الأمن القومي العربي

 

تمهيد:
يمتلك الأمن القومي العربي سجلاً ضخمًا من القرارات. لكن رصيد الإنجازات فيه قليل، ومنذ نشأة جامعة الدول العربية في1945 واجهت عديدًا من المخاطر والتهديدات لأمن مجموعة الدول التي تنتمي إليها برباط العضوية،

بل إن الجامعة قد نشأت في ذروة الخطر الصهيوني على فلسطين، ولم يتمكن أعضاؤها من درء هذا الخطر عندما أعلنت دولة إسرائيل في1948. ثم تفاقم الخطر لاحقًا وصولاً إلى احتلال إسرائيل لأرض فلسطين بالكامل في عدوان1967 وحتى الآن،

ناهيك عن احتلال أراضٍ لعدد من الدول العربية الأخرى، ولا يدل على ضآلة رصيد الإنجاز في الأمن القومي العربي أكثر من مرور أربعين سنة على ذلك العدوان دون أن تنتهي آثاره على الرغم مما قدمه أبناء الأمة من تضحيات وما أبدته الدول العربية من مرونة فائقة لتيسير عملية التسوية السياسية للصراع مع إسرائيل.

في مرحلة لاحقة تفاقم الخطر على الأمن القومي العربي بدرجة أكبر اعتبارًا من عقد السبعينات، لأن البيئة العربية بدت منقسمة في قضايا جوهرية كإدارة الصراع العربي-الإسرائيلي، فحدث الخلاف المصري-العربي حول التسوية مع إسرائيل اعتبارًا من1977 ولمدة عقد كامل على الأقل، ثم حدث الخلاف العربي-العربي حول الغزو العراقي للكويت في1990، والذي كان بحد ذاته ضربة في الصميم للأمن القومي العربي سواء لأن التهديد فالعدوان أتى من داخل النظام العربي وليس من خارجه، أو لأن مواجهة ذلك الغزو بدت مستحيلة دون استعانة بقوات أجنبية كان لوجودها على الأرض العربية دلالات سلبية بقدر ما عنت أن العرب غير قادرين على حماية أنفسهم حتى من أنفسهم،

وأخيرًا وليس آخرًا مثل الاحتلال الأمريكي للعراق في2003 لحظة تراجع مخيف للأمن القومي العربي عندما عجزت الدول العربية عن وضع القرارات الجيدة التي اتخذتها قمة شرم الشيخ في مطلع مارس/آذار2003 موضع التنفيذ، وتعاملت بشكل أو بآخر مع النتائج التي ترتبت على احتلال العراق.

وقد فتح احتلال العراق في أبريل/نيسان2003 الطريق لتداعيات بالغة السلبية ألمت بالمجتمع العراقي كان أهمها نجاح قوى التطرف في العراق في الترويج لمفهوم الانقسام السني-الشيعي الذي بات يمثل خطورة على عدد من الدول العربية الأخرى في إطار تركيبتها السكانية، ويهدد بتعرضها بدرجة أو بأخرى لما تعرض له العراق نفسه، بالإضافة إلى ما ارتبط لاحقًا باحتلال العراق وهو الدعوة الأمريكية لشرق أوسط كبير (أو موسع أو جديد) وضحت منذ الوهلة الأولى مخاطره الهائلة على الأمن القومي العربي، إما لأن من شأن هذا المشروع الأمريكي إن نجح أن يهدم أركان النظام العربي ذاته، أو لأن المشروع تضمن للمرة الأولى في تاريخ المبادرات الشرق أوسطية الأمريكية تدخلاً صارخًا في الشئون الداخلية العربية، كما تضمن بعدًا صريحًا يسوغ التلاعب بالهوية العربية من خلال الإلحاح على إصلاح نظم التعليم في البلدان العربية كي تلعب النظم التعليمية الجديدة التي سيتم التوصل إليها في ظل الشرق أوسطية دورها في “محاربة الإرهاب”.

وأخيرًا وليس آخرًا فقد فتح الاحتلال الباب لإيران كي تلعب دورًا متزايدًا في الشأن السياسي العراقي الداخلي في إطار مشروعها السياسي الذي تضمن بالضرورة بناء قوة إيرانية يمكن أن يكون لها بعد نووي الأمر الذي من شأنه أن يغير موازين القوى في المنطقة جذريًا مرة في صالح العرب كما في تصحيح الخلل الناجم عن احتكار إسرائيل للسلاح النووي، ومرة في غير صالحهم نتيجة تغير ميزان القوى في الخليج لصالح إيران وانعكاسات ذلك على النظام العربي.

