الدولة العراقية في كماشة الفساد ومنظومته! فهل من سبل للخلاص ؟

 

احتل العراق المراتب الأسوأ في مستويات الفساد فمع أنه كان في العام 2003 بالمرتبة 113 من 180 دولة إلا أنه بات عام 2017 بالمرتبة 169 أو تسلسل 11 بين الدول الأكثر فساداً عالمياً وهو بالمرتبة 162 عام 2019. ومما ينبغي استذكاره هنا أنّ منظمة النزاهة الدولية أكدت كثيرا من جرائم الفساد الأخطر بمافيويتها وشروخها الكارثية في البنية العراقية…

إن من مهام التغيير المنشودة ضبط الأمن والنهوض بالاقتصاد أما الأول فندري أن سقوط الموصل وثلث البلاد نجم عن فساد كارثي سواء في عشرات آلاف الفضائيين [50ألف فضائي] بين الجند أم في التسليح الفاسد وأن الأسلحة الصالحة للعمل تم تسليمها للإرهاب..!

وإذا تركنا موضوع الأمن وبناء أجهزته لمجاله وركزنا هنا على معالجة ظاهرة الفساد بخاصة في ميدانه الاقتصادي فإننا سنجابه خللا بنيويا هيكليا بلا حدود لوصفه ما يضع أبرز العقبات بوجه مهام التغيير..

إن ظاهرة تعطيل عجلة الاقتصاد عن الدوران مازالت إلى يومنا تفعل فعلها ليس في وقف الصناعة وتخريب كلي للزراعة بل في خسائر مادية خطيرة… ولقد تم استنزاف البنى الموجودة وسرقة الآلات والأجهزة وحتى بعض المباني بتخريبها ..

وبوقت كانت آلاف المشروعات وهمية أكلت بلا مخرجات ما يقارب الـ190 مليار دولار فإن الهدر منذ 2003 بلغ 300 مليار دولار وفاقت أرقام الفساد نصف تريليون دولار.. حيث توقف عن العمل أكثر من 85% من مصانع القطاع الخاص ومئات مصانع حكومية رسمية وما تبقى كان لا ينتج إلا مخرجات عجزت عن الارتقاء لمستوى المرتجى من الجدوى الاقتصادية لها..

