قصة من تاريخ بغداد ـ احتجاجات محلة قنبر علي

 

لم تمض إلا سنة واحدة على تولي علي رضا باشا اللاظ (أواللاز كما تلفظ بالتركية) ولاية بغداد في أيلول 1831م التي بدأت بمذبحة المماليك وسقوط حكم داود باشا آخر المماليك في بغداد، في هذه السنة بذل الاظ جهداً حثيثاً لوضع اليد على أموال الوالي السابق و أموال ابنائه والمقربين منه فقد كانت الأوامر من إسطنبول تنص على ضبط جميع الأموال والممتلكات المنقولة لداود باشا الوالي السابق والمماليك، وبيع الممتلكات غير المنقولة وتسجيلها وأرسالها الى إسطنبول، وقد أشيع أن داود يملك أموالاً طائلة ونفائس كثيرة ومجوهرات، فتم التحقيق مع بعض المقربين منه، كل من محمد أفندي نجيب زادة الكركوكلي ومحمد أفندي مسؤول الخزانة، ورمضان أفندي، والصراف اليهودي إسحاق، كما أغلقت بيوت أبناء داود باشا ورجال باشويته وختمت بالشمع بعد ان ثبتت مع كافة املاكهم في سجلات خاصة. ثم أطلق الوالي علي رضا يد رجاله في استخدام القسوة المفرطة في تجريد الناس من ممتلكاتهم الأمر الذي حمل أهالي بغداد على كرهه، فقد صودرت جميع ممتلكات الذين كان لهم أدنى ارتباط بالوالي السابق. وكان موظفوه لا يتورعون عن استخدام أقسى الأساليب لانتزاع المعلومات عن الأموال ووصل بهم الأمر الى كي النساء وضربهن لإجبارهن على الأدلاء بمعلومات عن الأموال التي يخبئها أزواجهن أو آباؤهن. ومما زاد في سوء العلاقة بين الوالي وأهل بغداد هو ارتدائه الزي الأوربي، وكان ارتدائه لهذا الزي تنفيذاً لقانون القيافة الذي أصدره السلطان محمود الثاني من جملة إصلاحاته للدولة العثمانية، في 3 آذار 1829، ويسري على كل موظف مدني حكومي ورجل دين، لذلك عد الكثير من الأهالي ان الوالي الجديد مرتد عن الدين السلامي لأنه يرتدي السترة والسروال (الجاكيت والبنطلون) وغطاء الرأس الطربوش.. ولم يكن الأهالي فقط هم من كان مستاء من تصرفات اللاظ، فمفتي بغداد عبد الغني الجميل كان هو الآخر غير راض عن الإجراءات التي اتخذها الوالي، وكان لهذا المفتي مكانة عالية في بغداد فهو من علمائها المعروفين، تقلد مناصب دينية وسياسية وكان من الوجهاء والزعماء في بغداد، تعود اصوله الى سوريا، انتقلت عائلته منها وسكنت مدينة عنه في أعالي الفرات، ثم جاءت الى بغداد، حيث ولد في سنة 1780، ولما كثرت شكاوي الأهالي الى المفتي مما يجري عليهم من اعتداءات واهانات وفرض الإتاوات وتعرض للنساء من قبل الجنود، طلب المفتي من الوالي ورجاله بالكف عن هذه الأعمال الوحشية والإساءة للناس، لكن الوالي لم يستجب رغم كثرة المطالبات، فأمر المفتي الأهالي بقتل كل من يعتدي عليهم ويتعرض لنسائهم، وبعد أن نُفذَ أمر المفتي وبدأت اعداد القتلى من الجنود تتزايد يوم بعد يوم، بدأ الوالي بالتحري عن الأمر حتى وصلت اليه وشاية من بعض السكان الذين كانوا على علاقة مع السراي، بأن قتل الجنود مبني على أمر من المفتي الجميل وتعليماته، ووسط هذا الشد والتوتر والعلاقة السيئة بين الوالي