في السياق السابق لوحظ تصاعد الهجمة الخارجية على النظام العربي، سواء من خلال استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتفاقمه، أو تصاعد التدخل الخارجي في شئون دول كالسودان ولبنان والصومال، فضلاً عن تهديدات داخلية يُشك في ضلوع أياد خارجية فيها كما هو الحال بالنسبة للحالة اليمنية، ويضاف إلى كل هذا ما هو مستقر بخصوص الانكشاف الغذائي والمائي للوطن العربي، وتخلف التعليم والبحث العلمي فيه، ومخاطر التركيبة السكانية في بعض الدول العربية الأمر الذي بات الأمن القومي العربي يمثل معه معضلة حقيقية يهدد الإخفاق في التوصل إلى حلول لها بأوخم العواقب بالنسبة لمستقبل الأمة.

في هذه الظروف يحسب لقمة الرياض التفاتها إلى معضلة “الأمن القومي العربي”، وإدراكها “خطورة وتنوع مصادر التهديد التي تواجه العالم العربي”، وهو ما يفتح الباب للأمل في مقاربة جديدة لهذه القضية الأساس في بقاء النظام العربي وتماسكه وقدرته على تحقيق أهدافه. وقد أعدت هذه الورقة في سياق اهتمام البرلمان العربي الانتقالي ولجنة الشئون السياسية والخارجية والأمن القومي به بقضية الأمن القومي العربي بعد أن أحال الأمين العام لجامعة الدول العربية قرار قمة الرياض المتعلق بهذه القضية إلى البرلمان على نحو يؤكد جدية الاهتمام بالمسألة وخطورتها.

وتحاول هذه الدراسة أن تثبت أن النظام العربي الرسمي ممثلاً في جامعة الدول العربية وبصفة خاصة مؤتمرات القمة التي تعقد في إطارها لم يقصر في التوصل إلى القرارات وبناء الآليات المتعلقة بحماية الأمن القومي العربي. لكن الإنجاز في هذا الصدد على أرض الواقع لم يكن على مستوى تطور الاهتمام الرسمي كما تعكسه القرارات، وأن العقود الثلاثة الأخيرة بالذات قد حملت مزيدًا من التهديدات للأمن القومي العربي من ناحية، ومزيدًا من التآكل في بنية العلاقات العربية-العربية بما يضعف القدرة على مواجهة هذه التهديدات من ناحية أخرى، ومن ثم فإن الأمر بات يحتاج إلى مقاربة جديدة تتضمن بناء استراتيجية فاعلة لمواجهة الأوضاع الراهنة التي تقوض الأمن القومي العربي على نحو خطير، والتصدي لمصادر التهديد قبل أن تؤتي أكلها مزيدًا من هذا التقويض لأمن الأمة وتماسكها.

وعليه فسوف تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أجزاء يحلل الأول منها تطور الاهتمام بالأمن القومي العربي على الصعيد الرسمي فيما يرصد الثاني دلالات الخبرة العملية التي تشير إلى وجود فجوة كبيرة بين الاهتمام الرسمي والإنجاز الفعلي ثم يلخص الجزء الثالث المستجدات التي طرأت على الأمن القومي العربي وعمقت من إشكاليته ويحاول أن يطرح أفكارًا للمناقشة فيما يتعلق بمستقبل هذا الأمن.

أولاً- تطور الاهتمام بالأمن القومي العربي:
تظهر متابعة الاهتمام الرسمي بمسألة الأمن القومي تطورًا واضحًا سواء في الحديث عن المفهوم وآلياته أو مقوماته أو مصادر تهديده، ويعرض هذا الجزء من الدراسة لتطور الاهتمام بالأمن القومي العربي في هذه الأبعاد الثلاثة.

1-تطور المفهوم وآلياته:
لم تحمل وثائق النظام العربي الرسمي منذ بدايتها وطيلة سنوات تلت تلك البداية إشارة صريحة لمفهوم الأمن القومي العربي. في بروتوكول الإسكندرية الذي وقع في عام1944 لينعكس لاحقًا في ميثاق الجامعة في العام الذي تلاه بدا المفهوم كشبح أو طيف لا يمكن إثبات وجوده، لكنه مع ذلك ليس غائبًا، فقد حدد البروتوكول مهمة مجلس الجامعة بأنها –ضمن أشياء أخرى- تنسيق الخطط السياسية للدول الأعضاء “لأغراض من بينها صيانة استقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل الممكنة”، وهو ما يتصل بطبيعة الحال بجوهر فكرة الأمن القومي.