أما بعض فضائح الفساد بهذا الميدان نذكر منها على وفق ما أوردته ((منظمة النزاهة (G.A.N) الأمريكية)) كالآتي:
أجهزة كشف المتفجرات التي تبين أنها لا تعمل نهائيا فقد تم التعاقد عام 2007 على 6آلاف جهاز بـ200مليون دولار! لكن الأدهى أن عقود التسليح حتى 2016 بلغت تقديراً أكثر من 150 مليار دولار والمخرجات هزيمة 2014 مع الإرهاب وفساد أسلحة وشبهات لم يجر الإعلان عن أي منها على الرغم من التحقيقات…!
في عام 2008 دفعت الخزينة العراقية أسعارا مضاعفة لطائرات كندية تتسع الواحدة لـ76راكبا فقط لا غير والثمن 38 مليون دولار للواحدة!
وفي ذات العام 2008دفع العراق 280 مليار دینار لمشروع لم ينفّذ على الرغم من تشديد المبلغ بدفعات كاملة للجانب الإيراني وذهب عراب المشروع وزير التربية خضير الخزاعي بلا حساب أو مساءلة عن الـ200 مدرسة التي كان ينبغي أن يشيدها المشروع..
قدّر أحد رؤساء مجلس الوزراء عام 2015 أن الفساد بلغ 450 مليار دولار من 850 مليار منذ 2003 حتى تصريحه في أغسطس من ذاك العام..!!
وفي إطار تهريب العملة بخاصة إلى إيران المحاصرة فقد أعلن مسؤول في ديسمبر 2016، أن البنك المركزي العراقي باع نحو 312 ملیار دولار في مزاد العملة وأنّ 80% من هذا المبلغ ذهب إلى خارج العراق..!
ومع أن المبالغ التي قيل إنها صُرفت للطاقة الكهربائية تجاوزت الـ40 مليار هدراً..! إلا أنه بين عامي 2006-2017 سجل المسؤولون صرف 29 ملیار دولار لزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية تم أقل من نصف إنتاج نصف الطاقة الكهربائية المخطط لها البالغ 33595 ميغاواط فيما اختفى الباقي ومازالت مشكلة الكهرباء هي هي منذ 2003 حتى يومنا هذا.. وعود بالاكتفاء والتصدير ومخرجات تضع المواطن والاقتصاد بمطحنة انعدام الطاقة…
وفي جزء من المسافة الزمنية ما بعد 2003 تجاوزت التقديرات الـ100 مليون دولار تهريب نفطي وغير معلوم الحجم الحقيقي منذ ذلك الحين حتى يومنا..
وصلت مهازل الفساد بإعلان تلف أموال أو ثروات مثلا الطيور التي أكلت مئات الأطنان من الحنطة والمياه التي تسربت لتتلف 7 مليارات دولار في البنك المركزي! وغيرها كثير ولا نتائج لأي تحقيق بالخصوص. اللهم إلا تأييد الادعاءات التي لا يصدقها معتوه..
أما قضية العمولات والكومشنات أو الرشاوى فقد بلغت قيمة إحداها 25 مليون دولار عام 2016، إذ طالت الفضيحة يومها السيد حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة ووزير النفط العراقي الأسبق وآخرين، تقاضوا رشاوى من شركة (أونا أويل) بلغت 25 مليون دولار. ليجري الإعلان عن أن أحد المسؤولين المتورطين في تلك الفضيحة يمتلك 600 مليون دولار في دولة مجاورة.
ويتذكر المواطنون كيف تم تمرير حقائب بمئات ملايين الدولارات كانت تضبطها دول أوروبية بأوامر من رئاسة مجلس الوزراء.. وماذا يعني إتمان شخصية أو أخرى على الأختام والضمانات…!
نتذكر قضية بنوك تهريب العملة ومزادها وغير تفاصيل مما كان واجهة لنقل تلك الأموال لدولة معاقبة أممياً…
نتذكر نسبة الفقر في السماوة التي قاربت الـ90% فيما فاقت الـ54% عراقيا عدا كوردستان.. وندرك معنى وجود فجوة الفقر والفقر المدقع بمحافظات الوطن بطريقة تمس أمنه وسلامة أبنائه..
ونتذكر موضوع النازحين والمهجرين قسرا إلى جانب المخفيين أو المغيبين والسجون السرية المعلنة وجرائم التعذيب والتصفية…
ونتذكر جرائم اغتيال الشباب المنتفض والثائر وجرح عشرات آلاف فيما لم يحصدوا حتى يومنا سوى الوعود!
نتذكر آفة تنخر بالسدود المائية ومعها مشكلات عدم القدرة على توفير الضمانات للسيطرة على الفيضان والأمطار مرة ولدرء مشكلة الجفاف والتصحر في أخرى.. وبين إهدار الأمواه والصمت على تجاوز الجوار على الحصص المائية هناك كوارث تخريبية للزراعة…
تسميم المحاصيل والثروة الحيوانية لعل اغتيال مزارع السمك واحدة من تلك العلامات أو الكوارث وليس غريبا أن دولة جارة ترسل مياه ثقيلة ملوثة وتزرع ما يقضي على ثروتي السمك والطيور في الأهوار ولا تعامل مع تلك الجرائم..
تشويه الاقتصاد السياحي وغرس شركات لدولة (مقدسة) لامتصاص واردات السياحة الدينية وغيرها.. مع تعطيل المشروعات الحضارية والتساهل بقضايا التخريب والتهريب وغلق المتاحف ونهبها.. نذكر كيف أن بعض القطع الأثرية كانت بالحفظ والصون في أوروبا ولكنها ما أن أُعيدت حتى اختفت!
إغلاق دور السينما والمسرح والمعارض والمنتديات الجماهيرية وتشويه ما استطاع خرق الحظر وتجييره…
تخريب المطابع والمكتبات وضخ كتب الدجل والأدعية أو الخرافات مع مصادرة مباشرة وغير مباشرة لكتب التنوير وطبعا حجب أشكال الدعم والإنتاج الثقافي المثمر..
ضخ مشكلات مفتعلة لتخريب التعليم والإمعان بظواهر التسرب واصطناع مقررات وبرامج (تعليمية) بديلة تركز على طقسيات الخرافة والتخلف وحجب المقررات العلمية المفيدة في بناء العقل والتقدم به..
إفساد الكادر التدريسي بطرد المخلصين وإناطة المهمة بدجالين فاسدين بلا شهادات أو خبرات حقيقية.. ومن ثم ينبغي هنا التوكيد على

لست بصدد حصر جرائم الفساد المرتكبة في العراق منذ تسلم الطافيين السلطة حتى يومنا، ولكنني بصدد الإشارة إلى حقيقة سطوة مشهد الفساد على مجمل الوضع والمشهد العراقي .. إذ أننا جميعا تحت مقصلة فعلية من منظومة او كماشة لا فكاك منها من دون ثورة وتغيير جوهري لأن الترقيعات لا تنفع مع حيتان كرسوا سطوتهم مافيويا بصورة كلية شاملة..

