BRILLO

 

في قرية صغيرة بين مدينة تيفلت ومدينة الخميسات وسط المغرب، هناك ضيعة متوسطة الحجم في أقاصي البلدة. بها منزل قديم. يبدو أنه موروث بالتسلسل. صاحب المنزل الأصلي ثم الأبناء فأبناء الأبناء وهكذا. إلى أن انتهى صيف هذا العام إلى يد فلاح عجوز. يعيش مع ولديه الوسيمين. عزم الأخيران على التقدم لطلب يد الحسناء الفاسية، بنت تاجر الذهب. لم يبالغ الأخوان في طلب الزواج من بنت أكبر تاجر ذهب في البلاد. فالأخيرة قد قبلت فكرة الزواج نفسها أخيرا وبعد سنين من الرفض المطلق. ولذلك كان البلد كله منبهرا وهو يستمع إلى مختلف الإذاعات، الرسمية والدولية حين كانت تنقل خبر قبولها بالقفص الذهبي. وكان منبهرا أكثر عندما سمع الشرطين العجيبين.
فقد ألحت بنت التاجر أن يكون زواجها ديمقراطيا. بحيث يتيح الفرصة لكل الشبان في جل المدن القريبة والبعيدة، للتباري وتجريب الحظ. لا فرق في ذلك بين أبيض أو أسود ولا بين غني وفقير. واشترطت أولا ألّا يكون الشاب جبانا. أما الشرط الثاني فهو أن يملك حصانين غريبين. واحد لنفسه والآخر لها تركبه للنزول إلى شوارع وجنان مدينة فاس .
ورث العجوز إلى جانب المنزل فرسا مسنة. أصابها الهزال. لكنها ولدت أربعة أحصنة من أجود الخيول في المدينة كلها. خلال السنين السابقة. هي كل ما تملك الأسرة الصغيرة. وقد منحهما الأب لابنيه. وأمرهما بالتدريب الجيد على مهارات الاستعراض أكثر من مهارات السباق. ثم تمنى لهما حظا سعيدا في الفوز بقلب الحسناء.
(( سأفوز ببنت تاجر الذهب وأصبح غنيا. ستعجب بلون الحصانين البيضاويين. قال الابن الأكبر)).
علق الأخ مستهزئا:
ـ شكون دايز فالمراح..مول البركي والسناح.
ثم قال لأخيه:
(( بل أنا من سيفوز بقلبها وأصبح مالكا لكنوز الذهب. فحصاناي صفراوان. وهذا لون نادر في البلاد.)).
علق الآخر ضاحكا:
ـ العود صنابي..مولاه لا خيال لا ترابي.
كان يوما جميلا.أظن أنه بداية فصل الربيع. فقد انقشعت السحب فوق القرية عن سماء بلون البحر. تراجعت أمواج القرّ، وأطلت حرارة خفيفة جعلت الجو دافئا ومغريا. ركب كل منهما حصانه وقبضا على لجام الثاني كي يجراه من ورائهما. بعد أن زينا الخيول بأفضل السروج اللامعة. وفي اللحظة التي همّا فيها بالمغادرة، وصل بريلّو: الأخ الأصغر. إذ كانوا في حقيقة الأمر ثلاث إخوة. الصغير غادر المنزل منذ سنين. وظل هائما في البلدة يبيت في الخلاء أو قرب شجيرات النبق ليلا. يطلب الخبز نهارا من سكان القرية كي يعيش. كان بريلّو معتوها حقيقة. ولذلك سمي بهذا الاسم. ولم يكن أحد في القرية يقيم له وزنا. حتى الأب نفسه لم يسأل عن أحواله بعدما تعب من محاولات إصلاحه. أو مجرد الإبقاء به داخل جدران المنزل.
قال بريلّو المعتوه لأخويه:
ـ إلى أين تتوجهان بهذه الملابس الجميلة و هذه الخيول المزينة؟
ـ إلى فاس لطلب يد الحسناء. أجاب الأخوين
فرد المعتوه قائلا:
ـ نعم. لقد سمعت البراح في السوق يذيع الخبر. فأتيت مسرعا. انتظرا.سأنضمّ إليكما الآن.
ضحك الثلاثة من كلام بريلّو.ثم قال الأب.