الشبح أو الطيف نفسه يظهر لاحقًا في حديث البروتوكول عن فلسطين، فقد نص على أن حقوق العرب في فلسطين لا يمكن المساس بها من غير إضرار بالسلم والاستقرار في العالم العربي، بما يعني أن هذا العالم هو “جماعة أمنية واحدة”، لكنه مما يقيد دلالة هذا التحليل أن البروتوكول قد سوى بين الخلافات البينية العربية والخلافات العربية مع الغير، فالمجلس يتوسط في الخلاف الذي يخشى منه وقوع حرب بين دولة من دول الجامعة وبين أي دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها للتوفيق بينها، وهو هنا مجرد وسيط يسعى للتوفيق بين أي دولة عربية قد تجابه حربًا ضد دولة غير عربية، وليس نصيرًا يعمل على الحماية، كذلك لوحظ أن النص الخاص بتنسيق الخطط السياسية بين الدول الأعضاء وأغراضه عندما انتقل إلى الميثاق (م2) حذفت منه عبارة “من كل اعتداء” فأصبح منطوقه “الغرض من الجامعة توثيق العلاقات بين الدول المشتركة فيها وتنسيق خططها السياسية تحقيقًا للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها” (وحذفت عبارة “من كل اعتداء بالوسائل الممكنة”). أي أن المفهوم بقي غير مباشر وإن زيد في تضييق نطاقه.

كرر الميثاق (م5) معنى توسط المجلس في الخلاف الذي يخشى منه وقوع حرب بين دولة من دول الجامعة وبين أي دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها للتوفيق بينها، لكن المادة السادسة منه اقتربت من مفهوم الأمن القومي وإن قيدته: “إذا وقع اعتداء من دولة على دولة من أعضاء الجامعة أو خشي وقوعه فللدولة المعتدى عليها أو المهددة بالاعتداء أن تطلب دعوة المجلس للانعقاد فورًا، ويقرر المجلس التدابير اللازمة لدفع مثل هذا الاعتداء ويصدر القرار بالإجماع، فإذا كان الاعتداء من إحدى دول الجامعة لا يدخل في حساب الإجماع رأي الدولة المعتدية، وإذا وقع الاعتداء بحيث يجعل حكومة الدولة المعتدى عليها عاجزة عن الاتصال بالمجلس فلممثل تلك الدولة فيه أن يطلب انعقاده للغاية المبينة في الفقرة السابقة، وإذا تعذر على الممثل الاتصال بمجلس الجامعة حق لأي دولة من أعضائها أن تطلب انعقاده”، ويلاحظ هنا أن الميثاق يجعل مجلس الجامعة معنيًا بالأمن القومي العربي –دون أن يشير إلى ذلك صراحة- لكن اختصاصه هذا يبقى معلقًا بآليات “قطرية”، فدعوة المجلس للانعقاد تتم من قبل دولة (المعتدى عليها أو أي دولة أخرى إذا استحال ذلك على الأولى)، وقراره في هذا الصدد معلق على اعتراض أي دولة عضو فيما عدا الاستثناء الخاص بحالة الدولة العربية المعتدية على دولة عربية أخرى، لكن المجلس في غير هذه الحالة الأخيرة لا يستطيع اتخاذ أي تدابير تجاه أي عدوان خارجي إن اعترضت دولة واحدة على هذه التدابير، وهذا هو المقصود بأن الميثاق قد أناط بالمجلس مهمة تتصل بحماية الأمن القومي العربي وإن بآليات قطرية، فهو ينعقد إذا وقع عدوان على “دولة عضو” وليس في حالة تهديد عام يمس الأمة العربية أو الوطن العربي، وانعقاده يتم بطلب من الدولة المعتدى عليها أو أي دولة أخرى إذا استحال ذلك على الأولى وليس من الأمانة العامة مثلاً، وقراره في هذا الشأن يمكن أن يُعلق على رفض دولة واحدة لهذا القرار.

كذلك يلاحظ أن الميثاق قد تنبه منذ البداية إلى أن مصدر تهديد أمن الدول العربية قد يكون عربيًا، وتحسب لهذه الحالة بأن استبعد من شرط الإجماع لصدور قراره لمواجهتها صوت الدولة المعتدية، وهو تحسب قانوني وليس سياسيًا، حيث إنه يفترض لصدور هذا القرار أن تكون الدولة المعتدية معزولة تمام العزلة عربيًا، فإن وجدت دولة عربية واحدة تظاهر الدولة المعتدية كان في ذلك تقويض تام لقدرة المجلس على إصدار قرار ومن ثم على القيام بأي تحرك.

