هاوكار رسكن بغرابة يتداخل مع حواسه في تدفقها

 

هاوكار رسكن (1984 أربيل) فنان الفعل و العمل ، لا يحلم فحسب بل يترجم أحلامه إلى وقائع معاشة ، لا حدود لأحلامه و بالتالي لا حدود لأفعاله ، فهو أشبه بمعزوفة مستديمة العزف ، لا يتوقف ، بل هو سيمفونية إنسانية ينبض بالعزف على إمتداد النبض ، يفكر كثيراً ، و يتأمل بشدة في أفكاره ، لا وقت لديه لثرثرات فلاشية ، و لا لمشاريع وهمية ، بل لا وهم في قاموسه ، كل الأهداف قريبة من نباله ، لا يهدأ ، فالوقت عنده حقاً من ذهب إن لم يكن من الألماس ، يوظفه لنوتاته بالشكل الذي يحب و بالشكل الذي ينسجم مع رؤيتيه ، الفنية و الإنسانية ، يعالج الفراغ بلغته الملتهبة بالعاطفة الكردية الشرقية ، يقف في مصاف الفنانين الكردستانيين المهمين ، و قد يكون سفيرهم ، بل سفير شعبه و أحلامهم .

قلنا أنه فنان فعل و عمل ، فهو يعد أول من أسس غاليري خاص في كردستان العراق و في ظروف لا يمكن لفنان عادي أن يفعلها ، و هو صاحب فكرة تحويل سجن المحطة في وسط أربيل إلى متحف للفن المعاصر ، و كان له ذلك ، فبإصراره مع مجموعة من الفنانين الكردستانيين

كاروان مامند بيريال – حميد رضا …. إلخ ) إستطاع أن يحول الحلم إلى عمل ، فمحطة القطارات التي أنشأها الإنكليز في أربعينيات القرن الماضي و التي تحولت إلى سجن كبير فيما بعد ، و الذي كان يعرف بسجن المحطة أو بسجن وادي الموت كما كانوا يسمونه باتت متحفاً للفن يضم أعمالاً متميزة لفنانين كردستانين و عراقيين و من جهات الأرض الكثيرة ، و هو الذي أسس مجموعة تشكيلية حملت إسمه و أقامت على مدار سنوات فعاليات للرسم الحر حملت إسم الجهات الأربعة يقصد كردستان و يضم فنانين تشكيليين من جهاته الأربعة ففي فعاليته الرابعة و التي كانت في عام 2017 ضمت أسماء تتوزع وفق جهاتها ، فمن الجنوب / كردستان العراق كان حاضراً كل من محمد فتاح ، صالح النجار ، ماهر ستار ، شارا رشيد ، مثنى البهرزي ، رزكار فقي عولا ، محمد حميد ، بيمان إسماعيل ، دلشاد تايلو ، و من الشرق/ كردستان إيران كل من محمد رستم زاده ، سارا ته لايي ، و من الشمال / كردستان تركيا بنيامين كاراكوج ، و من الغرب / كردستان سورية فرهاد خليل ، فهو الذي لا يدع دائرة الفن التشكيلي تهدأ في كردستان و لا يتعب في دفعها و تحريكها ، و ما إن غزت كورونا في النصف الأول من عام 2020 كرتنا الأرضية حتى أسرع إلى مبادرة عملية أخرى فقام بتنظيم معرض أونلاين في غاليري شاندر بأربيل شارك فيه فنانون كثيرون ، من كردستان و العراق و الهند و اليونان و مولدافيا و مصر و سورية ، و لن تكون هذه المبادرة الأخيرة له فهو دينمو التشكيل في كردستان العراق .