ـ كلام مجانين. أنت لا تتقن تحريك اللسان وسط فمك. ثم إن الخيول الأربعة قد وزعت على أخويك. فكيف تسافر.
ثم أضاف ساخرا:
ـ ثم أين هو الحصان الخاص بالعروس؟
وكأن الصغير قد فكر في الأمر من قبل. أجاب بسرعة:
ـ سآخذ الفرس العجوز. أمّ الأحصنة الأربع. والسرج البني المرمي في خمّ الدجاج. وسأتدبر أمر الحصان الخاص بالعروس في الطريق. لا زال أمامنا أسبوع كامل من السفر.
رد الأب بازدراء واضح:
ـ أنت تهذي. لكن لا أستطيع منعك من تجريب الحظ.
ركب المعتوه على ظهر الفرس الأمّ. ولكز جانبيها. ثم سار الثلاثة وسط مزارع الشعير و أسوار البلس الشوكي الممتد على جانبي الممر.
في الطريق أصاب الفرس العجوز تعب شديد. فقد تأخرت كثيرا. وأصبحت المسافة بين الإخوة كبيرة. ولم يعد الصغير يرى أخويه. فقد اختفيا عن الأنظار. إنه لا يعرف الطريق إلى المدينة التي سيقام فيها تقديم العرسان المفترضين. رغم ذلك قرر السير قدما. وبعدها فليحصل أي شيء. المهم أن يتقدم وينتظر ما تجود به الطريق الطويلة. قال في نفسه.
من طبيعة الأمور ألّا تجري في خط مستقيم. ألّا تسيل في المجرى الذي نرسمه بين أعيننا أو في الهواء. فدبدبات المستقبل تملك حياة خاصة. زئبقية ولا يمكن القبض على جسدها الانسيابي. الأمور هي اللاشيء الذي يهرب دوما من بين الأصابع. ففي اليوم الموالي بدأت الفرس المسنة في السقوط ودس الأنف في كثبان الرمل. ثم شرعت تكابر للنهوض ومتابعة السير. لكن هل تكفي التعبئة بالشرف والتضحية إذا انهارت الركبتان. لكل صمت موسيقى كامنة. لكل سكون حركة ولكل حركة سكون مطلق. نهاية أخيرة لا يحييها لا الشرف ولا براميل الفضيلة المفترض أن تحمل في القلوب.
غربت الشمس وحل الظلام في الأحراش غير المأهولة. وتحت شجرة نبق كبيرة. في مدخل مقبرة مهجورة. سقطت أم الأحصنة السقوط الأخير. أخرجت لسانا طويلا. ومالت بهدوء بعينيها نحو جذع الشجرة. ثم ماتت.
حزن بريلّو حزنا شديدا. فنزع السرج عنها. وضعه تحت جذع الشجرة. أسند رأسه إليه ودخل في بكاء حاد. وهو يبكي بحرقة عالية، تذكر كيف قال لأبيه((أنا من سيفوز ببنت تاجر الذهب. سواء قبلت بي أم لم تقبل. المهم سوف أتزوج منها بأي طريقة)). ها هو الآن يفقد الفرس ولن يستطيع الوصول للموعد الكبير. هل فكر المعتوه في خطة بديلة؟ بالطبع لا. وإذن لماذا الحزن حين نفقد أشياء لم نخطط لامتلاكها. لكن لم يجري الوقت بهذه الطريقة؟ هم أيضا لم يفكروا في خطة بديلة. ورغم ذلك سيصلون في الوقت المحدد. زرع المعتوه وجهه في راحة يديه. وظل يبكي ويبكي وحيدا على ضوء القمر الكئيب. المقبرة على امتداد خطوتين. وشجرة النبق حيث كان الموتى يغسلون ويرشون بماء الورد منذ زمن مضى. في هذه الأثناء سمع صوتا على مقربة منه يخاطبه:
ـ أووف. يا إلهي. لا تبكي يا صغيري. فبكاؤك ذبّح قلبي.. هيا.. قم. أنا سأساعدك يا بريلّو اللطيف.
