فيلم ( أغورا )

 
فيلم ( أغورا )

هذا الفيلم ، تذكير ٌ باهرُ النبرة بشهيدةِ الفلسفة و جميلةِ العلوم ( هيباتيا )

إنـــتـــاج : 2008
إخــــراج : اليخاندرو أمينابار
تـمثـيــل : راشيل وايز
ماكس مانغيللا
أوسكار ايساك
سيناريو : ميتيو جيل

كان مهرجان ( كان ) السينمائي ـ الفرنسي ـ الدولي ، للعام 2009 ، أولَ مناسبة يتم فيها عرض فيلم ( أغورا ) ، و هو مهرجان يقام ـ عادة ـ في شهر آيار/ مايو من كل سنة ، ولكن الفيلم لم يدخل حيز مسابقاته ، على اعتبار أنه خارج مواصفات هذه المسابقات ، غير أنه عومل كتحفة سينمائية ملفتة للفكر و الإنتباه ، و مثيرة للجدل ، على أكثر من مستوى . و مع ذلك فأنه لم يُعرض في صالات العرض الأوروبية إلا ّ نهاية ذلك العام ، أي بعد سبعة أشهر كاملة من ذلك العرض الدولي الشهير ، لسبب مثير سوف أشير اليه لاحقاً ، ولم يُعرض الفيلم في أمريكا الشمالية ( أمريكا و كندا ) إلا في آيار / مايو من العام 2010 .. أي بعد سنة كاملة من عرضه الأول .

فيلم ( أغورا )

يأخذ الفيلم عنوانه ( أغورا ) من الساحة العامة في مدينة ( الإسكندرية ) المصرية ، التي تجتمع فيها الناس ـ عادة ً ـ من أجل التبادل التجاري و الفكري و النقاش السياسي ، و هذه الساحة تستعير اسمها من الساحة القديمة في ( أثينا ) أيام مجد اليونان . ولكن هذه الساحة ( الإسكندرانية ) تحولت ، نهايات القرن الرابع الميلادي ـ كما هو معروف تاريخياً ـ الى ساحة للجدل الديني ، عندما اشتد عود المسيحية .. بعد تحولها الى الدين شبه الرسمي للدولة الرومانية منذ أن سمح الإمبراطور ( قسطنطين ) ـ تحت تأثير أمه ( هيلانة ) ـ بظهورها الى العلن و ممارسة المسيحيين لطقوسهم . و في الإسكندرية ( التي كانت العاصمة الرومانية الثانية بعد روما ) كان الوجود المسيحي فاعلا ً في تلك الفترة التي بدأت تشهد بوادر انهيار الدولة الرومانية و الذي اتاح للمسيحية حيزاً كبيراً ظهرت فيه ليس كقوة تحد ٍ للديانيتين الوثنية و اليهودية .. بل كقوة بديلة من الممكن أن تديرشؤون الدولة و المجتمع بعيداً عن القوة السياسية التي تدير هي ـ عادة ـ هذه الشؤون . وفيلم ( أغورا ) يسجل هذه الفترة الحرجة في التحول التاريخي على المستويين السياسي و الديني . ولكنه أظهر ( أمام الجمهور ) الجانبَ الذي لا يرضي المسيحيين اليوم ـ المصريين تحديداً ـ لأنه يقدم أجدادهم كهمج و رعاع قساة أساءوا الى الحضارة الإنسانية ، عندما اشتد عودهم في مصر و انتقلوا من مرحلة التبشير الى مرحلة العنف . فأظهرهم الفيلم وقد راحوا يتسيدون على الإسكندرية ، من خلال تسيدهم على ( أغورا )، و باتوا يجادلون فيها بشأن أفضلية دينهم على غيره ، من خلال السجال و اللجوء الى اسلوب تأكيد المعجزات لدى المسيحية كإثبات ذلك بمشي أحد الأساقفة المتشددين على النار وسط الساحة العامة ، ليتحول الأمر ، شيئاً فشيئاً ، الى العنف و احتلال الساحة و القتل و تدمير مظاهر الحضارة في مدينة الإسكندرية من تماثيل و رموز فكرية و دينية و مرافق عامة وصولاً الى ( مكتبة الإسكندرية ) الأشهر في تاريخ المعرفة .

