مَسَافَةُ سُؤَالٍ

 

تحتاج إلى المسافة حتّى تدير ذاتك أشواقَها وأحوالَها: المسافةُ إرادتك وعزمك على الوصول، المسافةُ حنينك وشوقك، والمسافةُ وعدك وانتظارك، والمسافةُ أملك ولقاؤك، والمسافةُ أمنيتك ويأسك، والمسافةُ حاجتك ورغبتك، والمسافةُ خوفك ورهبتك، والمسافةُ أمنك وطمأنينتك، والمسافةُ شكّك ويقينك، والمسافةُ كتاب تقرأ، والمسافةُ كتاب تكتب.
المسافةُ مشهد تراه في جميع أبعاده ومن كلّ زواياه، المسافةُ أفق لبصرك فهو غير حسير.
المسافةُ حركتك في الفضاء، والمسافةُ ترتيبك المكانَ والزّمانَ، والمسافةُ النّاس تغربلهم، والمسافةُ الرأي تراه والفكرة تمحّصها، والمسافةُ إيقاع الحوادث من حولك وفيك.
المسافةُ ” ابتعد حتّى أراك”، والمسافةُ “زر غبّا تزدد حبّا”، والمسافةُ “يا أعدل النّاس إلّا في معاملتي”، والمسافةُ ” ضحكت هند وقالت بعد غد”، والمسافةُ “خوذ البسيسة يا مضنوني”، والمسافةُ “أرأيت عينا للبكاء تعار؟” والمسافةُ ” إذا الشّعب يوما أراد الحياة”،…
المسافةُ الحياةُ الواقعة بين التّخوم، المسافةُ قرب يستدرك البعد، وبعد يُبطل كلّ قرب، والمسافةُ مراقيك وارتفاعك عن الحضيض.
لا مناص لك من المسافة إلّا أن تفنى في من تحبّ. إلّا أن تَحِلّ في المعنى الشّفيف.
ودون ذلك مسافة منك إليك.
وقد كان الحَجْرُ مسافةَ سؤال. سؤال يختبر المسافة بين منطوق النّصوص وموفور النّفوس، بين ما تريد وما أنت قادر عليه، بين ممكن قدرتك وواقع وهنك، بين قولك وفعلك.
وحسبك دليلا على هذه المسافات المسافة بين تلاميذنا ومقاعد الدّراسة: ستّة أشهر من هجرة القلم والكتاب.
كان حفظ الأجساد مقدّما على حفظ العقول، وكان حفظ الأجساد من العدوى رهين سجن العقول فلا تحلّق أفكارها ولا تجنّح رؤاها ولا تُلتمس أقباسها. وما تُسجن أنوارُها ولكن تَعشى العيون الكليلة عنها.
كان قرار إنهاء السّنة الدّراسيّة لكلّ المستويات الدّراسيّة غير المعنيّة بامتحانات وطنيّة قرارا شبيها لدى من أمضَوْه بقرار إغلاق المحلّات التّجاريّة الكبرى حجرا على الأجساد وخوفا من العدوى، قرارا أنفذه الخوف من داء راصد. وشأنُ الخوف أن يُعمي ويُصم عن أدهى وأضرّ، قرارا أحيا قيمة الصّحّة على حساب قيمة العلم وهل يصحّ قوم استمرأوا الكسل والعَطَلَ وثقلت أجسادهم واطمأنّت إلى الأرض ورضوا واكتفوا؟ وانتظروا وما أرادوا؟ هل يصحّ قوم وجدوا في حجرهم مهربا من واجب كان عليهم تأديته؟ هل يصحّ قوم تراخوا عن عزم يقدّمونه إذا عزم الأمر؟ هل يصحّ قوم أخطأت العلّة أجسادهم وأصابت أرواحهم؟ أيّ عبارة ماكرة مراوغة تقولها ألسنتهم “الحجر الصّحّيّ”؟ وهل صحّةٌ في حَجْرٍ هذا نعتُهُ؟ إنّما الحجر الصّحّيّ ترويضك الصّعب واستطاعتُك، سياج تخرقه نوافذك المشرعة، معانيك تبتدعها فأنت أوساع ولا حصر. فإن فاتنا ذلك فلعلّنا نصيب منه رَوْحا يصقله وهج الأسئلة.
أغلقت المدارس انتصارا للحياة. كذا قال القائلون وبرّروا: هذا اختيار ساق إليه الاضطرار، وحكموا: هذا أقلّ الاختيارات سوءا. وهل أسوءُ من أن يكون إغلاق المدارس سببا إلى الحياة؟ وأيّ حياة يعيشها المرء بغير رُوح المعرفة ورَوْح العلم؟ وهل جعلت المدارس إلّا لمناعة النّفوس والعقول والأجساد؟
كم كان إغلاق المدارس زمان محنة “الكورونا” مؤلما وقاسيا وعبثيّا، كم كان مفارقا وغريبا عن معنى التّعلّم وعن معنى الحياة.
