هل قانون قيصر للضغط على روسيا للوصول على تفاهمات سياسية في سوريا ؟

 

سعت أمريكا لإقناع نظرائها الأوربيون بنسخ التجربة الإيرانية في سوريا عبر إتباع نهج جديد يقوم على فرض الضغط الأقصى على دمشق بتطبيق 10 إجراءات سياسية وعسكرية واقتصادية لدفع موسكو إلى ممارسة ضغوط على دمشق وتقديم تنازلات جوهرية تتعلق بملفين الأول تحديد النفوذ الإيراني في سوريا وإجراءات إصلاحات وفق القرار 2254 كافية لعودة اللاجئين وتحقيق الاستقرار في سوريا.
لكن موسكو لم تقم بممارسة الضغوط على النظام السوري كما تريد واشنطن ودول غربية على دمشق، فأصبحت أميركا أكثر ميلا إلى دفع دول أوربية لتبني نهج الضغط الأقصى، لكن موسكو تراهن على الصبر الاستراتيجي، لذلك سيبقى التواجد العسكري الأمريكي في شمال شرقي سوريا وتحديدا قرب حدود العراق لقطع طريق طهران بغداد دمشق بيروت، ومنع الحكومة السورية من السيطرة على منابع النفط والثروات الاستراتيجية شرق الفرات.
وللمرة الأولى تشن الطائرات الروسية غارات على مثلث الشمال بين أرياف حماة وإدلب واللاذقية منذ سريان وقف إطلاق النار وهي منطقة تنتشر فيها هيئة تحرير الشام النصرة سابقا وأنقرة الداعمة لتلك الفصائل تسببت الغارات في نزوح قرابة مليون شخص خلال ثلاثة أشهر، وبموجب اتفاق هدنة بين روسيا وأنقرة تم تسيير دورية مشتركة بين الطرفين تسمى باسم إم فور تفصل بين مناطق سيطرة النظام والفصائل، أي أن أمريكا تدعم تركيا في الشمال الغربي من سوريا كما تدعمها في غرب ليبيا ضد التواجد الروسي.
ومن أجل منع حصول روسيا على استقرار استراتجي في سوريا تمنع أمريكا الدول العربية البدء بتطبيع أي عملية سياسية ودبلوماسية ثنائية أو جماعية مع دمشق كما تطالب موسكو التوقف عن أي إعمار.
كان مجلس الأمن نجح بصعوبة في 10 يناير 2020 في تبني قرار 2504 بتجديد عملية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى ملايين السوريين المحتاجين في شمالي شرقي سوريا وشمال غربها استنادا إلى القرار 2165 لعام 2014 ولكن من خلال معبرين على الحدود التركية وجرى استبعاد معبري الرمثا مع الأردن واليعربية مع العراق لمدة ستة أشهر تنتهي في 10 يوليو 2020، وتضغط الولايات المتحدة على الدول الأوربية لإعادة فتح اليعربية أمام المساعدات في ظل اعتراض صريح من روسيا والصين.
ومع بدء تنفيذ قانون قيصر انتقدته موسكو وطهران الذي يضع أمام موسكو تحديات جديدة حول قدرتها على المحافظة على الرئيس السوري بشار الأسد، واعتبر نائب وزير الخارجية الروسي المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف أن قانون قيصر يضر بالعمل المشترك مع المجتمع الدولي والهادف إلى مساعدة السوريين في تجاوز أزمتهم على أكمل وجه، وتطال العقوبات الأمريكية الأجانب العاملين في الشركات العسكرية الخاصة أو المرتزقة أو أعضاء الجماعات المسلحة الذين يعملون لصالح أو نيابة عن حكومة سوريا أو الاتحاد الروسي أو إيران وفق تصريحات وزير خارجية أمريكا الذي قال لن نتوقف حتى ينتهي الأسد ونظامه حربهم الوحشية التي لا طائل منها ضد الشعب السوري، يذكر أن الذين تم تسمية أسمائهم في لائحة العقوبات الأولى بموجب القانون مدرجون منذ فترة طويلة في قوائم العقوبات للولايات المتحدة والاتحاد الأوربي لكن بموجب القواعد الجديدة سوف تهدد العقوبات كل من يتعامل معها.
يعتبر قانون قيصر اختبار لقدرة روسيا على الحفاظ على النظام السوري بسبب أن العقوبات الأمريكية تضرب التعاون الروسي السوري.
تم تمرير هذا القانون بأغلبية ساحقة في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب منذ ستة أشهر ووقع الرئيس ترمب ليدخل حيز التنفيذ، متزامنا مع تقرير صدر من الأمم المتحدة الذي حمل نظام الأسد مسؤولية استخدام السارين أو الكلور في ثلاث هجمات متفرقة في عام 2017، وتعتبره الأمم المتحدة وأمريكا أن الهجمات التي شنها النظام بمساعدة ممكنة من الإيرانيين والروس، والتي دمرت سوريا وشعبها وخلفت نحو 500 ألف قتيل وتهجير أكثر من 13.5 سوري، وقانون قيصر يجرد الأسد من الحصول على كل السلع أو خدمات أو تكنولوجيا ذات صلة ، ويتم استخدامها عسكريا ويستهدف القانون حتى المرتزقة والجهات الأجنبية الفاعلة التي تديم الصراع بالنيابة عن النظام وحلفائه، ويتمتع قانون قيصر بتأثير طويل الأمد، ويهدف على حرمان النظام وممكنيه من أي استفادة اقتصادية محتملة من أي انتصار عسكري.
