب في الامبراطورية الرومانية، القيصر يجلس وسط حاشيته ونساءه وغلمانه ،الخدم يحظرون خنزيراً مشوياً ويبدأ الجميع بتقطيع أوصاله بالسيف لتخرج من بطنه حمام وعصافير مشوية ،مأكولات كثيرة والجميع يأكل بنهم وشراهة ،ثم يشربون ويدخنون أشياء مخدرة ،البطل يمارس معهم الطقس وكأنهم في حفل فيما الشاعر ينظر بحسرة وانتقاد ، ثم يبدأ الجميع بالرقص ،رقص جنوني، هستريا الغريزة البشرية.
في مشهد لاحق يتحدث القيصر عن وسط هذا المجون عن الموت والمقبرة التي سيدفن فيها بعد موته ،يأخذ الجميع في رحلة نحو المقبرة ،يريهم النعش ،ينام فيه ثم يطلب منهم العويل والبكاء عليه .
– أريد مشاهدة آخرتي اذا مت ،أبدأوا … تصوروا اني ميت فعلاً
انها جوقة من المتملقين يبدئون بالنواح على القيصر… ينهض ويحكي لهم حكاية.
كان هناك رجل شنق في ميدان وعين حارساً عليه خوفاً من أن يختطف اللصوص جثته، في نفس الوقت مات رجل آخر في مكان آخر وزوجته ارهقت نفسها بالبكاء عليه وبحرقة، حتى عندما انصرف المعزون بقيت تبكي وتبكي الى جانب الجثة ،سمع الحارس بكائها فذهب نحو مصدر الصوت ،ماهي الا لحظات حتى كانت تبكي بين يدي الحارس، ثم راح يقبلها ،وانغمس الاثنان في اللذة ،وعندما فرغ من ممارسة الجنس خرج ليطمئن على الجثة فلم يجدها، ماذا سيفعل؟ سيقتلونني ويعلقوني مكان الجثة قال للمرأة ولكنها أبت ان تترك جثة زوجها المسجى ،يحكي القيصر هذه الحكاية فيما يغرق الجميع في نوبة من الضحك، انه يحذرهم ان يحدث مثل هذا الشيء بعد موته.
بعد ذلك يدخلنا فلليني في عالمه الفنتازي لنرى البطل يقبض عليه ويصبح عبداً من عبيد القيصر، ويساق في قارب يتجه نحو المجهول، على ظهر القارب يراه الحاكم فيعجب به، يتحول بطلنا الى إمرأة ويعقد قرآنه على الحاكم في حفل رسمي على ظهر المركب، لكن الثورة تقوم، الثوار يسيطرون على المركب، وامام الجميع تقطع رأس الحاكم فنراه يهوي فيما تطير الرأس نحو الماء، مع مسيرة القارب نرى قصور خاوية، ومطاردات، رجال المقاومة يحررون رفاقهم العبيد، الناس ترسل أولادها الى أماكن بعيدة ثم ينتحرون بقطع شريان ايديهم بموس، انها ثورة على السلطة ولم تكن ثورة على التغيير ،نسير مع البطل في رحلته بالعالم الفنتازي ولا ندرك ان كان هذا حلماً أم حقيقة ،فنرى عربة صغيرة ف ها طفل صغير أبيض بملابس بيضاء ،انه النقاء ،يصعدون به الى الجبل ، يجب ان يصل الطفل الى القمة، لكنه مريض، البطل يسير مع المجموعة التي تحرس عربة الطفل ،ينشب صراع بين الحراس ،قتال عنيف ينتهي بانتصار البطل وصاحبه، وعندما يعودان الى الطفل يجداه قد مات، انه موت البراءة والنقاء.