لكن معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي التي توصلت إليها الأقطار العربية في1950 مثلت نقلة جذرية في هذا كله، فقد كانت أول وثيقة للعمل العربي المشترك تتحدث عن مفهوم الأمن وإن لم تصفه بالقومي، فضلاً عن أنها كانت صريحة في انطلاقها من مفهوم الأمن المشترك إذ نصت ديباجتها أن الدول الموقعة:

“رغبة منها في تقوية الروابط وتوثيق التعاون بين دول الجامعة حرصًا على استقلالها ومحافظة على تراثها المشترك، واستجابة لرغبة مسئوليها في ضم الصفوف لتحقيق الدفاع المشترك عن كيانها وصيانة الأمن والسلام وفقًا لمبادئ ميثاق جامعة الدول العربية قد اتفقت على عقد معاهدة لهذه الغاية”.

بدأت المعاهدة في مادتها الأولى بتأكيد عزم الدول المتعاقدة على فض جميع منازعاتها الدولية بالطرق السلمية سواء في علاقاتها المتبادلة فيما بينها أو في علاقاتها مع الدول الأخرى، ثم أسست المادة الثانية على مفهوم الأمن القومي وإن لم تذكره:

“تعتبر الدول المتعاقدة أن كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها اعتداء عليها جميعًا، ولذلك فإنها عملاً بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن كيانها تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلم إلى نصابهما”

وبعد الانطلاق من المفهوم دون ذكره صراحة أشارت المعاهدة لآليات تطبيقه في المواد من3 إلى6، وتضمنت هذه الآليات (م3) التشاور بين الدول المتعاقدة فيما بينها بناء على طلب إحداها كلما هددت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها، وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية الدفاعية التي يقتضيها الموقف. تضمنت الآليات كذلك (م4) تعاون الدول المتعاقدة فيما بينها لدعم مقوماتها العسكرية وتعزيزها، واشتراكها بحسب مواردها وحاجتها في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة والجماعية لمقاومة أي اعتداء مسلح، كما نصت المادة الخامسة على تأليف “لجنة عسكرية دائمة من ممثلي هيئة أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة لتنظيم خطط الدفاع المشترك وتهيئة وسائله وأساليبه”

أما المادة السادسة من المعاهدة فقد أحدثت ثورة في آليات العمل في إطار الجامعة العربية، وذلك عندما نصت على تأليف مجلس للدفاع العربي المشترك تحت إشراف مجلس الجامعة يختص بجميع الشئون المتعلقة بأحكام المواد 2، 3، 4، 5، ويستعين على ذلك باللجنة العسكرية الدائمة، ويتكون من وزراء الخارجية والدفاع الوطني للدول المتعاقدة أو من ينوبون عنهم، والأهم من هذا كله أن المعاهدة نصت على أن ما يقرره المجلس بأكثرية ثلثي الدول يكون ملزمًا لجميع الدول المتعاقدة في نقلة نوعية واضحة بالنسبة لنظام التصويت وفقًا للميثاق الذي ترتبط فيه إلزامية القرارات بصدورها بالإجماع، فإن صدرت بالأغلبية لم تلزم إلا من وافق عليها، وليس أدل على تقدم هذا النص من أنه ظل بعد ذلك لمدة عقود مطلبًا ملحًا للمنادين بتطوير الجامعة إلى أن وافقت قمة الجزائر في2005 –أي بعد خمسة وخمسين عامًا- على تعديل الفقرة الثانية من المادة السادسة التي سبق تحليل دلالاتها بالنسبة للأمن القومي العربي بحيث تصبح على النحو التالي:

“يقرر المجلس التدابير اللازمة لدفع هذا الاعتداء ويصدر القرار بتوافق الآراء وفي حالة تعذر ذلك يصدر القرار بموافقة ثلثي الدول الأعضاء الحاضرة والمشاركة في التصويت، فإذا كان الاعتداء من إحدى دول الجامعة لا يدخل في حساب الأغلبية صوت الدولة المعتدية”.

ومن المفارقات أن المرة الأولى التي استخدم فيها مصطلح الأمن القومي العربي قد وردت في وثيقة اقتصادية وهي “استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك” التي تبنتها قمة عمان1980، وقد ورد مفهوم الأمن القومي العربي في القسم الأول من تلك الوثيقة بعنوان “المنطلقات” حيث نص البند الخامس من هذا القسم على أن “الأمن القومي العربي ضرورة مصيرية جديرة بكل الجهود والتضحيات اللازمة”، ثم تكررت الإشارة في القسم الخاص بالأهداف حيث جاء هدف الأمن القومي ثانيًا ضمن ترتيب الأولويات: “الأمن القومي بما فيه الأمن الفكري والأمن العسكري والأمن الغذائي والأمن التكنولوجي”، وهو تحديد يشير إلى تطور مفهوم الأمن القومي بصفة عامة بحيث لا يصبح قاصرًا على الأبعاد الاستراتيجية العسكرية وحدها.

