هموم امرأة من هذا الزمان: قراءة في رواية مني سالم ” رجال في حياتي “

 
هموم امرأة من هذا الزمان: قراءة في رواية مني سالم

بعد أن قدمت الكاتبة روايتها السابقة ” المشهرات ” بحس شعبي موروث أصيل من منظور أنثوي ثابت وراسخ, تعود لتقدم روايتها الجديدة ” رجال في حياتي ” بنفس المنظور الأنثوي الحكائي الذي يقترب جدا من حدوتة امرأة من هذا الزمان, تلك المرأة المتعددة الهموم والأبعاد والتي تحاول المؤامة بين أشكال عديدة لوجودها الحياتي, فهي المرأة الأنثى المرتخية كأعواد المكرونة الناضجة بعضها فوق بعض, تحدث نفسها وتبحر في ذاكرتها حيث منابت الطفولة المبكرة, تمر بذاكرتها علي رجال كانوا في حياتها, رجال حقيقيين من لحم ودم, معظمهم معلمون” أساتذة ” لكننا نكتشف الرجل الأهم في حياتها هو الرجل المطبخ

تأتي فصول الرواية قصيرة جدا – من حيث المساحة الكتابية – ورغم أن اللغة لا تختلف كثيرا عن لغة القصة القصيرة والتي تعتمد علي التكثيف الشديد والتركيز وشح السرد وضيق فضاءه إلا أنها في هذه الرواية كانت لغة بسيطة لا تعتمد كثيرا علي الاستعارة والمجاز وإنما تنكأ أساسا علي الحكي الشفهي لكنه حكي شفاف يركز أكثر علي تلك العلاقة التي تحكم الرجل – أي رجل _ بالمرأة الساردة فهي علاقة متشابكة ومتواجدة من اللحظة الأولي لانطلاق السرد ومرت بكل أشكال وألوان العلاقة فهي تعاضدية أحيانا ومتواصلة كثيرا ومتقطعة الأوصال أحيانا أخري ولقد ربطت الكاتبة بين كل أشكال العلاقة وبين نوعية الوجبات أو قل ” الوصفات” وبين شكل هذه العلاقة بانتخاب شديد حسبما تشير نوعية هذه العلاقة وهي الفكرة الرئيسية في الرواية التي بنيت عليها. المرأة هنا التي رجلها الأول هو المطبخ والتي تسعي نحو تحقيق ذات تتصارع بداخلها فتقف في مطبخها تسترجع ذكرياتها وتسترجع معها كل خبراتها السابقة بالرجل _ أي رجل _ مرورا بمجموعة المدرسين ” الأساتذة “في طفولتها ونهاية بالرجل الناقد الذي يجلس كالطاووس متربعا علي عرش الندوات الأدبية والتي تراه الكاتبة وقد أحال جلستها إلي نوع من الجحيم ” حضرت ندوات مناقشة الأعمال الأدبية كأنه يوم حساب. ناقد علي اليمين وناقد علي الشمال. .. تماما مثل ناكر ونقير. ودائما ما يدخل الناقد أي مؤلف إلي الجحيم. لم يدخل ناقد مبدعا إلي جنة فردوسية.. فكانت الندوة.. هي يوم القيامة “.

لقد جاءت كل هذه الخبرات والتراكمات الحياتية خالية من أي أزمات نفسية أو حتي وجودية تبرز هذا الانتقال أو هذا السفر البعيد عبر الذاكرة إلا في بعض المواضع فكانت الإيماءات والإشارات السريعة بديلا عن هذه الأزمات التي حكت أحداثا باقتضاب شديد لم يخرجنا منها إلا معالجة الكاتبة لها علي دمج الطقوس المطبخية بكل فصل من فصول الرواية.

انطلقت الراوية من وقفتها الأثيرية بالمطبخ, يطاردها أشباح أسئلة لا تكف عن الصراخ في أذنيها وتناديها النداهة كامرأة /أنثي/زوجة / أم / كاتبة / مثقفة فلا تجد غير الرجل المطبخ” هو الزوج الافتراضي ” بعقد زواج صامت ” بالها من علاقة استعواضية رغم أنها تجمع بين زوجين : الزوج الافتراضي المطبخ والزوج الواقعي الرجل في حياتها .

انطلاقا من هذه العلاقة التعويضية تأسست فصول الرواية لتحكي مسيرة امرأة منذ الطفولة المبكرة فتكرر في حياتها تلك العلاقات التعويضية من منظور علاقتها بالرجل فأمام قسوة الأب وتجهمه يكون معلم اللغة العربية باهتمامه وحنانه بديلا او تعويضا للأب. فالأستاذ يوسف هو هذا الرجل التعويضي وفي نفس الوقت يكون ” نادر ” زميل الطفولة هو الاقتراب التعاضدي المكمل للجنس الأخر حيث يجمعهما الفقر وطيبة القلب فتكون الوجبة الأولي بالرواية هي ” الشلولو ” لتتقاطع وتناسب ” بنت بليدة وفلاحة وشكلها بلدي ” فترد علي السخرية بعمل الشلولو وهو الملوخية لفلاحي فيمحى مذاقها الرائع أي أثر استهجاني واقع..أتي السرد بسيطا طفوليا ليناسب كل حدث وتأتي معه الوجبة لتصنع حميمية شديدة مع شخوص الرواية فعندما تتأثر بمأساة التلميذة المهجرة من السويس تصنع لها ” حلاوة الدقيق ” لتأتي منسجمة مع حدث السرد وتعطي مساحة من التسامح والود تزيل بها أثار الطبقية الاجتماعية لتكون المواطنة بديلا عنها فالكل يردد نشيدا وطنيا واحد ” بلادي.. بلادي . لك حبي وفؤادي.” ويتحمس وينادي ب ” خلي السلاح صاحي “.
وهكذا تستمر فصول الرواية تصنع حدثا مع الرجل/ الأخر وفي نفس الوقت تصنع المرأة وجبة تناسب هذا الحدث لتكون عملا أو فعلا استعواضيا لعلاقة المرأة بالرجل في كل أحوال هذه العلاقة . منتهية بالرجل المعلم” أستاذ بناتها ” وبذلك تكون حلقات المرأة الراوية قد اكتملت. بقي أن نشير إلي تلك الفصول التي عنونت بالأستاذ ندوة – الأستاذ عنوان- الأستاذ كتاب – الأستاذ ؟ ” وهكذا فلقد تحولت فيهم الرواية إلي التجريد الغير ملائم مع بداية السرد ومن هنا تحولت الكاتبة من روائية إلي صحفية تكتب مقالة وتطرح أسئلة وتصورات مباشرة رغم أهمية هذه الفصول التي جاءت استمرارا لحالة الإبحار في الذاكرة الواقعة والتي تبحث فيها سفينة الكاتبة عن مرفأ ترسوا عليه إلا أن نقصان الحبكة الدرامية وتقلص السرد حال دون إبرازها بالشكل الملائم ومع ذلك يبقي دأب مني سالم المستمر وتنقيبها في الحياة عن مشروعها الروائي التي دشنته في المشهرات واستمر في هذه الرواية محل تقدير لهذه الكاتبة .

1 تعليقك

  1. إبحار في لجة النقد الموضوعي … لكم عميق التقدير الكاتب الكبير دكتور / عصام حسين

اترك رد