بين عالمين

 
اللوحة للفنان بلاسم محمد

الجنازة المهيبة التى صاحبته إلى قبره لم تكن لتحدث بهذا الإخراج السيمائي لو كان قد مات بشكل طبيعى!
هاهو محمولا فى صندوق ذهبي نثرت عليه العطور فى عربة بيضاء تجرها الخيل وتتبعها عربات أخرى مليئة بالياسمين والورود البيضاء،وعلى الجانبين يسير ضباط وجنود الأمن فى زي جنائزي أسود ويتحركون فى مارش عسكري محسوب الخطوات؛ وعلى قارعة الطريق اصطف المشيعون يحملون الزهور ويتابعون الجنازة بعد أن صنعوا فى الليلة السابقة حوضا فى مكان قتله وسوروه بالأشواك والورود السوداء والبنفسجية ، وألقوا ورودهم وزهورهم فيه ؛ أضاءوا الشموع ؛ ورسموا على الجدار صورته الأخيرة قبيل مصرعه.
هاهم يشيعونه إلى مثواه الأخير الذى أعدوه له فى يومين، بدا ذلك القبر وكأنه قصر صغير فى واحة غناء خضراء تضم أسماء العظماء الذين سبقوه إلى الموت!
داخل القبر استقبله رجلان، جلسا عن يمينه وعن شماله ،
فهناك تتساوى الأشياء والأنفس وتتغير الأبعاد ويتغير الزمن وكل من يغلق عليه القبر يجد هذين الرجلين فى انتظاره..
ضحك الذى عن يمينه وخاطب الآخر : لو كان هذا الأسود مات موتة طبيعية ما كان له كل هذا الإهتمام؟
رد عليه الأخر : لاتنس أن ما تقوله تجديف فى حق الرب وسخرية من الرجل وليس لنا شأن بذلك!
قال : نعم إنها مشيئة الرب ووراء كل مشيئة حكمة لا نعلمها، لنبدأ عملنا، هيا أيقظه!
لطمه الذى على يمينه قائلا : من ربك أيها اللص؟
ثمة ابتسامة مرسومة على شفتيه الغليظتين دون رد!
لطمه الذى على يساره قائلا : من نبيك أيها السكير؟
نفس الإبتسامة على فمه الفاغر ..
توالت اللطمات واللعنات من اليمين والشمال مع كل سؤال يوجهانه إليه..
أفاق الرجل وتخلص من أثماله التى كان فيها وخرج هائجا كثور غاضب من الصندوق الخشبي
سأل: من أنتم؟
يالك من أبله وغبى ؟ قال له صاحب الجانب الأيمن .
أين أنا ؟ قالها الثور الهائج!
لطمه صاحب الجانب الأيسر وقال مخاطبا زميله : يبدو أن ذلك المسكين مازال لا يعرف انه عندنا!
تفحص الرجل وجهيهما وتراجع عن عزمه الذى دار بخلده فقد كان يريد أن ينقض عليهما ويضربهما بعد أن أوجعاه ضربا لكنه رآهما فى صورة أخرى لا قدرة له على مواجهته لهما، فخلص إلى قناعة فى نفسه أنه نائم وكل مايحدث معه ماهو إلا كابوس ثقيل!
ضحك الرجلان وهما يقرءان كل ما يتفوه به الثور الذى اصبح خانعا بعد معرفته بهما!
وبينما يضحكان إذ دخل عليهما ضيف وماهو بضيف ولكنه زميل لهما يعرفانه ويكملان عمله حيث أن مايقومان به يبدأ بعد إنتهاء مأموريته التى وكل بها!
كان الرجل بشوشا هادئا ذو وجه ناصع البياض وشعر أبيض لكنه قوى الجسد ولا تظهر عليه علامات الزمن الذى عاشه ويبدو فى عباءته البيضاء كأنه ملك من ملوك حواديت ألف ليلة،
ألقى عليهما السلام ، استقبلوه بحفاوة قالا : أهلا بسيدنا !
قال ضاحكا : لعلكما تنتظران منى خبرا!
– عودتنا على ذلك فأنت قائدنا!
قال سيدهم : سوف يأتيكما بعد قليل ضيف أخر ، تلقيت الأوامر بإحضاره،
إنه الآن يشنق نفسه !
– طبت وطاب سعيك ياقائد..
انصرف الرجل البشوش وتركهما يتساءلان : ترى من هذا الرجل
البائس الذى انتحر ؟
أتاهما المنتحر، كشفا عن وجهه ،
أوسعاه ضربا ، ومازالا يضربانه ويسألانه ولا يتلقيان منه إجابه..
ناداهما القتيل : كفى ضربا فى الرجل بحق ربكم !
قال صاحب الجانب الأيمن :
إنه يستحق ، يظن أنه يضحك علينا !
وقال صاحب الجانب الأيسر :
إنه مجرم، شنق نفسه قبل أن يضحوا به ويقتلوه بزنزانته؟
تحركت نزعة الفضول فيه ليعرف من هو الرجل الذى أخذ ضربا وعقابا أكثر منه ، إقترب منهم ، نظر إلى البائس الجديد ذو الوجه الأبيض،
ارتعدت فرائصه ،
خرج منه المارد الغاضب،
أزاح الرجلين عن طريقه ،
استجمع كل قوته وثورته
فى الضربة القاضية..

لا تعليقات

اترك رد