هلمّوا اقرأوا في القانون التّوجيهيّ للتّربية والتّعليم المدرسيّ. وزارة التّربية والتّكوين. تونس. 23 جويليّة 2002:
تعمل المدرسة في إطار وظيفتها التّربويّة على… تنمية شخصيّة الفرد على النّحو الّذي يذكي فيه … روح المبادرة والإبداع … وتعمل في إطار وظيفتها التّعليميّة على … تمكين المتعلّمين من حذق استعمال تكنولوجيّات المعلومات والاتّصال وإكسابهم القدرة على توظيفها في سائر المجالات … وتسعى في إطار وظيفتها التّأهيليّة … إلى إكساب المتعلّمين القدرة على استثمار المعارف والمهارات المكتسبة لتدبّر البدائل والخيارات في حلّ المسائل الّتي تعرض لهم” وانظروا حظّنا وحظّ أبنائنا من هذه الرّهانات.
بعد ثمانية عشر عاما من صدور هذه الوثيقة المرجعيّة ماذا فعلنا لكي نتكيّف مع المتغيّرات ولنحلّ المسائل الّتي تعرض لنا؟ ما هي مبادراتنا وما هي ابتكاراتنا؟ هل تعلّمْنا أن نعمل معا؟ هل أمكننا وتلاميذنا أن نحذق استعمال تكنولوجيّات المعلومات والاتّصال ونوظّفها في سائر المجالات؟ هل نميّنا مواهب تلاميذنا وطوّرنا قدراتهم على التّعلّم الذّاتيّ والانخراط في مجتمع المعرفة، وعلى التّعلّم مدى الحياة؟ وما حظّنا أوّلا – نحن المعلّمين – من هذه المواهب والقدرات؟
وبعد تاريخ من البحوث التّربويّة الّتي استرفدت علوم الإنسان والنّفس والعرفان وأصّلت ألوان المقاربات البيداغوجيّة وجرّبتها، وبعد ثورات المعلومات والاتّصال وبعد أجيال من الكتب المدرسيّة تتغنّى محاورها ونصوصها بقيم المعرفة والعلم والإبداع، وبالإرادة والعمل والطّموح والحلم، وبقيم المواطنة الفاعلة المسؤولة، وبتاريخ الشّعوب وثوراتها الّتي يستجيب لها القدر كيف لنا أن نرى في الانقطاع عن الدّراسة حلّا نطمئنّ إليه ونبرّره؟ وكيف لنا أن نحكم بنجاح التّلاميذ ولمّا يستكملوا مفردات برامجهم التّعليميّة تحصيلا وتقييما كما لو كانت زوائدَ تكلّفها مُهَنْدِسُوها تكلّفا فلا معنى لها ولا أثر؟ وكيف لنا أن نتساهل في شروط النّجاح فننزل به من محنة الاستحقاق إلى منحة المُفْضِل المُعطي؟ وكيف لنا أن نلغي اختباراتٍ وأشغالا تطبيقيّةً توقّيا واختصارا للوقت وتوفيرا للجهد؟ وما قيمة المعارف لا تطبّق ولا تُرى ممارسة وسلوكا؟
كان قرار الانقطاع عن الدّراسة مسافة بين الدّرس ومقاصده، وبين المحتوى المعرفيّ والقدرة الّتي يبنيها، وبين الفعل التّعليميّ وأثره النّاجع في الحياة.
كانت هذه الجائحة فرصة حقيقيّة لتوطيد العلاقة بين المعرفة والحياة، وللتّدليل على المعرفة الّتي تساعد على الحياة لا على المعرفة الّتي تهدّدها، وللعبور من التّعلّم إلى معناه، معنى أن يكون فعلا مُريدا وقيمة جلّى تبني الذّات المسؤولة الطّموحة تمتحن قدرتها على إيجاد البدائل وتنخرط في فعل إيجابيّ خلّاق وذاك قصد السّبيل.
كانت هذه الجائحة فرصة حقيقيّة لنختبر حظّنا من قدرات درّبتنا عليها المدرسة: وضع المعرفة موضع الفعل والإنجاز توظيفا واستثمارا، القدرة على حلّ المسائل لا الهروب منها، المبادرة والابتكار لا الانكفاء والتّخلّي.
كانت هذه الجائحة فرصة حقيقيّة لرصد صلة الدّروس الّتي نعلّم بالحياة ومهاراتها: مهاراتِ التّعامل وإدارة الذّات، مهاراتِ التّفكير وصنع القرار، مهاراتِ التّواصل والعلاقات بين الأشخاص.
وكان قرار الانقطاع عن الدّرس تضييعا لجميع هذه الفرص.