وحين رفع عينيه ومسح ما تبقى من العبرات المالحة أسفل المقلتين، وجد نفسه أمام امرأة فائقة الجمال. ترتدي قفطانا أبيضا وعلى كتفيها يسدل شعر عروس. يكاد يغطي كامل ظهرها ويمتد طويلا نحو الأسفل.
ـ حقا. قال بريلّو.
وأضاف :
ـ أريد أن أصل في موعد التباري. فرسي ماتت وأخوي قد سبقاني لمدينة فاس.
ابتسمت المرأة. ومدت ذراعيها. فاحتضنته بحرارة وقالت:
ـ دموعك مزقت قلبي يا صغيري. لأول مرة أشعر بعاطفة مثل هذه. قلبي من حجر. كنت أفترس لحم الذكور وأكسر العظام. أما الآن وقلبي يبكي من أجلك، فقد قررت أن أساعدك.
ـ لكن؟ من أنت أيتها الجميلة؟
ـ أنا بغلة القبور.هم يسمونني هكذا.
لم يعرف بريلّو أي رعب أصابه وهو يسمع كلامها.
ـ بغلة القبور؟
ـ اسمع . لا أريد رؤية أثر للخوف في عينيك. ألم يكن الشرط الأول للزواج هو الشجاعة؟
عندما نظر بريلّو على ضوء القمر إلى أسفل ساقي المرأة الجميلة ، ورأى بعينه حوافر بغلة بدل قدمي عروس، سرت موجة من الفزع في جسده. استطاع أن يتغلب عليها بصعوبة. وخصوصا حين تذكر كيف عليه أن يظل شجاعا. وإلاّ فلن يفوز بقلب الحسناء.
ـ يا سيدتي بغلة..
وبغضب واضح صاحت في وجهه:
ـ زازيا.هذا اسمي الحقيقي.
ـ يا سيدتي زازيا. كيف ستساعدينني؟
ـ هل تحتقر زازيا العظيمة؟
ـ لا. سيدتي. لكن..
ـ سأحملك على ظهري.ألم أقل لقد جرحت قلبي ببكائك الحزين؟
ـ بلى سيدتي.
طلبت المرأة زازيا من بريلّو أن يغمض عينيه لحظة. ويمنحنها فرصة للتحول إلى فرس كبير. وفعلا كان.
عندما فتح بريلّو عينيه لم يصدق ما جرى. فقد تحولت المرأة بسرعة إلى حصان أبيض. بشعر شديد السواد. يتدلّى ليلامس الرمال. وبعينين جميلتين. وقامة عالية وفاتنة. بخلاخل ذهبية على العنق وأخرى من الفضة الصافية أسفل الساقين الأماميتين.
ـ قم يا صغيري ..ارم السرج على ظهري وهيا بنا.
كان الحصان الجديد ـ سموه ما شئتم : حصانا أو بغلة قبور أو زازيا وكفى ـ يعدو فوق الكثبان وتحت القمر الأبيض. على الطريق الفارغة والممتدة بين أشجار الصبار. كانت زازيا تداعب الصديق الذي على ظهرها. مرة تلوح بشعرها الطويل، فيلاعب وجه بريلّو الذي يجيب بضحكة جميلة وذات معنى خاص. ومرة أخرى تدور بكامل عنقها لترى وقع اللحظة التي يلامس فيها شعرها وجه فارسها اللطيف. وحين ترمق تلك الفرحة العارمة على وجه الفارس، يتفتح قلبها مثل كمثرية حبلى. فتطلق حمحمة عالية وتقفز خطوات تلو أخرى على الطريق الرملية. بالنسبة لبريلّو فالأمور قد انقلبت تماما. ومن يدري ما تخزنه اللحظات في قرابها. الزمن مثل جداتنا الموشومات الوجه. يتكئن على العكاز وينتظرن أن نظهر على المسارب. يدلفن أياديهن ويمدن في وجهك هدية عشوائية. هكذا فقط ننجو بأعجوبة من كارثة. أعجوبة..أعجوبة.. نعم هذه هي الكلمة السر. فواقعية العالم واقعية رديئة. صلبة ورتيبة. شمطاء ليس في وجهها أي حروف للجمال.