و الحقيقة أن الفيلم يقدم ـ عند هذه النقطة ـ شهادة براءة للمسلمين أمام الغرب الذي أعتاد على اتهامهم بأنهم هم الذين أتلفوا مكتبة الإسكندرية الشهيرة ، كتعبير عن همجية العرب المسلمين حين فتحت الجيوشُ الإسلامية مصرَ بقيادة ( عمرو بن العاص ) . ولكن الفيلم ـ بالمقابل ـ يلجم أفواه الإسلاميين المتشددين في مصر اليوم ، والذين يضغطون على المسيحيين فيها لمغادرتها باعتبارها ليست بلادهم و أن المسلمين أوْلى بها ، فالفيلم يثبت أن مسيحيي مصر هم الأصليون فيها ، منذ القرن الرابع الميلادي ، أي قبل ظهور الإسلام بقرنين . ولكن مع ذلك ، فأن الذي يثير غضب و حفيظة و حنق مسيحيي مصر على الفيلم هو أنه أظهرهم على درجة عالية من العنف و الهمجية بما لا يتفق مع طبيعة السلام و التسامح اللذين عـُرفت الدعوة المسيحية التبشيرية بهما . و مع أن المخرج الإسباني ـ تشيلي المولد ـ ( اليخاندرو أمينابار ) طرح فيلمه باللغة الإنجليزية لغرض التسويق ، إلا أنه أرتكب سابقة بحق فيلمه و تحت ذريعة التسويق أيضاً . و هذه السابقة هي التي أخـّرت عرض الفيلم مدة سبعة أشهر كاملة في أوربا . فعندما عُرض الفيلم في مهرجان ( كان ) فقد عُرض كاملا ً ، ولكن المخرج عمد ـ بعد ذلك العرض ـ الى حذف نحو عشرين دقيقة من فيلمه ، و هو الزمن الذي تستغرقه مشاهد العنف الذي مارسه ( اليهود ) ضد ( المسيحيين ) ، و لم يُبق ِ غير مشهد ( الفخ ) الذي نصبه اليهود للمسيحيين في أحدى دور العبادة و قد مارسوا فيه غدراً قاسياً بدا كما لو كان رد فعل طبيعياً أمام قسوة المسيحيين ، مثلما أبقى على مشهد طرد اليهود من مصر على يد المسيحيين اياهم .. فأظهرهم في الفيلم ـ بعد الحذوفات ـ كجهة مظلومة حسب . ولكن اذا كان المخرج قد برر ذلك بأسباب تسويقية ـ كما أعلن ـ فأن في ذلك اعترافاً صريحاً بأن الصهيونية العالمية تسيطر على عالم السينما حقاً ، أكان في هوليوود أم خارجها ، وأنها هي التي تقرر طبيعية الترويج و هي التي تتحكم بالتسويق .

فيلم ( أغورا )