رسكن يسبق الزمن ، يعيش الغد ، و لهذا يرفض المشهد الثابت ، يرفض السكونية التي لا تحيي و لا تذهل ، فكل المشاهد بخروجياتها ، و تكويناتها ملاحم للروح ، ملاحم لإشتعال الفراغ بنفس الآلهة ، تداهمه عفاريت التجريب ، لا بعراكها و لا برائحة دخانها ، بل بعوالمها المنغمرة بجماليات تعبيرية تنحاز للإدهاش حيناً ، و للغرابة في حين آخر ، بعوالمها المنهمرة بزهو الضوء و ذرائعيته ، و بقسوة الإحتمالات و الإستغاثة بمناهلها ، و بعيداً عن التصنيف الذي بات مرضاً يلاحق العمل الفني حتى يرديه قتيلاً ، أقول بعيداً عن المساطر الجاهزة و المعلقة فوق العمل الفني تنتظر الحكم ثمة حواس تلد منها ، حواس ملتحفة بزحام شديد ، لا مرارة تعتري طريقها ، و لا شطايا تقترب من أرتالها ، ثمة حواس تتلاطم في تدفقها ، و تتماهى في إجتيازاتها ، فما وراء الحالة حالات ، و ما وراء الصرخة صرخات ، و ما وراء السلك الشائك أسلاك ، هذه المارائيات هي التي تبكي ريشة رسكن ، و بدموع غزيرة ، فالألم و الأمل توأمان ، أحدهما قد يسبق الآخر ، و لكن في النتيجة يمسك رسكن بإذن الأمل و يجره إلى عمله ، ليمشيا فيما بعد معاً و بتحقيقات ملموسة ، بين أعشاب سيريالية لكن بشحنات تعبيرية مع قدر من توترات النفس و إنفعالاته ، فهو لا يلغي المعاني بل يكثفها ، محافظاً على ذاته برقابة و وعي ، ملخصاً بناءه القادر على إستعاب عواطفه و أحاسيسه بقدر كبير ، مكتفياً بهموم التجربة و متعتها ، تاركاً الإنتظار و اليأس في محطة لم تعد القطارات تمر منها ، فالطاقة التي بها يتألق رسكن توسع من دوائر الذاكرة لديه ، و تشحن خياله بإشارات تصبغ فضاءاته بإتجاهات مرسومة جميعاً بالتأمل في الأشواك و إستنشاق العطر الذي يجعل لحضوره حركة و معنى ، و لهذا فهو من وقت إلى آخر و بتأكيدات بصرية مشدودة إلى الضوء و وهجه ، ينتزع صياغاته من عفوية غير ظاهرة ، من تلقائية تجعله يثق بريشته و ما تخطه إلى حد التوازن الروحي مع الأشياء و مفرداتها ، و في منحى آخر فإن رسكن يخطو نحو ما يمكن إعتباره مجموعة عمليات متميزة كترميز المعلومات و تخزينها ، و تكوين المفاهيم و إرتقائها ، و إنتاج اللغة و إستجاباتها ، و يمعن في عوامل التماسك الهارموني بين كل ذلك ، كما يمعن في التفاعلات التي تتم داخل كل مستوى من مستويات بنية عمله الفني ، فوجود قدر كبير من الخبرة لديه يجعله يشحن هذا العمل بطاقة بصرية ستنبعث منه متوجهة نحو المتلقي ما إن تقع عيناه عليه ، و بالتالي يدفع بالمتلقي أيضاً نحو توليد الطاقات لديه لتتجه بدورها نحو العمل ، فهذا التزاوج بين الإتجاهين في عملية إرسال تلك الطاقات تجعل العمل و المتلقي معاً عملاً بصرياً آخر ، فالتنظيم البصري هنا يحضر بعيداً عن قرارات المكان و الزمان ، يحضر كحالة من التمرد ، كحالة من الرفض لتداعيات الماضي و مناخات الحاضر ، و القيم الجمالية تنعكس من إسقاطاته البصرية كالندى و هي تستيقظ صباحاً في يوم ربيعي ، و تجري في شقوق الروح حتى تدرك أحلامها و مزاميرها لتزهر الجلنار في فصولها العشرة ، و تمنح البدايات و اللانهايات رغبات تصويرية تتفتق في جسد العمل إلهامات تجري في نسغها إيقاعات لونية تعزف مع الملمس على المساحات بأكملها .

تزخر عالم هاوكار رسكن بلغة مفرداتها مقامات لدلالات تظهر عمارته الدقيقة من منطق تحرير قواه الحيوية و خيالاته ، و الذي يجعله يتخلص من الأطر المعروفة ، فلا تمجيد لديه ، و لا تفضيلات سابقة ، له منحاه الذي فيه يُفَعِّل كل مقولاته و رموزه و تخيلاته و أحلامه و هذه بمنزلة رد فعله الحساس المضاد تجاه السلوكيات المتداولة ، السلوكيات التي أزاح عنها نطاقها ، و الأمر شبيه هنا بتلك الصدمات التي تنتمي إلى ماضيه البعيد القريب ، مؤكداً أن المسافات و إن كانت وهم فهي تزيد أو تقل من الإحساسات المقلقة و المثيرة للخوف و التوتر ، أو السارة المرتبطة ببهجة ربما لن تكتمل ، أو التي تمتزج بينهما ، بين الرعب و الدفء ، و بين الغضب و المرح ، و بين الإنتقام و الأمان ، فهو شديد الحرص على مشاركة متلقيه بحقيقة ما ينتج و ما يحصل ، فالمشاعر و الأفعال التي يصعب التعبير عنها في الواقع يتم تحويلها إلى حالات خيالية موجودة بحرية مطلقة في أعماله ، فالمسألة إنسانية و معرفية و فنية ، و هذا ما يجعله ينجح في جعل الآخر / المتلقي في حالة إنتباه و يقظة على نحو كبير ، يجعله يُثار و ينتظر المفاجآت غير المتوقعة طبعاً من باب التنبيه الحسي للأشياء و هذا مستمد من الأفكار العامة و المجردة معاً و ما يرتبط بهما من مخاوف و منغصات لا تكتفي بالحضور بل بالتدمير .

لا تعليقات

اترك رد