الفلوجة … هل صارت عنوانا لمرحلة ؟!

 
الفلوجة ... هل صارت عنوانا لمرحلة ؟!

كثر في الآونة الاخيرة الحديث عن الفلوجة ومعركة استردادها من قبضة داعش كما لو كانت عنوانا لمخاض سياسي كبير يعيش فيه العراق وتحديدا منذ بدء المعركة .

ماهو المقصود بذلك ؟ هل ان معركة الفلوجة ايذان ببدء عملية سياسية كبرى والفلوجة من عناوينها ام انها كانت العائق الذي يجب إزاحته من امام هذه العملية السياسية الكبرى للشروع بإعادة لم الشمل ورص الصفوف وتسوية الخلافات الكبير منها والصغير ؛ هذا المعنى قرأناه وسمعناه يتردد اكثر من مرة وعلى الاقلام والألسن بضمنها اقلام والسنة السلطة في بغداد والمتحالفين معها .

يبقى سؤالي الحائر قائما : ماهو الرابط العضوي بين الفلوجة ومعركتهامن جهة ونشوء المشكلة السياسية في العراق من جهة ثانية ؛ الفلوجة كانت واحدة من ثمار الحكم اللا رشيد الذي ساق البلاد والعباد نحو مصير لونه من لون الدم وفَرَّط بكل الفضائل الوطنية واولها الحفاظ على تربة الوطن والنزاهة التقليدية لحكام العراق ، العادل والظالم منهم على حد سواء ؛ لو كانت الفلوجة سبب المشكلة فإن معالجة امرها لاتنحصر فقط في استعادة ارض خسرناها بل اجتثاث للبلاء الذي سبب حالة العبث السياسي الحاصلة في البلاد والتي قادت لخسارة الفلوجة وغيرها … ولكن هذه الخسارة لم تكن سببا للمشكلة السياسية حتى تتحقق العلاقة السببية المفترضة بينها وبين الأزمة السياسية بل العكس هو الصحيح ، فوفقا لابسط قواعد المنطق فان معركة الفلوجة يجب ان تسبقها عملية تصحيح مشكلة الحكم في البلاد لتأتي معركة التحرير ثمرة من ثمار ذلك . كيف انقلب المنطق الى عكسه لتصبح الفلوجة عنوانَ حلٍ لمشكلة الحكم ، ام ان الرؤوس قد دارت وماعدنا ندرك منطق الأشياء ، ام هي سطور نكتبها ونمضي في سبيلنا والباقي على من يفهم .. ومن لايفهم فتلك مشكلته !!

الفلوجة عائدة لا محالة وهذا امر محسوم لأسباب عديدة لا نقاش حولها ،،،،

اولا ، هنالك التفوق في القوة المخصصة للمعركة من حيث ألكم والنوع ، وحسبما قيل هنالك عشرات الآلاف من الجيش والقوات المتنوعة من الشرطة ومكافحة الاٍرهاب والعشائر والحشد الشعبي وهنالك اجماع على ان القيادة الميدانية على قدر المسؤولية ولديها خبرة طويلة في مهنة الميدان العسكرية .

وثانيا ، هنالك الدعم الدولي العسكري والسياسي والاستخباري و”اللوجستي” { هذه الكلمة التي صارت مخبأً لكل انواع الجهل } بدءا من الحليف الرسمي الامريكي الى الحليف الايراني الابرز على الساحة الى جانب الخبراء والمستشارين من عديد من الجنسيات ومنهم من اصحاب النجومية كالحاج قاسم سليماني .

وثالثا ، هنالك الضعف البنيوي المتأصل في كل الحركات الإرهابية التي لاتمتلك من الموارد المالية والبشرية مايؤهلها لإدامة احتلال جغرافي طويل الامد او القتال في مواجهة قوة عسكرية مدججة ومؤهلة .

نعود الان لأصل المشكلة : هل الفلوجة هي الحل او على الأقل نقطة البدء فيه ؟!

في تقديري ان معركة الفلوجة واحدة من معارك عسكرية عديدة على الدولة ان تخوضها للتخلص من تنظيم داعش ؛ ربما كانت مهربا تكتيكيا لجأ اليه رئيس الوزراء العبادي على اثر اقتحام البرلمان وتصاعد التظاهرات واشتدادها مطالبةً بالإصلاح ، وربما اراد بهذه المعركة المحسومة النتائج رصيدا يعزز به مركزه في وجه خصومه السياسيين داخل منظومة الحكم وكلتا هاتين المعركتين استحقاق واجب الوفاء ، ولكن لا اعتقد ان الفلوجة ستكون حلا لاي منهما .