بعد ذلك نشاهد البطل في حلبة كبيرة يطارده رجل ضخم يضع على رأسه قناع حيوان، البطل يحاول ان يهدأ الوحش، سأفعل كل ما تريد لكن لا تقتلني، يصرخ… تتوقف المطاردة ويهرع الحكام الى الحلبة وهم يضحكون من البطل، ثم نرى الشاعر الذي ظهر في بداية الفيلم، وهو يركب عربة يحملها مجموعة من الخدم ،ففي عالم مثل هذا لابد للشاعر من ان يبيع مبادئه التي آمن من اجلها، يذهب البطل نحوه، يأخذه معه الى منزله الفخم حيث تعيش العشرات من النساء، فحش ومجون، وليالي عربدة حتى الصباح، يخاطب الشاعر البطل.
– كل هؤلاء النسوة لك، افعل ما تريد بهن.
لكن البطل فقد قدرته الجنسية منذ لحظة زواجه بالحاكم، يتلوى على الارض والنساء تحيط به ،يضربنه برقه، ثم بقسوة، لا جدوى ،فلن ينتصب قضيبه، يجهش بالبكاء.
يذهب مع صديقه الى الساحرة فهي الوحيدة من تعيد اليه قدرته الجنسية، يخرج من عندها فرحاً، فلا يجد صديقه، يبحث عنه فيجده طافياً فوق مستنقع من المياه مقتولاً، من قتله؟ كيف؟ ولماذا؟ هي الاسئلة التي يتركها فلليني معلقة.
ما ان يستعيد قدرته الجنسية، القدرة على مواصلة الحياة، حتى يموت الشاعر، يراه ملفوفاً بقماش أبيض وقد وضعوه فوق ربوة عالية، ينظر اليه نظرة الوداع، ويهم بالسير فيوقفه احد خدم الشاعر ويطلب منه الانتظار، يجب ان تنفذ وصيته التي اوصى بها قبل موته، يتساءل البطل ماهي؟ لقد اوصى الشاعر بثروته كلها لمن يأكل جثته، فيهجم الجميع على الجثة يفكون اللفة البيضاء ويلتهمونها، يأكلون بتلذذ وبنهم.
يهرب البطل نحو البحر، هناك قارب يأخذه نحو أفريقيا، فهو المكان الوحيد الذي لم تدنسه الحضارة، وهناك في جزيرة ما وسط افريقيا يروي البطل حكاية سقوط إمبراطورية.

2- الرؤية:
يبني فلليني فيلمه ،كسائر الرؤى الاجتماعية/ النفسية ،العميقة وفق محاور عدة ،تتداخل وتتعالق ،لتتمم هذه الرؤية ،كونها موقفاً مباشراً من الموضوع ،مثلما هي موقف صانعها من العالم وما يحيط به ،والذي يفرض عليه تقديم مثل هذه الرؤى في كل منجز يقدمه كونه صاحب رؤية وموقف ،وتأكيداً لترابط العلاقة بين الشكل الذ يتخذه والمضمون، بين رؤية الوعي والاداء.
ساتيريكون جاء مثل افلام فلليني الذي سبقته والذي سوف تعقبه ،تكرار لخزان الذاكرة والطفولة ،شيء من هواجسه ومخاوفه وهذياناته (2/1 8 ،جولييت والارواح ،المهرجون ،روما فلليني) وبعد ان رسخ أسلوبه الفني وتشكلت ملامح واتجاهات رؤيته، فبدى موضوع رواية الكاتب (بيترون) قد أغوى فلليني ما دامت تتحدث عن موضوعات طالما أغرته بالحديث عنها – وهو الذي لا يختار مواضيعه عبثاً- مثل كشف زيف النزعة الذكورية وادعائاتها الكاذبة ،وايضاً كشف الذات وتحريرها من اقنعتها، وتشريح النفس البشرية بأبشع حالاتها وفي انطلاقها مع غرائزها ، والتي ستجد لها صدىً في اعماله اللاحقة (مدينة النساء ،كازانوفا) .
ومثلما كان لهذا الصدى إيجابياته بتوجيه رؤية المخرج ابداعياً ،كانت له سلبياته أيضاً في فرض معطيات الخارج عن النص ،فرض يقلل من إمكانية استنطاق النص بما يثري دلالاته، ويطلقها بلا قواعد أو شروط ،وهذا هو المطب الذي وقع فيه فلليني ،حيث ركن خصوصية الحكاية (خواء الإمبراطورية) وموعظتها الاخلاقية ،كونها ليست رواية تاريخية بقدر ماهي رؤية معاصرة ،ليتخذ موقفاً مغايراً من موضوعها، هذا التغاير –الذي له الحق فيه- لم يقلل من الرؤية المبدعة ،ولم يقلل من موقف صاحبها الفكري ،الذي حدث انه همش رؤيته للفكرة الاساسية ،هذا التهميش تجلى خلف مواقف واحداث بدت تأملية ،ومحاور ذهنية بدت نفسية اكثر منها فلسفية ،لم تكن لها قوة المطاولة أمام ضعف الرؤية ،لتضفي على الموضوع تسطحاً أكثر ،لذا فان اي مقارنة بين (ساتيريكون) وما قبله (روما فلليني) ثم ما بعده (مدينة النساء) ستكشف لنا الارتباك في رؤية (ساتيريكون) ،والسبب عائد الى ان فلليني ليس محللاً تاريخياً بقدر ما هو رجل صادق مع نفسه ،هذا الصدق جعل منه محللا بارعاً عما يدور في اغوار النفس البشرية ،هذا الالتباس في الرؤية قاد الى إلغاء القراءة التاريخية وفارضاً رؤيته التحليلية النفسية كمعيار.
ما يؤخذ على فلليني هنا ليس موقفه من شخصية البطل الروماني ولكن سعيه لتفسير الحالة وان يحكم عليه دون ان يعطي مبررات التغيير الذي طرأت على سلوك البطل ،أو يقنع المتلقي بذلك ،بل انه قدم تفسيرات غير مقنعة من خلال منح الموضوع أبعاداً اجتماعية وأخلاقية ،غير موجودة أصلاً لتفسر البعد الاصلي للرواية ،وهو البعد التاريخي لساتيريكون والتي تجلت بوضوح في معناها (السخرية) او (المسخرة).

3 – الارتداد نحو الذات:
موقف فلليني الاخلاق الديني ،بالفطرة، يوجه وعيه الفني ،مثلما يوجه التزامه الحياتي ،وهو يتخذ موقفاً حدياً من قضية الانحلال الاخلاقي، عبر رؤية بشعة للإنسان عندما تنحط قيمَه ،وتسيطر عليه الغرائز ،وينزوي العقل أمام سطوة الشهوة، وهو ما يؤدي بالتالي الى انهيار البلدان والامم .
هذا الموقف مؤسس من تربيته الدينية الإنجيلية ،فالتحلل الخلقي متمثلاً في الفساد والجشع والجنس ،هو الخطيئة الكبرى التي أدت الى انهيار الامبراطورية الرومانية ،والاصح الافراط في الجنس ،مثلما الجشع في الاكل ،هي الخطيئة نفسها التي يدفع البشر ثمنها الى اليوم ،مادامت هي نفسها التي ادت الى انهيار جنة عدن ؛لذا هو يحب ان يرى الحياة على شاكلة ما يريد مبنية على المشاركة والحب والتفاهم ،وهي ميزات تبدو أقل ضرراً من الجنس وشهوته، وهي صورة حياته الخاصة مع شريكته في الحياة والتمثيل (جوليتا ماسينا)