في إحدى اللحظات، طلبت زازيا منه النزول. فتحولت من جديد امرأة عادية. فسار الاثنان ببطء. وجد المعتوه الفرصة ملائمة ليسأل:
ـ سيدة زازيا. هل فعلا تحولت إلى بغلة قبور لأنك خنت زوجك الميت خلال وقت العدّة؟
ـ لا يا صديقي. لا تصغ لما يقول الناس. إنهم مجرد معتوهين.
ـ أنت حنونة. فكيف جرى إذن؟
ـ كان ذلك يوم الزفاف نفسه. وليس بعد موت الزوج كما يقول الملاعين.
ـ (…)
ـ طلبت أن أتحول إلى بغلة حتى لا أسقط بين يدي الأحمق.
ـ من؟
ـ زوجي. كنت سأزف له في هذه الثياب التي ألبسها الآن.
ـ لكن لماذا فعلت ذلك؟
ـ قلت لهم أني أكرهه. لكنهم لا يفهمون.
ـ صحيح يا صديقتي. يرغمون الفتيات على الزواج.
ـ يرغمون النساء على دخول الجحيم. أما الرجال فيغنّون ويرقصون.
ـ (…)
ـ أغلب الفتيات يبكين تحت مناديل الزفاف.
ـ هذا حزين بالفعل. ثم أرغموك على الذهاب إليه؟
ـ طبعا. رغم أنفي. حملوني إلى بيته وأنا أبكي وأطلب ..
ـ أن تصبحي بغلة قبور.
ـ بغلة نعم. لكن القبور أنا من اختارت السكن فيها. لأنها فارغة من البشر.
ـ (…)
ـ في منتصف الطريق تحولت إلى بغلة. ثم..
ـ ثم؟؟
ـ بعضهم أغمي عليه. والبعض فقد عقله. وآخرون حملوهم مباشرة للمقبرة ودفنوهم هناك.
ـ مؤسف يا سيدتي الحنون. والزوج؟
ـ ظل لسنين طويلة يبحث عن ” مخه الذي فقده “. وحين لم يعثر عليه مات في الخلاء.
بينما كان الصديقان يستريحان على قارعة الطريق المهجورة، لاحظت زازيا موجة من الحيرة تغزو وجه صديقها بين حين وآخر. فيغرق في تفكير عميق. وقررت أن تسأل:
ـ قل يا صديقي.ألا يروقك الحصان زازيا؟
رد هو:
ـ ليس هذا.إنه أجمل حصان. لكن..
ـ لكن ماذا؟ قل. لا تتردد. فقد وعدت نفسي أن أساعدك مهما كلف الأمر.
فعلا كان بريلّو مترددا. وكان عليه أن يبوح لها بما يشغل قلبه منذ غادر المنزل
ـ إنه الحصان الثاني يا صديقتي.لا أملك حصانا للحسناء.
ـ آه. نعم.نعم.
ثم دخلت في تفكير طويل. مرت لحظات من الصمت مثل مرور عصور من الثلج . بعدها ربتت على كتفه وقالت.
ـ وجدت الحل يا بريلّو. وجدته. وجدته.
ـ حقا. ما هو؟
ـ باغول. باغول. يا صديقي. إنه الحصان المناسب.
صاح في وجهها:
ـ أليس وحش الكوانين المهجورة؟
ـ بلى. إنه يحب سخام القدور. يحب أيضا لعق الأملاح المترسبة فوق الأثافي.
ـ لكنه خطير ومرعب.
ـ نعم. هو ذاك. سوف نتحايل للقبض عليه الليلة . ثم نأخذ سرجا ونضعه على ظهره. وهكذا ونجره إلى مدينة فاس.
ـ ألا تخاف الحسناء من وجهه المرعب؟
ـ لا.لا. بالعكس. كان هذا شرطها. ألم تشترط على الشبان حصانين غريبين بدل حصانين جميلين؟
ـ معك حق يا زازيا.
ـ اركب. يجب أن نصطاد الوحش باغول الليلة. قبل أن يخلد للنوم. هيا. أنا أعرف مكانه.