صحيح أن الحذف الذي أجراه المخرج لم يؤثر على سياق الفيلم من الناحية الفنية ، ولكن إجراءً كهذا إنما شكـّل مثلبة تـُسجل على المخرج الذي قدّم بها ذريعة جلية لمسيحيي مصر للإعتراض على طروحات الفيلم ، فتم منع عرضه في مصر ( إلا في المهرجانات ) ، ربما لا لأنه قدم صورة سلبية سوداء عن أجدادهم الأوائل فقط ، بل لأنه حذف مشاهد العنف اليهودي تجاههم ، بمعنى أنه ( نظف ) ساحة اليهود و ترك ساحة المسيحيين ( وسخة ) ، بعد أن كان محايداً أثناء صناعة فيلمه . و بهذا فأنه قدم الى المتشددين المسيحيين ( في مصر ) ـ من حيث لا يقصد ـ الوسيلة ليدخلوا على الخط ، على غرار المتطرفين الإسلاميين الذين باتوا يتدخلون في ما لا يعنيهم من شأن ثقافي وفني محض ، و كذلك على غرار المتشددين اليهود الذين اعترضوا ـ مثلاً ـ على فيلم ( آلام المسيح ) من اخراج ( بيل غبسون ) الذي لم يستطيعوا التلاعب في تسويق فيلمه ، لأنه هوليوودي أقوى قدرة ً في التحدي من ( اليخاندرو ) الإسباني . و يمكن القول أنه ربما أراد مخرج فيلم ( أغورا ) أن يتجنب الوقوع في المطب الذي وقع فيه المخرج الأمريكي ( أدوارد زويك )الذي قدم اليهود كمقاومين للجيش النازي في فيلمه ( تحد ٍ ) ، فغضبت منه الأوساط اليهودية داخل أمريكا و خارجها ، باعتباره قدم صورة تحد ٍ و عنف لدى اليهود هي غير الصورة النمطية التي اعتادت أفلام الهولوكوست تقديم اليهود فيها كضحايا فقط . ولكن ، على أية حال ، فأن فيلم ( أغورا ) يلامس بحساسية عالية قضية باتت ـ اليوم ـ هي الشغل الشاغل في العالم ، كما هي قضايا أسلحة الدمار الشامل و المشاكل الإقتصادية الكبيرة ، تلكم هي قضية التطرف الديني التي باتت لا تكهرب العلاقات بين الناس في المجتمع الواحد حسـب بل و بين الشـعوب .. و ربما بين الدول أيضاً . غير أن المخرج اختار حقبة تاريخية حساسة و حرجة شهدت تحولات سياسية و دينية حدثت قبل ستة عشر قرناً مضت ولكنها تجد انعكاسها في مرآة حاضرنا . و هذه هي النقطة الأساسية التي جعلت فيلم (أغورا ) مثيراً للجدل على نطاق واسع ، بموازاة رقيه الجمالي على مستوى الصنعة السينمائية ، بما أهـّله لأن يكـون تحفة حقيـقية لا يمكن لمن يشاهـده أن ينساه أو أن لا يتطلـّع الى تكرار مشاهدته .
فيلم ( أغورا )

إذا كانت ( أغورا ) هي الساحة ، أو المحيط الذي تدور فيه الأحداث ، فأن ( هيباتيا ) هي المركز الأساس الذي يستقطب الأحداث في الفيلم ، بل هي العنصر البطولي النسوي الوحيد فيه ، و هي إذ بدت شخصية باهرة في الفيلم ، فأنها كانت باهرة عصرها فعلاً، ذلك أنها أول فيلسوفة في التاريخ ، و هي عالمة فلك ورياضيات بارعة ، طرحت نظرياتها الخاصة في علوم حركة الكواكب بحيث باتت ( هيباتيا ) تـُعتبر ـ اليوم ـ الأم الروحية لعلوم الطبيعة الحديثة ، ولكن نظريات هذه العالمة الفذة لم تؤخذ بنظر الإعتبار في عصرها ، بل كانت سبباً في معاداة المتطرفين لها باعتبار هذه النظريات ضرباً من السحر و الشعوذة ، حتى جاء عالم الرياضيات و الفلك الآلماني ( يوهانز كيبلر ) ليثبت في القرن السادس عشر ( أي بعد اثني عشر قرناً ) صحة نظريات ( هيباتيا ) .

لقد كان واحد من أهم اهتمامات هذه الإمرأة المذهلة منصبــّاً على لغز دوران الكواكب حول الشمس و كيفية وضع قانون ينظـّم هذه العلاقة . و ( هيباتيا ) هي أول من غيـّر فكرة تصور المدار الدائري ، حين وضعت صورة ً للمسار البيضوي لدوران الكواكب حول الشمس ، و هي أول من وضعت يدها على قانون جاذبية الأرض قبل ( نيوتن ) .. و من هذه النقطة يبدأ الفيلم : حين تظهر ( هيباتيا ) في أول المشاهد و هي تقدم درسها لتلاميذها بإلقاء منديل على الأرض ، شارحة لهم كيف أن المنديل يسقط على الأرض بسبب جاذبيتها ، في حين أن الكواكب لا تسقط خلال دورانها في الفضاء الفارغ و هي تدور بحكم قانون ما ، و هذا القانون هو الذي كان يشغل ( هيباتيا ) ، إضافة ً الى انشغالاتها الأخرى في الفلسفة و الرياضيات .