كيف نغلق بابا للعلم كلّ النّوافذ مشرعة إليه في عصر الثّورة المعلوماتيّة؟ نوافذ علّمنا تلاميذنا كيف يطلّون منها على أفق أرحب وحياة أخصب وجنًى أقرب وهم يدرسون في مادّة الإعلاميّة “الأنترنت والشّبكات المعلوماتيّة وتكنولوجيّات المعلومات والاتّصال والخوارزميّات والبرمجة وقواعد البيانات”؟ كيف نمنعهم عن هذه النّوافذ ونمنع بصائرهم عن ضوئها وبهجتها؟ ولو أردنا لكانت تكنولوجيا المعلومات والاتّصال إحدى البدائل عن الدّروس الحضوريّة، ولكان الحجر الصحّي تدريبا عمليّا على أن تكون هذه التّكنولوجيّات جسرا بين مسافات الخوف والحذر، وأن تكون مدرسة مفتوحة أبدا للعلم والعرفان عبرها نتواصل ونتعلّم وننجح.
وهل تنغلق أبواب مدرسة كان التّعليم فيها دربة على التّعلّم؟ وهل ينقطع تلاميذنا عن أقلامهم وكتبهم إذا علّمتهم مدرستهم كيف يتعلّمون؟
قرار الانقطاع عن الدّراسة دليل إدانة لمدرسة لم تنجح في رهان التّجديد والإبداع ومواكبة التّغيّرات وهو شرط كلّ فعل يريد له صاحبه أن يبلغ غايته، ولم تُرسِ في تلاميذها قيمة الاجتهاد في بناء مشروع تعلّم ذاتيّ تكون فيه المعرفة فعلَ وجودٍ وفعلَ مقاومةٍ، ولم تتضافر جهود الفاعلين فيها لوضع خطّة تضمن استكمال الدّروس لجميع التّلاميذ تأخذ بعين الاعتبار كلّ الصّيغ المتاحة وتقترح أشكال التّقييم الممكنة وتحافظ في الآن نفسه على صحّة كلّ المشتغلين بالحقل التّربويّ. ولنا الشّواهد الرّائعة في تجارب أساتذة رادة اجتمعت فيهم شروط الفعل: المعرفة والرّغبة والقدرة فلم تنقطع صلتهم بتلاميذهم يشدّون أزرهم ويقدحون فِكرَهم ويرعون طموحهم بفضل برمجيّات متاحة مكّنت من التّعليم والتّعلّم عن بعد.
قرار الانقطاع عن الدّراسة دليل إدانة لمقاربات تحتفي بتبليغ المحتوى المعرفيّ لا ببنائه عبر البحث والتّعلّم الذّاتيّ وعبر الانخراط في مشروع يتأسّس على علاقة واعية بين المتعلّم والمعرفةِ تُبنى لبناتها خلال حصص التّعلّم وفي أنشطة الحياة المدرسيّة، وعلى ملامح واضحة في التّلاميذ يشيمها الدّرس ويصقلها، مقاربات تنظر إلى الموادّ الدّراسيّة والمعارف مُجزّأة ولا تراها في تعالقها وتنافذها.
قرار الانقطاع عن الدّراسة دليل على غياب درس لم يَبْدأ عن قرب لكي يُستأنف عن بعد؛ درس لم يُلبِّ حاجة المتعلّم إلى الاعتماد على نفسه، ولم يُذكِ فضولَه، ولم يُعزّز إيمانه بقدرته على فعل مُريدٍ يحمل اسمه وطموحه وجهده.
قرار الانقطاع عن الدّراسة زمانَ هذه الجائحة مسافة سؤال: إذا كانت المعرفة رهانا تتخّذ الشّعوب الأسباب جميعها لكسبه فهل اجتهدنا في الأخذ بالأسباب الممكنة والمتاحة لذلك وركبنا الصّعب من أجله؟ هل استطعنا زمانَ المحنة أن نبدع حلّا مُرِيدا نحيا به؟ ما حظّنا ممّا دَرَسْنَا ودَرَّسْنا: السّبل غير المسطورة؟
هل معرفة واثقة وإرادة صادقة واستطاعة فصيحة تستدرك الفوت؟ كيف سيقرأ تلاميذنا بعد عطالة نصف حَوْلٍ خوفا من المرض نصَّ” كيف هزمت عدوّي الأوّل” الّذي فيه يقول محمود تيمور:” وعلى الرّغْمِ مِن أنّ المَرَضَ لم يتخلّ عن صُحْبَتي… ما زلتُ حيّا أرْزَقُ، بفضْلِ ذلك العَمَلِ الذّي حَمَاني مِنَ الهزيمَةِ والانْهِيَارِ، بلْ كان يَعْمرُ قلْبي بالأملِ، ويُفْرِغُ على نفسي الثّقَةَ، وينضّرُ أمَامَ عيْنَيَّ وجهَ الحَياةِ، فأنْظُرُ إلى المَرَضِ نِظْرَةَ الاسْتِهَانَةِ والاسْتِخْفافِ”؟ (1)
كلّ المسافة سؤال وما الحياة إلّا مسافة سؤال.
أنوار. كتاب النّصوص لتلاميذ السّنة التّاسعة من التّعليم الأساسيّ. المركز الوطنيّ البيداغوجيّ. تونس.

لا تعليقات

اترك رد