هل الإمبراطورية الأميركية آيلة للسقوط ؟

 

هناك مراكز أبحاث في الولايات المتحدة تستشرف المستقبل، وتعتبرها من المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعطي إشارات تحذيرية للولايات المتحدة، لكن المحللين من خارج الولايات المتحدة يلتقطون تلك الإشارات ويراهنون من أن الإمبراطورية الأميركية آيلة للسقوط، وهذه معضلة بل غياب امتلاك رؤية واضحة وناضجة خصوصا إذا أتت من مفكرين ونخب يثق الكثيرون في تحليلاتهم، لأن التحليل السياسي يجب أن يكون بعيدا عن الحب والكره لأنه يجب أن يبنى على دراسات ومواقف استشرافية استراتيجية جيوبولتيكية.
كثير هؤلاء المحللون الذين يعتمدون على كتب أمريكية صدرت في الولايات المتحدة مثل كتاب ( ما بعد الإمبراطورية : دراسة في تفكيك النظام الأمريكي ) الصادر عام 2001 لمؤلفه إيمانول تود، وهناك كتاب آخر لعالم الاجتماعي النرويجي بوهان جالتونج عنوانه ( سقوط الإمبراطورية الأميركية : ماذا بعد ) الصادر عام 2009، وهناك كتاب حديث صادر في 2018 لمؤلفه كريس هيدجز ( أمريكا في مرحلة الوداع ) وهناك كتب أخرى كثيرة وحتى مثل تلك الكتب لا تقصد زوال الولايات المتحدة وانهيارها، وإنما تقصد تراجع الدور الأمريكي العالمي الإمبراطوري، وهناك فرق بين الاثنين لم يستوعبه مثل هؤلاء المحللين التي أصبحت تحليلاتهم غير ناضجة وغير استراتيجية.
توالت التحليلات التي تنذر بسقوط الولايات المتحدة خصوصا بعد اندلاع شرارة المظاهرات في الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد على يد الشرطة الأميركية، ومما زاد من تلك التوقعات الإعلامية وليست الاستراتيجية بعدما قلص جالتونج تنبؤات سقوط الولايات المتحدة من 2025 إلى 2020، لكن مثل هؤلاء يغيب عنهم القوة الناعمة التي تتمتع بها الولايات المتحدة بدء من الجامعات وريادة البحث العلمي والسيطرة على الثقافة العالمية من خلال وسائل الإعلام والإنتاج الفني الذي تتميز به الولايات المتحدة ولا يزال بين الولايات المتحدة وبقية العالم بون شاسع، إضافة إلى امتلاكها أقوى جيش في العالم، وتهيمن عملتها على 62 في المائة من الاحتياطيات العالمية، والاتحاد الأوربي تستحوذ عملته على 20 في المائة، والعملة الصينية على أقل من 2 في المائة، ويتسم اقتصادها بالتنوع الشديد والتكنولوجيا الرائدة عالميا، وتمتلك قاعدة الموارد الطبيعية القوية.
ولم يستوعب مثل هؤلاء المحللين الذين يراهنون على سقوط الولايات المتحدة عبر الإعلام ويضللوا متابعيهم وحتى بعض السياسيين الذين يتبنون مثل هذا الطرح ويبنون عليها استراتيجيات تخص دولهم ومواقف وتحالفات، ولم يستوعبوا من أن انفراد الولايات المتحدة بالقطبية يعقد مهامها، فهي تحتاج إلى روسيا كقوة مساندة وكذلك إلى الصين وإلى قوى إقليمية أخرى مثل السعودية ومصر وتركيا وإسرائيل، ولكن مع رسم حدود لهذه القوى المساندة بحيث لا تتجاوز ما رسمته لها.
فيما يعد صياغة المشهد الاستراتيجي للقرن ال21 بعد انتقال التنافس بين الولايات المتحدة والصين إلى الساحة العالمية، ربما تكون الهند البلد الوحيد غير المنحاز والذي يمكنه بمفرده خلق اختلاف كبير في توازن النفوذ والمزايا عالميا، فجيوسياسات هذا المثلث الولايات المتحدة والصين والهند تخلق تقاربا أكبر بين الولايات المتحدة والهند.