هذه المنظومة الاخلاقية الكاثوليكية تدون حضورها في الوعي الثقافي الاجتماعي الغربي مثلما في وعيه الفلسفي والنفسي ،والذي يمكن رصده في وعي فلليني ،الذي بدى واضحاً ان وعيه الاخلاقي على نقيض مع وعيه الفني هنا ،فلم يستطع رصد المتغيرات ولا تحليل تجلياتها بعمق لتأسيس موقف مقنع من قضية الانحلال الخلقي ،فقد ارتكز على مفهومه الاخلاقي وإيمانه بها ،فبدى حكمه مؤسس بسذاجة غريبة على رؤية لم تبد كذلك، بناءً على المفهوم الديني عن علاقة التحلل الخلقي بالشر (قوم لوط جنسياً – قوم شعيب أخلاقياً) ،فكأن الشر هو الشر في ذاته ،في جوهره ،وليس الانسان عرضةً له ،وهي رؤية سيعود اليها لاحقاً بنفس التركيز في فلمه (كازانوفا) ،وبما انه رافض لهذا المعطى مقدماً فقد جابهه الفشل في تحليل بعده النفسي أكثر مما بدى في بعده الاجتماعي ،ورغم سقوط فكرة الشر الجنسي دينياً ،فجاهد في إيضاح صورة الرفض وكأنه يجنح لإبراز الانحلال عبر الافراط في الاكل بنهم وعبر الجنس الصريح والمثلية الجنسية ،ناسياً أن الحب في لحظة من لحظاته يتجلى بالجنس ،وأن الافراط في الاكل هو مرض نفسي أكثر منه شهوي ،وهو ليس بالعلامة الفارقة بين عالمين ،مما يجعل الحكم ظاهرياً غر مقنع بالمرة ،أن ما أراد فلليني التعبير عنه بدى مفبركاً ومختلقاً ،مدركاً في قرارة وعيه هذا الاختلاف لكنه من جهة أخرى يرى فيه الامثولة لرؤيته الفنية مثلما في رؤيته الأخلاقية، والاخيرة تدعم بشكل أو بآخر منظومته ، هذه الفكرة تجلت بوضوح في أفلامه المؤسسة على رؤية ذاتية ،ففيها كان أكثر وعياً ومستواً فنياً في التعبير عن عوالمه الذاتية ،فالفنتازيا هنا بدت مبالغاً فيها ،ومشكلة فلليني في أفلام مثل (جولييت والارواح ،2/1 8 ،انا اتذكر) كانت مشكلته هو شخصياً لذلك كان أشد قدرة في التعبير عن نفسه ومواجهته لها ،عكس ساتيريكون فانه مثل (كازانوفا) لم يستطع أن يعيش التجربة ،لذا لم يستطع أن يعبر عنها بنفس المستوى ، فكانت السخرية ،على غير ما يدل به عنوان الفلم، علامة فلليني الفارقة للتعبير عن رفضه الاخلاقي للفساد ،وتهميش الوعي الانساني حتى بدت في مشاهد الممارسة الجنسية وفي طقوس الاكل أقرب الى الحيوانية ،خصوصاً في مشهد المأدبة التي يقيمها الامبراطور ،فالأفعال مقززة ،وخالية من المعنى ،وتفتقر الى العمق ،ومسطحة في التعبير ،كما سيطرت الثرثرات على حديث معظم الشخصيات دلالة على الكلام الفارغ أكثر من الفعل.
التلذذ الجنسي بصورة المثلية كان الغالب على فعل العلاقات ،اما التلذذ بين كائنين طبيعيين فكان اقل فعلاً وتأثيراً ،ولم يبد عملية تواصل بين عاشقين ،لقد افرغ فلليني الجنس من محتواه كفعل انساني مبني على المشاعر، وجعله مبتذلاً ومسطحاً عبر صورة المثلية التي حكمت الشخصيات.