أما أولويات الوثيقة فقد كان لافتًا أن وضعت الأمن العسكري أولوية أولى: “تحقيق الأمن العسكري للوطن بتعزيز القدرة العسكرية العربية الذاتية في مختلف الميادين المتعلقة بهذا الأمن”، وهو ما يشير إلى عمق الإيمان بأهمية مفهوم الأمن القومي العربي لدى واضعي هذه الوثيقة. ويلاحظ أن البيان الختامي لقمة عمان قد تضمن نقلاً عن استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك إشارة صريحة إلى مفهوم الأمن القومي لتصبح المرة الأولى التي يشير فيها بيان قمة عربية أو قراراتها صراحة إلى هذا المفهوم. وبعدها تأرجح استخدام المفهوم من قمة لأخرى فغاب عن قرارات بعض هذه القمم وبياناتها الختامية، وحضر على نحو كثيف في بعض القمم الأخرى. من ناحية أخرى لم يطرأ جديد على آليات الحفاظ على الأمن القومي العربي في منظومة العمل العربي المشترك إلى أن أقرت قمة الخرطوم2006 النظام الأساسي لمجلس السلم والأمن العربي الذي أضيف لمنظومة آليات حماية الأمن القومي العربي.

وافقت قمة الخرطوم(2006) على إنشاء هذا المجلس لكي يحل محل آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها، وقد وضع المجلس تحت إشراف مجلس الجامعة، ونص نظامه الأساسي على أنه يهدف إلى الوقاية من النزاعات التي يمكن أن تنشأ بين الدول العربية وإدارتها وتسويتها في حال وقوعها، ومتابعة ودراسة وتقديم توصيات إلى مجلس الجامعة بشأن التطورات التي تمس الأمن القومي العربي، ويتكون المجلس من ممثلين لخمس دول على مستوى وزراء الخارجية، وهذه الدول هي الدولة التي ترأس مجلس الجامعة على المستوى الوزاري والدولتان اللتان اضطلعتا برئاسة الدورتين السابقتين للمجلس والدولتان اللتان ستؤول إليهما رئاسة الدورتين اللاحقتين للمجلس الوزراي، ويرأسه وزير خارجية الدولة التي ترأس الدورة العادية لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري.

يفترض النجاح في إنجاز المهام المتعلقة بالأمن القومي العربي بداهة نجاحًا يسبقه في تحقيق التضامن العربي، وقد التفتت القمم العربية إلى هذه الحقيقة كما سبقت الإشارة بتأكيدها على التضامن العربي في عديد من قراراتها، غير أن الواقع فارق المأمول غير مرة، وارتبطت أهم الحالات في هذا الصدد بواحدة من أخطر القضايا المتصلة بالأمن القومي العربي وهي الصراع العربي-الإسرائيلي، ففي نوفمبر/تشرين الثاني1977 قام الرئيس المصري محمد أنور السادات بزيارته إلى إسرائيل التي مثلت خروجًا على مألوف سلوك النظام العربي في حينه إزاء الصراع العربي-الإسرائيلي، ولذلك لم يكن غريبًا أن قوبلت هذه الزيارة وتداعياتها برفض عربي شبه شامل ترتبت عليه قطيعة دبلوماسية رسمية بين مصر من جانب والغالبية العظمى للدول العربية من جانب آخر، وتعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية وكافة المنظمات المرتبطة بها ونقل مقارها جميعًا خارج مصر، وترتب على ذلك كله أن فقد الجسد العربي تماسكه في واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالأمن القومي العربي، إن لم تكن أخطرها، فلا هو واصل استخدام الأساليب العسكرية في الصراع بكامل طاقته ولا هو بدأ توجه التسوية من خلال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بإرادة موحدة الأمر الذي أدى من ناحية إلى إسقاط الخيار العسكري تمامًا في إدارة الصراع بالنظر إلى أن معادلات توازن القوى لا تتيح للجيوش العربية رفاهية الدخول منفردة في حروب مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى إلى تباطؤ عملية التسوية خاصة فيما يتعلق بعدم امتدادها بفعالية إلى مسارات أخرى غير المسار المصري .

لا تعليقات

اترك رد