11401387_10205798729918924_1998785114983512751_n

لقد كانت هذه المرأة خالقة أسئلة عميقة و متشابكة و محيرة ، في الدرجة الأولى ، أكثر منها صائغة اجابات جاهزة أو تقليدية ، و بقدر ما كانت أسئلتها توخز العقل و توقظ الراقد فيه ، فأن أجوبتها نفسها كانت مولدة أسئلة و شاحنة عقل . و توجهات ( هيباتيا ) و نشاطها الجاد في الفكر و العلم جعلها بعيدة عن فكرة الدين أو الإرتباط العاطفي ، فعلى الرغم من أنها ولدت و نشأت في عهد وثني تزامن مع اليهودية و من ثم برزت فيه المسيحية ، غيرأنها لم تكن ملتفتة الى فكرة الدين ، مطلقاً ، لقد كانت ترى أن الجميع أخوة ، و كان العلم هو دينها ، و الإلتزام به هو مبدأها الذي لا تحيد عنه . لذلك فأنها تجيب ( الأب ) المسيحي الذي كان أحد تلامذتها ـ عندما يطلب منها أن تعتنق المسيحية هي أيضاً ـ تجيبه بالقول : ( إيمانك يمنعك عن طرح الأسئلة .. أنا يتطلب عملي مني أن أطرحها ) . وعلى الرغم من جمال ( هيباتيا ) الفاتن ، و انوثتها الطاغية ، و حوم الرجال حولها ـ و في مقدمتهم عبدها المتيم بها ( دافوس ) و تلميذها ( أوريستوس ) الذي غدا حاكم المدينة ـ إلا أنها تجنبت فكرة الخوض في تجربة الحب الذي كانت كل أسبابه متوفرة عندها و حولها . لقد كان خطأ القدر في التاريخ ، هو أن ( هيباتيا ) ظهرت في عصر أزاح ( الإيمانُ ) خلاله ( العقلَ ) ، فباتت الفلسفة و نظريات العلم ضرباً من السحر و الشعوذة ، و اعلاناً عن انتماء الى الوثنية التي باتت على حافة النهاية عقب تقوّي المسيحية ، التي غدت الدين شبه الرسمي للدولة الرومانية ، بعد أن عانت قروناً من التعسف و الإضطهاد في عهد هذه الدولة الوثنية أصلاً . و بطبيعة الحال فأن تحالف السلطة الدينية و السلطة السياسية إنما يضع خطاً أحمر لا تتقبلان مطلقاً أي تجاوز له ، فالمتجاوز من وجهة نظرهما ( كافر ) دينياً و ( خائن ) سياسياً . و هاتان السلطتان تعملان على الإخضاع و الإيمان ، قسراً أو طوعاً ، و هذا الإخضاع لا يفسح مجالاً للعقل و أسئلته و حواراته المنطقية . فهما لا تؤمنان بأنه : اذا تساوى الأول و الثاني و تساوى الثاني و الثالث فأن الأول يساوي الثالث . و في خضم تغييب هذه المعادلة العقلية البسيطة تم ، و يتم في كل العصور ، تغييب أصحاب العقول ، و في مقدمتها الفلسفة و مقترباتها الرياضية و الفلكية . لذلك فأن تجريع ( سقراط ) سـُمّ ( الشوكران ) لأن طروحاته لا تتوافق مع السلطة السياسية ، وقتــْلُ ( هيباتيا ) لأن طروحاتها تعارضت مع السلطة الدينية ، يأتيان كنتيجة طبيعية في سياق تسلط ما هو إيماني على حساب ماهو عقلي . فالمثقفون ، و أصحاب الرأي الفردي ، المختلف ، لا يمتلكون ـ عادة ً ـ قوة إثارة العامة ضد السلطة ـ أي سلطة ـ لذلك فأنهم أول الضحايا ، لا لكونهم يشكلون قوةً خطيرة ، بل لأنهم يجب أن يكونوا درساً و عبرة للعامة ، من وجهة النظر غير المعلنة من لدن احدى السلطتين ، أو كلتيهما في سياق حلفهما المقدس غير المعلن أيضاً . و ها نحن نرى ـ بصورة عملية جلية مثلاً ـ أن السلطة السياسية الصهيونية قد فرضت على المخرج حذف المقاطع التي تستعرض العنف اليهودي في فيلم (أغورا ) ، فيما فرضت السلطة الدينية المسيحية ، في مصر ، على الرقابة المصرية منع عرض الفيلم في صالات العرض السينمائي المصرية .