ومنذ صعود الصين في التسعينات من القرن الماضي نظرت الولايات المتحدة إلى الهند كثقل موازن، رغم ذلك تجنب المسؤولون الهنود من تحويل الصين إلى عدو صريح، بينما تشكل الصين أمام الهنود منافسا طبيعيا يتعين عليهم إيجاد سبل التعايش معه، ومع ذلك فإن المنطق الجيوسياسي للدخول في شراكة مع الولايات المتحدة ازداد قوة بمرور الوقت، وذلك لأن الصين أصبحت أكثر قوة وللمفكرين الاستراتيجيين الهنود كل العذر في التشكيك في أن مبادرة الحزام والطريق الخاصة ببكين تمثل تطويق ضد الهند بالنظر إلى القوة التي تبني بها الصين وجودا لها داخل باكستان وسريلانكا ومناطق أخرى على طول المحيط الهندي، كما يشكل الحوار الأمني الرباعي شراكة استراتيجية غير رسمية بين الولايات المتحدة والهند واستراليا واليابان ائتلافا ضمنيا.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا تعاني من تحديات من أهمها العنصرية التي لا تزال في نفوس الكثيرين، ولم تنتهي رغم انتخاب رئيس أسود في أول مرة في تاريخ الولايات المتحدة أوباما استمر لفترتين رئاسيتين، ويثير البعض أن هناك تنبؤات من أن البيض الأوربيين لن تكون الأغلبية بشكل مؤكد في عام 2042، ما يعني أن الخطاب الأصولي المتشدد انتقل أيضا إلى الخطاب السياسي، مع أن هناك كوارث تواجه الولايات المتحدة في المستقبل، رغم ذلك لا تزال أميركا تؤمن بالقيم الأميركية التي أرساها الآباء المؤسسون والتي ميزت أميركا عن غيرها من دول العالم قاطبة التي استطاعت أن تدفع مناهضيها وأعداءها إلى تقليدها في الوقت الذي يحاولون الانقضاض عليه.
وتتجلى هذه القيم في احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والقانون والمؤسسات وحكمها والفصل بين السلطات وتوازنها، وهناك الوسط الأميركي الأكثري الذي يحرص على الحفاظ على هذه القيم وينقذ دولته ومجتمعه من موجات العنف والدمار والعنصرية والتقوقع، وسبق أن حدثت اضطرابات أبرز محطاتها مقتل مارتن لوثر كنج الابن عام 1968، وكذلك اغتيال رودوني كينغ في لوس أنجليس عام 1992، وأحداث بالتيمور عام 2015، وأعمال الشغب في ميلووكي عام 2016 وغيرها.
لذلك من السذاجة والتسطيح الاعتقاد من أن أمريكا على وشك الانهيار والسقوط على وقع حدوث هكذا أعمال عنف، على الرغم من خطورتها وفظاعتها، لكن لا يمكن التغاضي عنها وتجاهلها من أن تجعل الولايات المتحدة غير قادرة على التعافي وأن تبقى قوة عملاقة والأكثر جذبا للمهاجرين واللاجئين.
هناك فئة وسط بين الفئتين تحاول تحليل الواقع في الولايات المتحدة، وترى أن الهيمنة العسكرية آيلة للسقوط بسبب التأسد بالعسكرة فقط دون اتكائها على المنظومة الفكرية والاقتصادية والثقافية، وتلك الفئة ترى أن الحرب على الإرهاب جريمة لكن من يقاضي الولايات المتحدة أعظم قوة على وجه الأرض، كذلك ما يسمى في وزارة الدفاع الاحترابيون عقيدتهم العسكرية تكمن في تغذية النزاعات المحدودة عسكريا والمحكومة استراتيجيا حتى يحصلوا على ميزانيات عالية للدفاع من أجل أن تبقى الولايات المتحدة أعظم قوة عسكرية على وجه الأرض، فهي بعد الصراع المريع الحدة الذي مثل الحرب العالمية الثانية هي تتجه نحو الصراع منخفض الحدة مثل حرب الخليج الثانية والثالثة، ولكن لم تنج الولايات المتحدة من الصراع منخفض الحدة حتى الان.
وهناك آخرون يرون أن اقتصاد الولايات المتحدة اقتصاد حرب مثل الحرب على أفغانستان والعراق من أجل النفط والثروات في تلك المناطق، وهناك آخرون يرون أن الرأسمالية الأمريكية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال توحيد السوق العالمي، لكن ترمب خرج عن هذا المسار بعدما وجد أن الميزان التجاري للولايات المتحدة مع دول العالم يعاني من عجز كبير.
في الجانب الآخر يرى المفكر الأميركي هنتجتون صاحب نظرية نهاية التاريخ التي صاغها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990 ولكنها لم تتحقق على أرض الواقع، والآن هناك صعود للصين وروسيا، فيسمي الولايات المتحدة بالقوة العالمية التي تعاني الوحدة والانفراد، يبدو انه بدأ يستقرأ ما يقوم به ترمب كرئيس شعبوي، لكنه يبدو أنه لم يتفهم تلك السياسات الشعبوية التكتيكية للوصول إلى أهداف رسمتها الإدارة الأميركية التي يرأسها ترمب.

لا تعليقات

اترك رد