إن التقدير أو الخشية إنما يقدمونها للفاسد مالك المال والجاه والسلطة! فيما العالم الجليل أو الأستاذ الجامعي أو المتخصص لا مكان حقيقي له وسط تلك الأمواج العاتية من التخريب وفساد الذمم والنظم. فهل بعد ذلك سنتنبه على المجريات..

إن التعليم بلا مخرجات فهو بنيويا مخرب ومن ثم الاستثمار فيه يحمل فشله الذريع ما لم نرتقي بالمهمة بصورة مختلفة نوعيا سواء بالقوانين واللوائح والأنظمة أم بالمقررات وبمن يؤدي المهمة فيها..

والكهرباء العصب الحيوي للطاقة المحركة معطلة أو قاصرة بصورة فادحة حتى أنها لا تفي الاستهلاك السكاني البسيط فما بالنا ودوران مكائن الصناعة والزراعة !

النفط ثورة مباحة للتهريب ورديفها الغاز يُحرق منذ عقود بلا استثمار ينقذ الموقف ويوقف ألاعيب جريمة استيراده بدل استثمار المتاح ودولارات شرائه من دولة الجوار \ إيران يمكن أن تُنشئ محطات الاستثمار وتزيد!

الاقتصاد موقوف على الطابع الريعيلا فحتى هنا ببرامج إدارة عجلته هناك فساد أن يبقى بذاك النهج المتخلف كيما تستثمر دولة تتسيد على الوضع بحجة القدسية والمرجعية!

إننا بعد قضية الأمن ومحاكمة المجرمين ومنع إفلاتهم من العقاب ليس لنا سوى ثورة حقيقية للتغيير حيث نتجه لتشغيل طاقات العمل بكل مساراتها لنقضي على الفقر والأمية \ التجهيل وعلى المرض الذي طاول أهلنا فتنطلق قدراتهم صحية صحيحة للبناء والتنمية

ولعلنا لا نمد بهذه المعالجة إن أفصحنا عن كون نقيض الفساد والإفساد يكمن في النزاهة والشفافية والمساءلة وهي أركان جد مهمة في الكشف عن أية حال للفساد سواء كانت فعالية كبيرة كما في إهدار أموال ضخمة نتيجة ممارسات كبار المسؤولين أم صغيرة بمستويات دنيا حيث تشوش منظومة القيم واضطرابها مرضياً..

إن ظواهر الفساد الكبرى بقمة الهرم تفضي إلى انعدام الثقة بجدوى ما يقوم به الإنسان من عمل مثمر أمام مكاسب مادية سهلة المنال وتتحصل عن طريق أساليب لا تكلف جهداً كما يتكلف به العمل المنتج.. وحيثما سطت المصالح الشخصية الخاصة على حساب العامة كانت ثقافة الفساد ونهجه هي العليا، بخاصة هنا عندما تكون منظومة مافيوية قد استطاعت اختراق هيكل السلطات كافة لتدير شبكتها وفعاليات النهب فيها..

ولا مجال لمكافحة الفساد من دون سلامة التعليم وفاعلية منتديات الثقافة وخطابها التوعوي بخطى المكافحة وتجنب الانزلاق إلى مناطق الظلام حيث تجري فعاليات الإفساد…

إن مشكلة البلاد تبدأ في التعليم والقضاء فإن هما وقعا تحت سطوة الفاسدين الكبار وتم تخريبهما انهارت الدولة بأكملها وصارت ما صاره العراق ما بعد 2003..

هلا كانت صرختنا موحدة أنْ: لا للفساد!؟ هلا بدأت الصرخة من تبني إصلاح جوهري للتعليم والقضاء!!؟
هلا بدأنا بالرؤوس الكبيرة في المكاشفة والمساءلة ومنع الإفلات من العقاب؟

إذن، حينها فقط نستطيع إحداث التغيير وإنقاذ المجتمع من الفساد آفة نخرته وأفسدته..
لقد كتبتُ مجرد محاور وتداعيات آملا أن نضعها جميعا موضع التشريح والتحليل واستنطاق التجاريب الأممية لمكافحة ما وضعنا بقعر الهاوية.. وشكرا لكل تداخل يصب لا بحصر الموضوع بل في فتحه على مصاريع بواباته وتشعباته كيما نستطيع الانتهاء منه مرة وإلى الأبد

لا تعليقات

اترك رد