المتظاهرون في الشارع لم يخرجوا للتنزه او لانهم من بقايا البعث . هذه من اغرب السخافات التي حاولت أوساط رئيس الوزراء او حلفاءه تفسير المظاهرات بها . هنالك أزمة معيشية معاشة على صعيد يومي وهنالك احساس عام بتقصير الدولة عن اداء مهامها في مختلف النواحي وسواء بقيت داعش في الفلوجة او انتزعت منها فهي مشكلات باقية وتحتاج الى حل وهذا الحل متعسر لان الوضع بحاجة لاصلاح شامل بما يعني انهاء الوضع السياسي القائم وبدء ” نظام سياسي ” جديد على أسس جديدة وهذا يقود بالضرورة الى صدام مباشر بين من يريد الإصلاح ،وفي حالتنا هذه قدم السيد العبادي نفسه رجلا للإصلاح ، وبين اصحاب المصالح التي تجذرت حول الفساد وراعيه النظام القائم بكل القوى التي يمتلكها من الحشد المسلح الى بعض وحدات الجيش وقوى الامن ذات الولاء المضمون ؛ هذا يعني ان مشكلة العبادي مع المتظاهرين مرتبطة مع مشكلته مع نظام الحكم باكمله بزعاماته وحراسه .

هنالك الان مشكلة اخرى تتراكم ، وربما يكون ضجيج المعركة المستمرة مع داعش ومظاهرات الإصلاح تطغى عليها فلا يلاحظها غير المراقبين . ماهي آفاق المستقبل بالنسبة للعراق كبلد موحد ؟ وهل وصلنا الى المرحلة التي تستوجب الأخذ بالاعتبار امكانية التقسيم ؟ هل ان اعلان استقلال من جانب اقليم كردستان ، وربما بعد ضم الإقليم الكردي السوري اليه ، امر محتمل ؟! على الأقل هكذا يتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية في المنطقة والغرب ؛ على صعيد مماثل تتصاعد الأحاديث عن احتمالات اجراء ترتيبات جديدة في العراق العربي ، ووضع صيغ لنوع من الفصل السياسي – المذهبي بين الشيعة والسنة ؛ هذه ليست احاديث هزل ٍ، بل احاديث جادة يتم تداولها بشكل جاد وبوتائر متصاعدة ، خاصة مع تزايد الحديث عن نهاية عصر اتفاقية سايكس بيكو باعتبارها {خطئاً بفعل قراءة مضلَّلَة للتاريخ } المنشئة للدول الموجودة في الإقليم وفي صدارتها العراق وسوريا .

في تقديري كمراقب ، والله اعلم ، انها احاديث لو تحققت فإنها ستخلق من المشاكل اكثر مما ستقدمه من حلول ، خاصة وان بعض أطراف لعبة الامم الدائرة في المنطقة هذه الأيام قد اغرتهم وعود سبق ان تلقوا مثلها ثم تم النكث بها ؛ هذه الوعود تدفعهم للمبالغة في مطالبهم حد الاسفاف . اقليم كردستان على سبيل المثال اصبح يطرح قضايا الحدود باعتبارها ثمرة غلبةٍ ( حدود الدم ) مكنته منها مصالح اجنبية وخاصة إسرائيلية وامريكية وفي المرحلة الاخيرة روسية ايضا ، ولكن هذه الوعود لن تقترن في تقدير اي مراقب حصيف حد تخويل الأكراد القيام بأعمال تطهير عرقي واسعة النطاق في المحيط كما يحصل الان فيما يسمى بالمناطق المتنازع عليها في العراق وفي اقليم حكم ذاتي كردي أعلن من طرف واحد في سوريا بعد تهجير سكان عرب من قراهم ومدنهم بقوة السلاح . الدولة التي تقام في غفلات الزمن وبوسائل القسر والعنف ستبقى تعاني من مشكلة الشرعية في محيطها ؛ واذا جرت الرياح كما تشتهي سفن الأكراد فمن يضمن انهم سيتمكنون من تأسيس تجربة حكم ناجح مع رواسب العشائرية والقبلية التي ما تزال تهيمن على جانب هام من حركاتهم القومية . حروب منتصف التسعينات بين أربيل والسليمانية لاتزال حيّة في الاذهان فضلا عن شرعية الرئاسة القائمة منذ زمن ليس بالقصير في أربيل فضلا عن الفساد المستشري على أوسع نطاق .

اما فيما يخص الصراع السني – الشيعي فهو امر مستحدث وليست له جذور عميقة في الإدراك العام للعراقيين . مانشهده اليوم من الصراع الطائفي في العراق هو صراع سياسي بالدرجة الاولى وليس صراع هويات اجتماعية ، هذا على الأقل مايؤكده خبراء غربيون منهم على سبيل المثال البروفيسور نيكولاس سامبانيس من جامعة Yale ومساعد البروفيسور جونا شولهوفيرهول من جامعة Virginia في دراسة مشتركة نشرتها مجلة Foreign Affairs في ديسمبر ٢٠١٤ . ان قضية الهويات الاجتماعية ليست قضية ستاتيكية بل هي قضية تخضع للتغيير والتعديل وما جرى ان خلافات مذهبية تعايش معها العراقيون على مدى قرون لم تتحول الى قضية نزاع مسلح الا بسبب تدخلات خارجية وبالتحديد الغزو الامريكي الذي مهد لغزو إيراني غير معلن قَبِلته ، وربما شجعته ، امريكا لاعتبارات تخصها فضلا عن سكوتها عن السياسات الطائفية المعلنة لرئيس الوزراء المالكي رغم مسؤوليتها الاخلاقية والقانونية كدولة راعية وحامية ، بموجب تعهدات خطية ، للتجربة السياسية الجديدة في العراق ؛ الأهم من ذلك ان رسم خطوط وحدود على أسس طائفية قد يوقظ ويستحث ماهو كامن من مشاعر طائفية لدى الأغلبية الصامتة في المجتمع ويصبح مصدرا اضافيا للنزاع في مجتمعات تعايشت في السابق مع واقع مذهبياتها المختلفة .

