نفحات رمضان بتونس العاصمة


 
نفحات رمضان بتونس العاصمة .. للكاتب عمار التيمومي #تونس #رمضان

إن شهر رمضان يحوّل المدينة إلى زمن ،فتلبس لبوسا مخصوصا لا تنافسه فيه غيرها من المدن .ولا تفوز به هي نفسها في باقي الأشهر إذ لرمضان إطلالة مخصوصة يحسب لها أهل تونس ألف حساب ويستعدون لها بشكل مسبق فيحفظون من المؤن والتّوابل والبهارات ويعدّون من الملابس والأكسيّة ما هو قصر على شهر الصيام دون غيره .

فنشط النسوة في إعداد لوازم الطّبخ على اختلافها فتُقصدر آنية النحاس وتُشترى الجرار والبرّادات والمشارب الفخّارية وتُخاط الملابس التقليديّة ويُنسج بعضها الآخر مثل سفساري الحرير والقفاطين ومختلف السّرابيل والخفاف .

أمّا الرجال فعليهم المرور إلى سوق الشواشين لاقتناء شاشية رمضان وغير بعيد يقتنون الجباب السّواكي والقمراية وغيرها ويمرّون بالبلاغجية ليقتنوا خفافا لهم وأخرى لزوجاتهم وبنينهم .

شهر رمضان شهر حركة وبركة تنشط فيه اليد والسّاق وتترهّل مداخل جيوب المال من فرط الإنفاق. فهو معاد للفرح واجتماع الأسر والدّأب على التّزاور وإحياء صلات الرّحم. ويمسي اللّباس التّقليدي مركزيّا فيرفل الجنسان في ألبسة فضفاضة مزيّنة في هيبة ووقار .

فشهر الصّيام هو شهر للاعتداد بكلّ ما هو أصيل في المجتمع وأجلى ما يكون ذلك باللّباس والأغطية. ويسري الصّبية على غير العادة إلى الكتاتيب بشكل مكثّف كما يتكاثر روّاد المساجد والجوامع والمقامات كسيدي بلمسن و سيدي أبي سعيد وسيدي محرز وللاّ منّوبية.

وتنشط حركة النسوةباتّجاه بيوت اللّه فتغصّ هذه الأخيرة بزوّارها ولعلّ أهمّها يظلّ جامع الزّيتونة المعمور رمز السّلطة الدينيّة بتونس ومنارتها الخلاّبة ومركز العلم فيها لقرون .

نفحات رمضان بتونس العاصمة .. للكاتب عمار التيمومي #تونس #رمضان
أمّا المتاجر فلها نظامها الرّمضاني الخاص فمنها ما يبدل اختصاصه من المملّحات إلى الحلويّات كـ: “الصمصة” و”الدّبلة” و”الغريبة” و”كعابر الفستق” و”أذني القاضي” و”كعك الورقة” و”البقلاوة” و”كعك العنبر”…وصنوف أخرى كثيرة يضيق بها المجال والذّاكرة..

ومن المتاجر ما تكون مواقيته للعمل مختلفة تمام الاختلاف ومنها ما يتنقّل مع القوانين الجديدة للمعدة فيضحي ليليّا تزدهر تجارته من موعد الإفطار إلى آذان السّحور، إذ تنشط الحركة في الأحياء والحارات والأسواق ليلا على غير عادة المدينة النّؤوم مُبكرا .
والمحلاّت صنوف ثلاثة فمنها ما يختصّ بالمآكل والمشارب وما اتّصل بها من قريب أو بعيد كأهل الخضر والغلال واللّحوم ومختلف نبات البحر الطّازجة وغيرها ولها النّصيب الأوفر من العمل نهارا . أمّا المطاعم التي تحوّل المآكل والمشارب جاهزةً فمعادها اللّيل، في انتظار أن تنشط في النّصف الثّاني من الشّهر الكريم المتاجر الموسميّة لحلويّات العيد، هذا إن لم تعدّها النّسوة في البيوتات فتكون حلوة المذاق تذهب بأعطاف اللّسان والعين بعد أن يزدحم الصّبية بأطباقها أمام الأفران لإنضاجها.
أمّا الصّنف الثّاني فمدار اهتمامه الملابس الجاهزة وكل ما عنى الأبكار يجهّزن به بيوتات ستُفتح قريبًا من ثرُيّات ومفارش وألبسة عرائس مع أن القسم الأوفر يصرف لأثواب الأطفال ولعبهم وشهواتهم فبعد رمضان لَحًا “العيد الصّغير” وهو مهرجان الأطفال الذين يصطحبهم آباؤهم إلى حديقة الحيوان بالبلفيدير

الغنيّة بصفوف الحيوان والطّير ، رغم أنّهم ما قصّروا في اصطحابهم إلى مدينة الملاعب حيث تستهويهم هم أنفسهم بعض الألعاب تزيح عنهم وقارهم وتدخلهم في التهتّك والمجون.