جاءت مشاهد فلليني الفنتازية أقوى ملمح لسيطرة الشر الاخلاقي ،في ذلك المشهد حين نرى عربة صغيرة بيضاء فيها طفل صغير بملابس بيضاء ، يصعدون به الى الجبل (الصعود للسماء رمز النقاء) ،الطفل مريض وكأن الوصول الى فوق هو الشفاء ،لكن الذين يحرسون الطفل ومعهم البطل يتقاتلون ببشاعة ،ينتصر البطل ولكن الطفل يموت ،هذا المشهد يحمل الكثير من الرموز والمعاني من خلال صور سريالية ،من هو الطفل ؟ هل هو المخلص؟ هل موته يعني ضياع البراءة؟

4- التماثل الجمالي للواقع:
من المتعارف عليه رؤية فلليني الفنية ،الشكلية الاسلوب ،وهي رؤية طبعت مجمل اعماله السينمية ،مشدداً على الوسيلة التعبيرية للسينما بوصفها أمثولةً اجتماعية في النقد والاصلاح ، رغم ان مثل هذا الموقف هو شخصي أكثر منه موقفاً ايديولوجياً ،وهو ما يتكرر في اغلب نماذجه الفيلمية ،مثبتاً عن طريق الصورة ان السينما هي في الواقع أفضل الطرق للروي ولعرض هذه التحليلات ،من خلال التشكيل البصري المميز وتكوين الشخصيات.
في ساتيريكون يلجأ فلليني كما سيلجأ في فيلمه اللاحق (كازانوفا) على المضمون وعلى التركيز في نقد البنية الاجتماعية ،ولكون الحكاية تاريخية ،وبحكم رؤية فلليني ومسعاه لتهديم النموذج العلوي للإمبراطورية وأمثولاتها الاجتماعية ،لجأ الى النقد الاجتماعي ،صوب الشهوة ،الجنس، اغواء السلطة، غياب الفضيلة ،بوصفها مواقف اجتماعية اسهمت بخوائها الى ظهور النموذج الروماني بسطوته وفحولته ،وقوته ،وحتى في ملامح شكله الخارجي، فكان لابد من تهشيم هذا النموذج كي يقطع الصلة بأسطورة الماضي الباهر ،وعدم ظهور شبيهه مستقبلاً.

5- حداثة الصورة ودلالة الوعي :
أراد فلليني في رؤيته الخلاقة للصورة الفنية ،ودلالات الوعي الفكري والاجتماعي لديه ،أن ينسجما في صورة مشتركة لكن بدى ذلك واضحاً على حساب الرؤية الكلية للمنجز الفيلمي ،بسبب تسلط الوازع الاخلاقي ،والوعي الفكري بمضامينه الاجتماعية على حساب الصورة الفنية.
صورة الانسجام المشتركة هذه تجلت في عملية الاستبدال الفني ،أي تحويل صورة الامبراطورية الرومانية الفاسدة من سطحها الحسي الشهوي الى صورة عن طريق الفن تبدو أقل ضرراً وخطورةً ،وتحويل الواقع المدنس وتغييبه لصالح قدسية الصورة وجمالها.
جاءت صورة فلليني وحداثويتها في التعبير كبديل لعالم مدنس ،لتعطي نفس الاحساس ولكن بلا قذارة وانحطاط أخلاقي ،فهو يؤمن كما (برغمان) السويدي بقدسية الصورة وبراءتها لذا وجبت ،عنده ،ان تحل محل الواقع الغارق بالرذيلة وتخفف من وطأته ،على اعتبارها ،الصورة ،حسية.
لقد أصبحت السينما كرسياً للاعتراف بديلاً عن كرسي الكنيسة ،ولكن الفرق ان الافلام هي من يعترف بذنوبنا وخطايانا ،ونستمع اليها بانبهار وشغف، هذه الصورة للاستبدال هي التي حاول فلليني ان يجدها كحل للتناقض بين فنيته الحسية ووعيه الاخلاقي ،فكانت بعض المشاهد تدور في وسط الصحراء تحت ضوء القمر كمشهد البطل مع الشاعر ، او يتخللها رؤية ضبابية حلمية او تخيلية ،وكانها الوجه الآخر للبطل ،فلليني يشكف الذاكرة ،الاحلام ،عالم العقل، يوضح الصراع النفسي عن طريق الالوان ،فكان الاحمر للجنس ،واللون الشاحب غير الفاقع دليل الطفولة والبراءة ،والاخضر العنيف والبنفسجي للماضي ،والابيض لصفاء الروح.