و واقع التاريخ المعرفي يشير الى أن الفلسفة هي أم العلوم ، ولكن هذه الأم العظيمة وقعت عبر هذا التاريخ ضحية رسمية لسلطتي ( السياسة ) المتخلفة و ( الدين ) المتطرفة ، ذلك أن الفلسفة ميدانها العقل الذي هو عدو لدود لهاتين السلطتين اللتين لا يمكن أن تطيقا الأسئلة و الأفكار القلقة ، و هو ما يدفعهما الى جعلها هدفاً و اعتبارها ( هرطقة يونانية ) ، باعتبار اليونان مهد الفلسفة . و هناك من وصف ( أثينا ) بالمدينة ( المشؤومة ) للسبب ذاته . كما أن الإمبراطور ( قسطنطين ) الذي سمح بإعلان المسيحية ، كان قد أصدر في العام 323 ميلادية أمراً صريحاً و علنياً بإتلاف و حرق جميع مؤلفات الفيلسوف (فروفوريوس ). بل أن الأمبراطور ( يوستنياس ) كان قد أغلق جامعة ( أثينا الفلسفية ) و نعت أساتذتها بـ ( مرضى الجنون الإغريقي ) … و ضمن هذا السياق من الغباء الصريح و التزمت القبيح ، راحت ( هيباتيا ) كضحية و شهيدة عظيمة لا يتوقف تاريخ الفلسفة و التاريخ الإنساني عن ذر الدمع الصادق على ذكراها .

و إذ ظهرت ( هيباتيا ) في العصر الخطأ ، فأن عاملين أساسيين أوقعاها تحت عجلة جريمة عصرها ، الأول : أنها اعتنقت الفلسفة و اتخذت من العلم ديناً لها ، و الثاني : كونها إمرأة . ولكن هذه الإمرأة هي أول فيلسوفة تدرّس العلم و لها أتباع كثيرون من الرجال الذين كانوا يتهافتون على قاعات محاضراتها ، بل هي أول استاذة جامعية عرفها التاريخ . و اذ يعلن القديس ( سيريل ) ـ في ما يشبه المراسيم الدينية ـ وجوبَ عدم الإستماع الى المرأة و منعها من العمل و التدريس و الفكر ، فأنه يكون قد أصدر ( فتوى ) استهدفت (هيباتيا ) بصورة غير مباشرة ، ولكنها صريحة ، الأمر الذي وضع الحجة الدينية الغبية في أيادي المتطرفين المسيحيين ليفعلوا فعلتهم الوحشية التي لم ينسها التاريخ .. ولن ينسى . و تشير المعلومات التاريخية الى أن مجموعة المتطرفين الذين قتلوا ( هيباتيا ) ، اقتادوها الى وسط المدينة ، و عرّوها تماماً ، ثم قاموا بسلخ جلدها و هي حية ، ثم قطعوها ، ثم وزعوا قطع جسدها الطاهر النبيل على أماكن متفرقة من المدينة و أحرقوها ، إمعاناً في الجريمة .. بإسم الدين .