ترى الولايات المتحدة أن قانون قيصر خريطة الطريق الوحيدة وتراها ليست حيوية فقط للشعب السوري بل حتى للاستقرار الإقليمي، وتشعر واشنطن أن التراخي الأمريكي حتى أصبحت سياسة بوتين في الشرق الأوسط من أن كل الطرق يجب أن تؤدي إلى موسكو، ولم يعد ممكننا العمل على تسوية أي ملف إقليميا كان أو دوليا من دون أن يؤخذ رأي الكرملين في الاعتبار، حيث هناك تطورات الموقف متسارعة ميدانيا في سوريا، وأرادت روسيا الحسم العسكري في إدلب لولا ترك اليد التركية تساهم في وقف الحسم العسكري في إدلب، وكذلك إلى النشاط الروسي المتزايد في الملف الليبي، واستفادت روسيا من تعزيز وجودها في سوريا بأسرع معدل لها منذ أكتوبر 2019 حين انسحبت القوات الأمريكية من بعض أنحاء سوريا، وسارعت موسكو لملئ الفراغ وإلى الحشد السريع لتصبح أيضا بطاقة ضمان في حال فشل اجتماع بوتين أردوغان وفرضت أنقرة قيودا على مضيق البسفور أو مجالها الجوي مع التكثيف الدعم اللوجستي للجيش السوري، وروسيا تعزز وجودها العسكري في سوريا وتستحضر التاريخ العثماني الروسي في 1877- 1878 التي وجه الأدميرال ماكاروف الضربة الأولى للبحرية العثمانية في الحرب العثمانية الروسية المعروفة باسم حرب 93 وكذلك قصف السواحل العثمانية في الحرب العالمية الأولى من عام 1911 – 1917 وهو ما أدى إلى اتفاق بين بوتين وإردوغان في 6/3/2020 يبدأ بوقف النار ثم دوريات روسية تركية على طريق حلب واللاذقية.
تتدهور العلاقات بين روسيا وأميركا بشدة، ففي مايو 2020 قامت القاذفات والغواصات الروسية بدوريات قريبة من السواحل الأمريكية وحلفائها في الناتو، ما جعل واشنطن تنسحب من معاهدة الأجواء المفتوحة وهي معاهدة دخلت حيز التنفيذ عام 2002، وترى واشنطن عودتها مرهونة بالتزام موسكو التام ببنودها.
رغم انه في الحوار الروسي الأمريكي قال المبعوث الأميركي جيمس جيفري بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران، وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن انه يؤمن أن للحوار الروسي الأميركي دورا رئيسيا وانه يشجع الطرفين على مواصلته.
أمريكا منزعجة من الانسحاب الإيراني التكتيكي إلى دير الزور وتشجيع إيران قوات موالية لها استعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان بما ناقض الاتفاق الروسي الأميركي الأردني في بداية 2018 بإبعاد القوات غير السورية إلى أكثر من 80 كيلو متر من الحدود الجنوبية، ولم تتردد روسيا من إخراج القوات الإيرانية من ريف درعا.
وإيران منزعجة من أنها دفعت لنظام الأسد ما بين 20 – 30 مليار دولار وتريد استرجاع المبلغ خصوصا مع أزمتها الاقتصادية، ويؤكد مجلس الأمن من خطورة تورط حزب الله في النزاعات الإقليمية ووقف تهريب الأسلحة والمقاتلين إلى سوريا عبر لبنان، لكن نصر الله يشترط التنسيق مع النظام السوري لضبط الحدود، ما يعني أنها محاولة إيرانية في الإبقاء على النظام السوري خوفا من نهاية النظام وفق تفاهمات روسية أميركية، فيما تترك تركيا في إقامة قاعدة عسكرية في قمة جبل استراتيجية هي الأعلى في جبل الزاوية.
أميركا التي تخوض انتخابات في نوفمبر 2020 حريصة في التوصل مع روسيا إلى توافق إقليمي وإلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية التي تعتبرها بوابة التغيير للوصول إلى تفاهمات حول الانتخابات السورية وفق القرار 2254 في منتصف 2021 للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية وهي أيضا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ تغيير الأنظمة.
وعبر بيدرسن عن استعداده لعقد وتيسيير الجولة الثالثة من اجتماعات اللجنة الدستورية بقيادة وملكية سوريتين أملا في عقد جلسة في جنيف بحلول نهاية أغسطس 2020، حيث أكد أن الأطراف السورية تواجه صعوبات كبيرة في حل مشكلات سوريا من دون دبلوماسية حقيقية بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين ذوي النفوذ، مذكرا من أن هناك 5 جيوش دولية لا تزال تعمل في كل سوريا، وهناك مصالح مشتركة بين اللاعبين الدوليين لبناء مثل هذه الدبلوماسية، وهناك التزام مشترك معلن لدفع القرار 2254 ودعم العملية السياسية في جنيف.
وسمت المندوبة الأميركية من أن هناك خطوات حاسمة ستتخذها إدارة الرئيس دونالد ترمب والبداية من منع الرئيس بشار الأسد من تحقيق أي نصر عسكري، وخيرت نظام الأسد بين متابعة المسار السياسي المحدد في القرار 2254 أو خيار الاستمرار في حجب تمويل إعادة الإعمار وفرض عقوبات على النظام وداعميه الماليين.

لا تعليقات

اترك رد