ركب بريلّو ظهر بغلة القبور.فطارت به وسط المزارع. وعندما اقتربا من أحد المنازل المهجورة، أنزلته برفق. ثم رفعت عنقها في اتجاه القمر وأطلقت صهيلا حادا وطويلا. رددته الأشجار و القيعان القريبة والأودية. انتظرا صامتين لمدة ليست بالقصيرة. وإذا صوت نخير مرعب يهز المكان. ومن بين جدران المنزل المهجور قرب أشجار الخروب، أطلّ الوحش. ظل يقترب ويقترب محدثا صوتا مخيفا لا يوصف.
ـ أنت أيتها البغلة اللعينة؟ كم مرة طلبت منك ألاّ تقتربي من منزلي؟
أجابت وهي تبتسم وتحاول تهدئة غضب الوحش.
ـ عفوا صديقي باغول.
ـ إرفعي صوتك كي أسمعك.
رفعت بغلة القبور من صوتها قائلة
ـ لقد اشتقت إليك. مرت سنوات لم نلتق صدفة.
ـ آه طبعا. فأنت تعرفين أني أدخل في سبات طويل خلال فصل الصيف كله.
ـ طبعا أعرف ذلك.
ـ تعرف أنك الصديق الوحيد في الليالي المظلمة والمزارع المهجورة. قلت في نفسي لماذا لا أتفقد صديقي باغول. فأسأل عن أحواله ويطمئنّ قلبي؟
ـ طيب أيتها البغلة اللطيفة. ما أحوالك أنت؟ هل أشبعت غليلك من تمزيق لحم الذكورالملاعين.
ـ نعم يا صديقي. إنما الليلة فكرت أن أقلع عن قتل ذكور البشر.
ـ هذا غريب. ليس من عاداتك المعهودة. فهذا سلوك بشري وضيع.
ـ أكيد سيدي باغول. غيرت سلوكي حين شرع قلبي في إنتاج عواطف إنسانية. وقع ذلك في قلبي حين سمعت هذا الشاب اللطيف يبكي. بكاء يذبح القلوب. بالمناسبة هذا صديقي بريلّو اللطيف.
ـ وهل هو هدية؟ أيمكن أن أفترسه الآن؟
ـ لا. لا. يا صديقي. قلت..
ـ قولي ما تريدين. أنا صديقك وعلي تقديم المساعدة. هذه أخلاق الوحوش كما تعلمين.
ـ طبعا أخلاق أجدادنا الوحوش.
ـ أتتصورين أن أتخلى عن صديقتي؟ هذا مستحيل. لست مثل الآدميين السفلة.
ـ هذا صديقي بريلّو اللطيف كما قلت. ولديه مشكلة كبيرة. فلم يجد بين الآدميين يد العون. لذلك التجأ إلى نبلك العظيم. إنه يطلب بتواضع شديد وتقدير كبير المساعدة من جانبكم الموقر. صديقي لا يشبه الآخرين. إنه لطيف جدا .
جلس الثلاثة ساعتين من الوقت قرب ما تبقى من جدران المنزل المتهدم. كانتا كافيتين لتروي القصة كلها. الحسناء فالأخوان اللذان هجرا أخاهما من بطن واحدة. فشروط الزواج ويوم التباري. وكيف ماتت أمّ الأحصنة تحت شجرة النبق الكبيرة. وهي تحكي بدون انقطاع، كان الوحش يطلق آهات متتالية. ويعلّق من حين لآخر (( تركوا أخاهم يموت على الطريق الطويلة؟ هؤلاء البشر سفلة. أنانيون)).((إنهم البشر. كتلة اللحم الفاسد)).((إخ..إنهم مجرد ذئاب في هيئة بشر)).((كيف يجرؤون يا إلهي؟)).((سفلة.سفلة. ليسوا في مستوى الدماغ الذي منحه الرب لرؤوسهم الفارغة)).
وحين أحست بشيء من اللين على وجه باغول المرعب، طلبت منه أن يرافقهما إلى مدينة فاس. ويتكلّف مشكورا بنقل الحسناء على ظهره. إن فاز بريلّو اللطيف بقلبها.