ولكن المخرج ( أمينابار ) اختار مشهداً مختلفاً لـنهاية حياة (هيباتيا ) في فيلمه ( أغورا ) ، و هو مشهد معقول لغرض التخفيف ، لا لتخفيف الجريمة .. بل لتخفيف بشاعتها ، فجعل النهاية خفيفة الصدمة على عين المشاهد .. ولكنها ضاربة في عمق روحه ، خصوصاً روح المشاهد الذي يعرف من هي ( هيباتيا ) جميلة العقل و الروح والبدن : فقد عمد المخرج الى جعل هؤلاء المتطرفين القتلة يقتادون تلك المرأة العظيمة من وسط المدينة الى مكان ما ، و في هذه الأثناء كان عبدها ( دافوس ) ـ الذي أعتقته و قد اعتنق المسيحية ـ يبحث عنها لينقذها و قد علم بأن مصيراً بشعاً ينتظرها ، و اذ يعثر عليها و قد جردها المجرمون من ثيابها ، في خطوة منهم لتنفيذ جريمتهم البشعة ، فأنه يقترح عليهم الإتيان بالحجارة لقتلها رجماً ، و اذ يستجيبون لاقتراحه و ينفرد بها ـ و هو الذي يهيم بها عشقاً ـ فأنه يعانقها من الخلف بقوة الهيمان و يقوم بخنقها ، بهدوء ، تخليصاً لها من المصير المخيف الذي ينتظرها .. لينتهي الفيلم بهذا المشهد المؤثر . كتب سيناريو الفيلم ( ميتيو جيل ) و شاركه في ذلك المخرج نفسه الذي أسند دور البطولة الى الممثلة الإنجليزية الجميلة ( راشيل وايز ) بدور ( هيباتيا ) ، و قد كانت ذات حضور طاغ و متفرد في الفيلم ، و شاركها البطولة ( ماكس مانغيللا ) بدور العبد ( دافوس ) و ( أوسكار ايساك ) بدور التلميذ ثم الحاكم ( أوريستوس ) .. كما أسند أدواراً الى ممثلين شرقيين ، من مثل الفلسطيني ـ من عرب 48 ـ ( أشرف برهوم ) بدور الأسقف المتشدد ( أمونيوس ) ، و الممثل الإيراني ( همايون ارشادي ) بدور العالم المساعد لـ ( هيباتيا ) . فيما وضع الموسيقار الإيراني المعروف ( داريو ماريانللي ) الموسيقى التصويرية الرائعة للفيلم ، فكانت لمسة موسيقاه الإيرانية الجميلة واضحة في التايتل ، على وجه الخصوص .

بلغت تكاليف الفيلم خمسين مليون يورو ، و هو مبلغ يـُعد ضخماً بالنسبة للسينما الأوروبية ، ولكنه متواضع جداً أمام الميزانيات التي ترصدها هوليوود لفيلم بفخامة فيلم (أغورا ) الذي استغرق تصويره أربعة أشهر في جزيرة ( مالطا ) التي شـُيد فيها ديكور على غرار مدينة ( الإسكندرية ) في القرن الرابع الميلادي ، و هو ديكور متقن و أخاذ في هندسته التي قربت الصورة عن تلك المدينة التاريخية الباهرة بمبانيها و تماثيلها و رموزها الفنية في ساحاتها و بأزياء سكانها التي ظهرت متكاملة في هذا الفيلم الأخاذ الذي بقدر ما يثير الجدل حول طروحاته فأنه يصيب مشاهده بالإنبهار بجمالياته السينمائية .. فيثبت أنه تحفة سينمائية بحق .

المقال السابقمبدعون من بلادي: المرحومة الدكتورة وسماء الأغا
المقال التالىالنبيّ
هادي ياسين.. كاتب عراقي من مواليد البصرة ، و فيها أكمل دراسته الإبتدائية و المتوسطة و الإعدادية . تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية ـ جامعة بغداد . عمل في الصحافة الثقافية منذ العام 1978 لغاية هجرته من العراق عام 1997 . أعدّ و قدّم برنامج ( فنون تشكيلية ) من تلفزيون العراق للفت....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar يوخنا دانيال

    الا تظن ان الحديث عن Agora .. اصبح متأخراً بعض الشيء يا عزيزي … طبعاً الفلم لم يعد له اي علاقة بالعالم المسيحي والمسيحيين .. بل ينطبق اكثر على العالم العالم العربي والمسلمين العرب بالدرجة الاولى .. وهذا ما فعله الراحل شاهين في عمله الخالد المصير .. تمنيت لو تطرقت في مقالك الى علاقة الفلم واضاءاته لما نعيشه في العراق على الاقل .. تحياتي

اترك رد