من جهة والمفتي والأهالي من جهة أخرى، جاءت حادثة أرملة رضوان آغا ففجرت الأمور. والأرملة هذه وأسمها نائلة خاتون علوية من أسرة نقيب مدينة مندلي، أما زوجها رضوان آغا فكان من المماليك، تولى رئاسة أحد أفواج الجيش الإنكشاري في بغداد ثم رئيساً لقواتها النظامية في عهد الوالي السابق داود باشا، وله مجلس وحرمة واحترام من البغداديين، إلا ان الوالي رضا بطش به واستولى على أمواله، ونهبت داره، فالتجأت زوجته الى بيت مفتي بغداد عبد الغني الجميل طلباً لحمايتها وحماية طفلها، غير أن رجال الوالي لم يحترموا حماية المفتي لها، فاقتحموا دار المفتي وقبضوا عليها وعذبوها لكي تدلهم على مكان أموال زوجها، فنزل المفتي إلى الشارع هو ومجموعة من اخوته وأبنائه وأقاربه داعياً الناس للاحتجاج على انتهاك حرمة داره وما يمثل ذلك من تعدي واضح وصريح على تقاليد الاستجارة والأعراف المتبعة لدى المجتمع البغدادي بصورة خاصة والعربي عامة في مثل هذه الحالات، وكان ذلك في يوم 29 حزيران سنة 1832، حيث خرجت مظاهرة من محلة قنبر علي في جانب الرصافة، محل سكن المفتي، التي كانت تشغل أواخر القسم الشمالي المأهول من محلات بغداد نهاية العصر العباسي وبعدها تأتي مجموعة من البساتين فيما تقع على أطرافها الشرقية المقابر التي عُرفتْ آنذاك بمقابر(ابرز) وهو اسم عام يشمل أراضي واسعة كانت تمتد بين محلات بغداد في الجانب الشرقي والسور المحيط ببغداد من جانبه الشرقي، وتتصل بفضاءات عدة حتى تصل إلى المقبرة المنسوبة الى الأمام أبو حامد الغزالي. فأنضم الكثيرون للمظاهرة من أبناء المحلات البغدادية الأخرى في جانب الرصافة، واتجهت الجموع نحو السراي (مقر الحكومة)، وعند وصولهم الى باب الحريم في السراي اشتبكت قوات الوالي معهم ووقعت معركة حامية بين المتظاهرين وحراس السراي سقط فيها عدد من القتلى، بعد ذلك أمر المفتي الرجال بالتجمع في الحضرة القادرية (مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني) بأسلحتهم في محلة باب الشيخ وامر شقيقه عبد المحسن الجميل وأولاده بالهجوم على (العسكرخانة) وتم فعلاً الهجوم، وقتل عدد من جنود الوالي العثماني، واقتيد الضابط الذي أعتدى على المرأة التي استجارت بالمفتي وقتله ورمي جثته في نهر دجلة، بعد ذلك قام الوالي بعد هاتين الحادثتين بقصف محلة قنبر علي بالمدافع فأشعل فيها النار وهدمت العديد من بيوتها، و نُهبت دار المفتي، ثم أحرقها جنود الوالي وبسبب حرق دار المفتي أتلفت مكتبته الثمينة التي تضم مئات الكتب والمخطوطات. واستطاع رجال المفتي تهريبه هو وابن عمه عبد الرزاق إلى جانب الكرخ الذي كان تحت سيطرة عشيرة عقيل التي كانت تتمتع بالنفوذ والسيطرة في هذا الجانب من مدينة بغداد، وضيفه الشيخ سليمان الغنام شيخ بني عقيل في داره، وتم تهريبه بعد ذلك الى مدينة (عانة)، ثم عاد الى بغداد بعد مرور سنة ونصف بعد ان عفي عنه الوالي نتيجة لمساع قام بها عدد من علماء ووجهاء بغداد.

لا تعليقات

اترك رد