قبل الوحش طلبها على مضض. فالبغلة هي الصديقة الوحيدة فعلا.هي التي تؤنسه بمرورها قرب المنزل المهجور بين ليلة وأخرى. أو ربما يصادفها وسط الظلمة وهو في طريقه للبحث عن كانون مهجور. حيث يلغ السخام الأسود و بعض الملح العالق على أحجار القدور. ورغم ذلك اشترط ألاّ يسأله أحد إطلاقا أثناء ما تبقى من الطريق. فهو عجوز قد تقدّم به العمر. وأصبح يميل إلى الصمت أكثر من الصخب. إضافة إلى سمعه الضعيف جدا. حيث لم يعد يسمع من الأصوات سوى ما كان عاليا جدا مثل صوت الرياح. أو مزعجا كصوت الرعود. أو ذا رنات حادة مثل نواح طيور الليل وعواء الذئاب.
انطلق بريلّو المعتوه على ظهر زازيا. ومن ورائه يتحرك الوحش الغريب ذو جسد الثور الأسود. وسيقان الحصان. وعنق الناقة. ووجه سحلية الكومودو. لقد أخذوا حقا سرجا ذهبيا وضعوه على ظهره باغول.
عند مدخل مدينة فاس، كانت ألوان مختلفة من الخيام قد نصبت منذ مدة. على جوانب الطريق غير المعبدة. ورفعت الألوية البيضاء في سماء المدينة. لكن أوّل ما يُلاحظ من بعيد، هو ذلك الدخان الكثيف. وهو يغزو فاس. تحمله الرياح شرقا ثم غربا.
ـ ما كان ذلك؟ تساءل باغول.
فأجابت زازيا:
ـ ماذا سيكون؟ غير أفران الشواء التي أعدّها تاجر الذهب على شرف الخطاب.
كان على بريلّو أن يقف في الصف الطويلة عند الشباك. كي يتسلم رقما تسلسليا. يتضمن اليوم والتوقيت الذي يعرض حصانيه الغريبين أما الحسناء. أما صديقاه، فعليهما أن ينتظرا داخل غابة من الصنوبر. كانت مزارا للمدينة. لكنها خصّصت الآن للخيول الوافدة من كل الجهات. رمق أخويه في مقدمة الطابور الطويل. لقد وصلوا باكرا. لكن هذا لا يهم. فهو أيضا وصل في الوقت المناسب.
عند عودته من الشباك، دلف إلى الخيمة الواسعة المقابلة مباشرة للأفران الحمراء. حيث الخادمات يستقبلن الشبان بكؤوس الشاي وأصناف الحلوى. كما أنهن كنّ ينحين فيهمسن بين لحظة وأخرى في آذان الضيوف ولا أحد يسمع ما يقلن ساعتها.
كان باغول متعبا جراء كل الطريق التي قطعها حتى هذه المدينة. أما زازيا ـ بغلة المقابرـ فراحت تتفقد المكان. بعد أن تحولت إلى مجرد امرأة عادية. كان عليها أن ترخي أهداب فستانها التقليدي الأبيض كي لا تظهر حوافرها البغليّة. ولحسن الحظ كانت الخادمات يرتدين نفس الفساتين تقريبا. لذلك تمكنت من التسرب معهنّ إلى الداخل، ومن ثم إلى داخل مطبخ القصر. وهناك رأت وسمعت أشياء تُحبك في السر.
في الحقيقة لم تكن الفتيات مكلفات بتوزيع الشاي فقط. فلكي تختبر الحسناء شجاعة العرسان، أمرت خادماتها بزرع الرعب في قلوبهم الحائرة أصلا. بدعوى أنّ الأفران أعدّها التاجر كي يشوي فيها العرسان الجالسين الآن في الخيمة. وهذا ما كنّ يدسسنه في آذان الفرسان. إذ لا حظ بريلّو أن القاعة بدأت تفرغ. وأنّ الفرسان هربوا. فأضحت المقاعد فارغة. ثم أن أحد أخويه قد غادر مرتعدا منذ وقت قريب. أسرعت زازيا وانحنت على أذن صديقها بريلّو:
ـ احذرأي خادمة تقول لك أن الأفران مخصصة لشواء العرسان.
قال في أذنها:
ـ لماذا؟
ـ لأنها مجرد خدعة من بنت التاجر.إنها تختبر شجاعتكم.
ـ وماذا سأقول لها إذن؟
ـ من الأفضل أن تعبّر على استعدادك للارتماء التطوعي في النار من أجلها.
ـ طيب.