أن اختلاط الحلم بالواقع يكاد يكون شديداً لدرجة أننا لا نستطيع في أغلب الاحيان ان نعرف الحلم أين ،والواقع أين، أين تتجسد الحقيقة ،وأين الخيال ،أنه في اغلب الاحيان يبدو الفيلم كله ليس إلا حلماً.
أن قناعة فلليني بالبديل الفني ترتكز عميقاً في رؤيته وتمثل ذروة موقفه من العالم ،تفتقر الى الواقعية بدليل تأكيده على اللاواقعية شكلاً ومضموناً ،فيجنح دائماً نحو الاحلام والصور السريالية.

6- صراع القيَم والافكار:
عندما يختار مخرج ذو وعي وبصيرة وله رؤية فلسفية محددة سلفاً من الكون والوجود مثل فلليني موضوعات افلامه ،دليل على ما يريد تقديمه بالضبط ،فما المسوغ من اختيار حكاية بترون هذه ،بالتأكيد أنه لم يبغ تحليل الحكاية تاريخياً ،أنما ذهب الى ابعد من ذلك الى تأكيد رؤيته الاصلاحية وموقفه النقدي الاخلاقي، لذا وجد في ساتيريكون مبتغاه لتهشيم هذه الرؤية وافراغها من رموزها ،وكذلك لكون الحكاية في بنيتها الاصلية إيطالية شكلاً ومضموناً وبالتالي هذا يدعم الحدس النقدي عنده.
ركز فلليني على الرموز الاجتماعية كي يجد فها عوناً لنقد البنية الاجتماعية ذاتها، من وجهة نظر اصلاحية ،لذا وجد في هذه الحكاية تعضيد لموقفه الاخلاقي الرافض للانحلال والفساد الذي بلغ بالإمبراطورية الرومانية حداً أدى بها الى انهيارها المطلق وهي أخطر ما يتعرض له الدين من تهديدات.

جاء اختيار فلليني لساتيريكون ،إشارة زمانية ومكانية، في لحظة التحولات الاجتماعية (صراع الطبقات ،الانفتاح الجنسي ،اختلاف القيم) والسياسية (احتلال القوى الكبرى للدول الضعيفة ،اغتيال وتصفية الرموز الوطنية) نهاية الستينات من القرن المنصرم ومطلع سبعينياته ،لحظة يعيشها العالم بدت كتلك التي انهارت بها الدولة الرومانية ،فكان توقيت فلليني لها كنوع من النضال الاخلاقي ضد التفسخ ،لذا صاغ نموذجه الفيلمي بالطريقة التي تنسجم مع رؤاه وأهدافه ،فأفرغ الشخصيات من انسانيتها ،وأعلى صبغة الشهوية في تصرفاتها ،مدخلاً حكايته الفنتازية الخالصة وسط حكاية بترون لتدعيم قراءته لخواء الحضارة ،وتعريتها من خلال دلالات افعالها ،فكان مشهد الافتتاح وكأن الشخصيات بأقنعتها وملامحها المزيفة تغطي وجه الحقيقة ،وتمارس افعالاً غير التي تنبع من ذاتها.
أن عرض فلليني لهذه القضية النفسية عن طريق قراءة الماضي ودمجها بالحاضر في رؤية واضحة للمستقبل من خلال الاحلام والعالم السريالي ،لا تخفي سخريته وكراهيته لهذا العالم الزائف الذي يرى أن سبب سقوطه واندحاره هي نفس القيَم والافكار التي يتداولها الجيل الحالي ،لذا حرص على نبذه عن طريق هدم النموذج العلوي التي تتفاخر به الاجيال.

لا تعليقات

اترك رد