لقد اثبتت التجارب الدولية العديدة ، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، ان خيارات التقسيم ليست حلا في اغلب الحالات ومعظم عمليات التقسيم قادت الى عنف اكثر مثل تجربة تقسيم قبرص والسودان وكشمير وفلسطين وحتى يوغوسلافيا التي يسودها الهدوء بسبب انها تعيش تحت مظلة مباشرة من الاتحاد الاوروبي وحلف الأطلسي لمنع تجدد الصراع الأهلي المسلح في قلب أوروبا .

ولعل السؤال الاكثراهمية هو : هل ان الولايات المتحدة على استعدادللعب دور الضامن الدولي للسلام في العراق المُقسّم وهي تنتهج سياسة الخروج من المنطقة لولا خطر داعش ؟! هنالك خطورة من احتمالات نشوب صراعات مسلحة بين الأقاليم الجديدة ، وهذا ليس الخطر الوحيد ؛ ان تقسيم العراق الى أقاليم متمايزة عرقيا وطائفيا قد يقود الى فوضى سكانية عارمة بسبب الاختلاط الطائفي والعرقي وهو ظاهرة مميزة في العراق لاحظها فريق عمل بعثة بيكر- هاميلتون الذي قدم العراق بعد الاحتلال لدراسة الوضع عن كثب ؛ هذا الاختلاط السكاني سيقود حتما الى فوضى عارمة من المرجح ان تتطور الى عمليات صراع دموي بسبب رغبة من سيتحول الى أقلية في الوضع الجديد لحماية نفسه والاستعانة بنظرائه عبر الحدود الجديدة ، ولعل كركوك مثال واضح لعدم وجود أغلبية سكانية كردية حاسمة فجاء ضمها الى اقليم كردستان ليضيف نسبة عالية من العرب الى نفوس الإقليم الكردي . وذات الامر سيحصل في المناطق العربية التي يختلط فيها المذهبان السني والشيعي وبوسعنا ان نعدد قائمة طويلة بأسماء القبائل والعشائر التي يتقاسمها المذهبان وتعيش في مناط متجاورة ؛ عندها سيتراجع عامل القرابة وصلات الدم كعامل وحدة لصالح العامل المذهبي الذي اثبت لحد الان انه مصدرا للتوترات والصراعات الدموية .

هذا على الصعيد الداخلي اما على الصعيد الاقليمي فالوضع لايبدو اقل سوءا ؛ من المرجح ان تقسيم العراق على أساس طائفي واثني سيؤدي الى نشوب حرب اقليمية لان مثل هذا التقسيم سيُخلُّ جذريا بوضع توازن القوى الاقليمي القائم حاليا بين ايران وحلفائها من جهة وبين محور السعودية – تركيا – قطر وحلفائهم وربما مصر والباكستان من بين هؤلاء الحلفاء وهذه ستشكل كارثة دولية على نطاق واسع لن يستطيع احد التنبؤ بعواقبها الكارثية على السلام والأمن في العالم ناهيك عن النتائج الاقتصادية المدمرة .

وباختصار فان صيغة من الصيغ لإعادة تشكيل الحياة السياسية في العراق هي الحل الوحيد وهذه مهمة لاتستطيع الحكومة الحالية او القوى المشاركة في ” العملية السياسية ” القيام بها . رئيس الوزراء الحالي ، ايا كانت نواياه ، يفتقر للقاعدة السياسية التي تمكنه من التحرك باي اتجاه ومعركة الفلوجة لن تضيف له الرصيد الذي يمكنه من مواجهة الأطراف السياسية الاخرى التي ستتأثر مواقعها بأية عملية اصلاحية ، وبالتالي فالطريق واضحة ، دولة للجميع برعاية دولية مناسبة او الذهاب الى خيار النزاع المسلح الذي يقف على العتبة ، وقد يبدأ عراقيا لكنه سيجر أطراف اقليمية ودولية اليه بشكل مؤكد .

1 تعليقك

  1. Avatar حسن متعب

    التصور المطروح في اخر المقال هو احتمال قائم فعلا حين لم يعد بالامكان الخروج من الازمات العاصفة المتلاحقة.. المقال تحليل موضوعي ومنطقي للتحديات التي يعيشعا العراق اليوم
    تحياتي للاستاذ فائز السعدون

اترك رد