نفحات رمضان بتونس العاصمة .. للكاتب عمار التيمومي #تونس #رمضان

وهذا ما يقودنا للحديث عن خصيصة مقهى الغناء أو الكافيشنطة café chantant. وهي مسارح للغناء الشّعبي تقام لها القاعات كصالة الفتح والخيم كثيرة ليغنّي المغنّون ويرقص الرّاقصون ويؤدّي بعض الممثّلين، والفداوي الحكواتي يرتّل خرافاته، لكن كلّ العروض تتّسم بالقصر لقاء ثمن زهيد ليصيح مسؤولو الدُّور المنتشرة بـ “باب سويقة” و”الحلفاوين” :”والمغروم يجدّد”.. فمن اشتهى الاستمرار بالعرض نفسه عليه أن يقتطع تذكرة أخرى أو المرور إلى خيمة جديدة وعرض جديد…

ويجدّ التّونسي في شهر رمضان في النّهل من المعارف الدّينية ويقضي الفرائض في مظانّها ومواقيتها ويحرص على العطاء وإكرام المسكين وصِلة ذي الرحم وإطعام من أثقلهم الفاقة وإكسائهم وهو راضٍ باسمٌ .

كما يُقبل على الأطعمة الرّمضانية وهي كثيرة فلا يغيب شيء منها عن مائدته: كـ “البُرَيْكَة” التّونسية ومقروض القيروان ومخارق باجة وجُبنها اللّذيذ و”مَحْشِي” تطاوين …وتتراوح معدته المسكينة في ضنك بين المملّحات والحلويات والغلال وكلّ ما تنبت الأرض وماتبدع اليدُ يد المرأة التّونسية الصَّنَاع المُتقنة. والتّونسي ميّال في رمضان، تحت أثر الدّين والحنين، إلى كلّ ما هو تراثي في اللّباس فتنتشر الجباب ألبسة للرّجال الخارجية الفضفاضة وهي تتنوّع بين الخمري والحرير والقمراية والسّكرودة والصّوف والقماش(…) حسب مقام لابسها وقدرته ووظيفته إضافة إلى الشّاشية غطاء الرّأس الأحمر عادة والبُلغة خُفّان للرِّجلين .أما شؤون النّسوة واللّباس فمقام الحديث عنها طويل يُشقي اللّسانَ ويبهر العينَ …
يتحصّل لدينا أنّ أهل تونس العاصمة يقضون رمضان في أفضل ما يملكون من ملابس ويرتادون المسارح والملاعب التّرفيهية ويُقبلون على لذائذ الأطعمة، فيحضنون الحياة كأبهى ما يكون . إلا أنّهم لا يغفلون على التآزر والتّعاون والتّزاور فيكون شهر رمضان شهر رحمة بحقّ .
وهكذا فإنّ التّونسي في شهر رمضان يطير بجناحين لا أفضلية لأحدهما على الآخر: جناح الدّين ومناسكه وجناح اللّذائذ والتّرفيه . فيُصيب من كليهما في لطف الحكيم ونهم الشّره وغفلة الزّاهد والمتكالب على نِعم الحياة فيعدل في توازن بين متناقضات قد تُحيّر قليل العقل وتبكّت قليل الفِطنة والفراسة … فينجح سكّان تونس العاصمة في أن يحافظوا على هذا الطّابع السّحري لليالي رمضان وأيّامه فيَمضون في التّقوى دون تزمت وإلى الإلذاذ دون تهتّك ولا فجاجة .

حقّا لرمضان بتونس سحر خاصّ قد يقولها كلّ عربي مسلم في أيّ مكان وينسبها إليه، إلى أن يزور تونس بشهر الصّيام ليقول ذلك في سرّه وعلنه وهو يودّ لو أنّها أمضى كل رمضان حياته بهذه المدينة السّحرية .
بعض ما صمتنا عنه مخاتلة في هذا الباب:
– الرّجال والمقاهي ولعب الورق
– مجالس النّسوة وسهراتهن
– إقامة اللّيل تعبّدا
– موائد الإفطار الخيريّة
– مكر الصِّبية والصّبايا في القيلولات وقد أشرف عليهم الشّياطين
– الخرجات اللّيلية إلى سيدي أبي سعيد …
– مضيّ الرّجال إلى الصّيد بالصّنانير تمضية للوقت
– زيارة القبور والعناية بها وطلاؤها
– ليلة القرش /ليلة نصف رمضان /ليلة 27 (ليلة القدر)/ليلة العيد….
– التّلفيزيون أفسد حميمية المجالس والاهتمامات الحزبية بعثرتها…
– وأشياء أخرى كثيرة أعفّ عن ذكرها…
عمار التيمومي – تونس الخضراء سالفا

المقال السابقالعنف ضد المرأة…لماذا؟
المقال التالىمؤتمر لندن
عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له "عيون العشّاق" منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و"البرنزيّ" وهي رواية تحت النّشر.وله محاولات إبداعية ونقدية ودراسا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد