ما بين العراق ولبنان

 

ما بين العراق ولبنان
هناك تركيز على العراق مقابل ترك لبنان للبنانيين، بسبب أن السعودية لم تتخلى عن لبنان بقدر أنها تريد من اللبنانيين أن يفرقوا بين الملتزمين بأيديولوجية حزب الله غير القابلة للموائمة مع المتغيرات والمعطيات الدولية والإقليمية، وسيشعر اللبنانيون بعد تخلي السعودية عن لبنان من أن اللبنانيين لن يقبلوا أن يكون هناك حزب مسلح في لبنان، ويتبع دولة أخرى خصوصا وأن لبنان البلد العربي الأول الذي شهد نهضة ثقافية حتى أصبح مكانا ثقافيا ومركزا لطبع الكتب العربية، وتدفقت عليه أجيالا عربية خصوصا الخليجية للدراسة في أبرز جامعة في المنطقة وهي الجامعة الأمريكية ببيروت التي تخرج منها النخب العربية وبشكل خاص النخب الخليجية التي تكن للبنان الحب والاحتفاظ بمكانته في قلوبهم، حتى أصبحت لبنان المأوى السياحي للخليجيين وتدفقت إليه أيضا استثماراتهم.
ولم تترك السعودية لبنان أن تستمر الحرب الأهلية، إذ تدخلت وحسمت هذه الحرب باتفاق الطائف في سبتمبر 1989 منهيا الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت أكثر من خمسة عشر عاما الذي أعاد هيكلة النظام السياسي للميثاق الوطني في لبنان عن طريق نقل بعض السلطة بعيدا عن الطائفة المسيحية المارونية التي منحت مركزا متميزا في لبنان في عهد الحكم الفرنسي، وأعاد توجيه لبنان نحو العالم العربي وشكلت الاتفاقية مبدأ التعايش المشترك، وسمح لحزب الله من أن يبقى كقوة مقاومة في محاربة إسرائيل للدفاع عن لبنان وليس كمليشيا.
ورغم أن اتفاق الطائف حدد إلغاء الطائفية السياسية كأولوية وطنية فإنه لم يحدد إطارا زمنيا للقيام بذلك، ولكن بعد ثلاثين عاما لم يتمكن النظام اللبناني من التخلي عن هذه الطائفية إلى الآن رغم أن الاتفاق لا يزال يعتبر درع واق للسلطة السياسية، خصوصا وأن التدهور الاقتصادي وتصاعد وتيرة الأزمات الاجتماعية بتحرك ما يسمى بسرايا المقاومة، وهناك من يدعو في المقابل إلى تطبيق القرار 1559 بنزع سلاح حزب الله الذي بات يتصدر اهتمام المجتمع اللبناني، فيما حزب الله يمرر رسالة لمجلس الأمن الدولي يحذره فيها من تعديل مهام قوات يونيفل في الجنوب مع التجديد لها في أغسطس 2020، فيما الشارع منزعج من باسيل وإن كان يطالب بدولة مدنية فإنه يريدها على قياس طموحاته الرئاسية مستفيدا من إصرار عون على إطلاق يده في كل شاردة وواردة.
ما يحدث اليوم من استنفار في مدينة طرابلس في مظاهرة السبت 6/6/2020 التي قد تتحول إلى مواجهات مذهبية وهي وجه من وجوه الحرب الأهلية المستمرة منذ اغتيال رفيق الحريري 2005 بسبب أن السلاح في يد فريق واحد وهو حزب الله، وقد تكون في صالحه من أجل التمترس وراء مذهبيته والهرب إلى الأمام لجعل طائفته تتحمل هذا الواقع عبر إقناعها بأنه يدافع عنها.
فيما العراق يخطو خطوات في التعامل مع إيران على غرار دولة مجاورة وليس العراق تابعا لإيران، يتأتى هذا من أوامر الكاظمي التي فرضت على قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قااني الذي وصل بغداد في أول زيارة معلنة بتأشيرة رسمية من وزارة الخارجية العراقية طبقا لأوامر مشددة من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.
كما تستعد بغداد إجراء أول حوار استراتيجي شامل مع الولايات المتحدة بعد نحو 12 عاما من توقيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية التي حددت أطر التعاون بين البلدين، وسيكون الوفد العراقي برئاسة عبد الكريم هاشم وكيل وزارة الخارجية ويضم 21 مفاوضا.
وفي تصويت هو الأسرع من نوعه في كل الحكومات العراقية منذ عام 2003 حسم البرلمان العراقي في 6/6/2020 حول الوزارات السبع الشاغرة في كابينة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في جلسة تصويت حضرها 247 نائبا وهي الأعلى من حيث الحضور منذ فترة طويلة لم تستغرق أكثر من ربع ساعة، بينما كانت تستمر جلسات التصويت خلال الوزارات السابقة لساعات طويلة تصل في بعض الأحيان إلى حد العراك.
وبذلك يبدأ الكاظمي بإعادة هيكلة الأجهزة الإدارية والأمنية، تتزامن مع مظاهرات غاضبة وسط العراق وجنوبه تطالب باستقالة مسؤولين، ما يعني أن العراق لن يستعاد إلا خطوة خطوة وإيران لن تغادره بسهولة، ولكن ما أقدم عليه الكاظمي في استعادة سيادة العراق تعتبر خطوة مهمة منذ احتلال الولايات المتحدة العراق عام 2003 وسلمته لإيران بسبب أن من يحكمون العراق في ذلك الوقت أتباع إيران، ولم تكتف إيران بذلك بل ابتدعت داعش في زمن رئاسة نوري المالكي مما جعلها تتمكن من دعم الحكم التابع لها في العراق بإنشاء مليشيات تعزز قوة هذه الكتل، لكنها في الوقت الحاضر هي نحو التفكك خطوة خطوة والعراق ليس لبنان بسبب أنه دولة كبيرة ومؤثرة في السياق الإقليمي.

لا تعليقات

اترك رد