ولم تمض سوى دقائق. وإذا بخادمة تنحني نحو أذنه:
ـ تبدو لطيفا وأجمل منهم جميعا. لذلك سأبوح لك بسر خطير.
ـ تفضلي.
ـ أترى هذه الأفران الحمراء؟
ـ نعم. ما بها؟
ـ لقد أعدّها سيدي ليعاقب كل من يتطاول على طلب الزواج من بنته الوحيدةّ.
ـ حسنا. من أجل عيون الحسناء فأنا أتطوّع لهذا الشواء العجيب . وفي مجموع الأفران. ودفعة واحدة.
في هذه اللحظة جرت الخادمة مبتسمة . دلفت للقصر. وبعد دقيقة فقط ، أطلّت العروس الحسناء من النافذة لأول مرة. كانت إلى جانب الخادمة تلقي نظرة الفضول على بريلّو. في نفس اللحظة أو بعدها بقليل عادت زازيا نحو أُذن صديقها هامسة:
ـ أيها الأحمق اللعين. لقد نجحت في امتحان الشجاعة. فالخادمة أخبرت سيدتها.
ظل الشبان يغادرون حتى لم يبق داخل الخيمة غير بريلّو المعتوه وأخيه. كانا وجها لوجه. غير أن لا أحد فيهما كلّم الآخر. أكثر من هذا أن الأخ كان ينظر بحقد شديد إلى أخيه الصغير. لا بد أنه تساءل. كيف لمعتوه أن يصل إلى هذه المرتبة التي أفزعت الكثير من الفرسان؟ هرب الأبطال وصمد هذا المعتوه الذي لم يضرب له حساب. ولكن لنقل إنّ الأمور هكذا تجري عادة. وأنت تسير، لا تدري أبدا ما تخبّئ لك الطريق. المهم أن تكون شجاعا وتواصل التقدم. ثمة دائما أشياء تنبع من الفراغ. هذا إذا سرت وفق الشروط ذاتها. كم من جبان أصبح ذا شأن بضربة حظ. وكم من أبيّ انقلبت به الأيام.
على الساعة الرابعة من ذلك اليوم.ارتفعت فجأة أصوات المزامير في سماء مدينة فاس. وارتفعت معها الزغاريد ودقات الطبول. وشوهد موكب الحسناء يتقدم نحو المنصة. وسط الجموع الغفيرة من الأعناق المشرئبّة. ولا أحد تصور هذا الجمال الذي يلوّح باليدين .من على الهودج الذهبي المحمول على الأكتاف. النساء قبل الرجال أصبْن بالحيرة. في هذه الأثناء دنت زازيا من صديقها وهمست له:
ـ ارفع رأسك أيها المعتوه. لقد فزت بقلبها. إنها تكاد تسرقك بنظراتها.
ـ وأخي؟
ـ حصاناه جميلان حقا. لكن لا غرابة فيهما. الغرابة. الغرابة. كانت الشرط الثاني أيها المعتوه الجميل .
مر الأخ الأكبر أمام المنصة مستعرضا حصانيه الجميلين. فصفّق الناس بحرارة. ثم جاء دور بريلّو اللطيف.
تصوّروا ظهر من كان يمتطي. وأيّ حصان غريب أعدّ للعروس. كان ساعتها شعر زازيا يمسح الأرض لحظة. وفي أخرى يسافر كالموج الهادئ في كل سماء المدينة. كانت خلاخلها الذهبية تشق القلوب. وخلفها يتهادى باغول صاحب ظهر الثور الأزرق وسيقان الحصان الأخضر وعنق الناقة الصفراء ووجه أحمر لسحلية الكومودو.
عندما وقعت عيون الناس على هذا العرض العجيب. انبهروا وقيل أنهم جمدوا. فنسوا التصفيق حتى قامت الحسناء نفسها لتذكرهم بذلك. كانت تصيح:
ـ (( يا إلهي. هذا غريب حقا)).
فأضحى الكل يصفق ويصيح:
ـ ((يا إلهي هذا غريب حقا)).
أخذت العروس مكانها على ظهر باغول. ونزلت شوارع وجنان مدينة فاس. رفقة زوجها وهو يمتطي زازيا : بغلة القبور.

لا تعليقات

اترك رد