الوعي والتلقي

 
الصدى-الوعي والتلقي
لوحة للفنان ماضي حسن

هنالك فرق بين الوعي الفني , والوعي العلمي , فالوعي العلمي او الفكر المنطقي , لا يستطيع ان يتعامل مع التخيلات الخارقة واختلافات الانسان الامعقولة , وخرافاته , في حين يفتح الفن صورة لاستيعاب الاساطير والخرافات والافتراضات الساذجة حول الكون ، غير ان وقائع حياتنا اليومية تنطوي على حقيقة علمية تشهد ان مظاهر عمل الانسان مرتبطا بادراك القيمة الجمالية للعالم على الرغم من ادراك الصورة الجمالية وتزامن بدايات الوعي ومزاولة الاعمال الاخرى للفرد ، الا ان مستويات الوعي ومجرياته تتبدل بين الحين والاخر تبعا لمستويات وانواع انماط التعامل مع الصورة الفنية , فالمتلقي في المراحل الزمنية القديمة ينظر للاشياء بسذاجة وعين بريئة خالية من تراكمات معقدة , وهي اذ تتطابق مع تقبله للمعتقدات التي لا تحتاج الى براهين واثبات، اما المتلقي المعاصر فأن وعي الاشياء وصورها الفنية مرتبطة بمقدار وعيه المعاصر الذي يستند الى طريقة القياس المنطقي.. وبذلك يكون الشكل التصويري المجازي لوعي اسبق من الشكل المنطقي ، ولان كانت الصورة اليوم مجبرة دائما على تسويغ نفسها امام الفكر المنطقي فأن هذا الفكر المنطقي كان حتى زمن انكساغور وسقراط ، مجبرا على تسويغ نفسه امام الوعي الديني الميثولوجي لدى الخلية الاجتماعية، كدولة المدينة الاغريقية .(Polis) .

ان عملية التلقي عند الانسان القديم كانت متطابقة مع صورة الاشياء في ذهنه بدون تخطيط وخبرة متراكمة وحفظ في الذاكرة ولكن بعد ذلك اختلف الامر حين اصبح المجتمع هو الذي يشكل عين الانسان ويؤثر في استقباله وادراكه للصورة الفنية , اذ ارتبطت بالمتطلبات الاجتماعية في تقاليد وافكار ونوازع اجتماعية من حب واستطلاع ومصلحة وارادة يقول لوسيف: (ان الانسان الذي عاش في ظروف المجتمع البدائي لم يكن يفهم العلاقات القربى البدائية والاكثر صلة به، كان التفسير بواسطة علاقات القربى اكثر تفسيرات الطبيعة اقناعا له، فالسماء والهواء والارض والبحر والعالم السفلي، أي الطبيعة برمتها، فكل ذلك لم يكن يبدو له اكثر من مشاعة قبلية ضخمة واحدة، تسكنها كائنات بشرية تربطها علاقات قربى متعددة، ومنها انحدر تجمع بدائي كان اول تشكيلة اجتماعية اقتصادية في التاريخ ، وليس هذا الا ميثولوجيا ولدت وازدهرت على وجه (التحديد في المراحل المبكرة من المجتمع البدائي المشاعي) والحقيقة ان التلقي القائم في تلك المراحل قد كان يؤدي عملية اسقاط ضمني للعلاقات الاجتماعية بين الافراد على العالم الطبيعي .

من ذلك نستنج بأن اشكال الوعي لدى المتلقي والمنتج للعمل قد ارتبط بالتبدلات الاجتماعية والاقتصادية التي تقرر مستويات التفكير فاذا كانت النتاجات الفنية من رسوم بدائية في الكهوف قد ارتبطت باسقاطات ذاتية لشعور الفرد والجماعة بمواجهة الاخطار المحيطة له كالكوارث والاخطار الاخرى المتعددة في الطبيعة او دوافع التغلب على تلك المخاطر ومنها الحيوانات المفترسة او دافع اصطيادها فان التحولات الاجتماعية والاقتصادية فيما بعد اسست انماطا اخرى من مستويات التذوق للمتلقي .

ولقد كانت التماثيل تمثل جانبا رمزيا لقوى متعددة , لها تماس بمصيره كالالهات والملوك , كذلك نتاجات الرسوم والصور في المرحلة البدائية وتقبلها كانت اكثر حرية وتلقائية من النتاجات المتمثلة بالتماثيل والانصاب في المراحل اللاحقة , لارتباطها بمقيدات عقائدية وسلطوية على المتلقي والمنتج معا، ولذلك بعد ان وصلت تلك الاشتراطات ذروتها في العصر الحديث , نزع الفنان والمتلقي للعودة الى تلك البدايات الفنية والتي تلتقي في مسارها مع نزاعات الفن الطفولي والانفلات من قيودها من جانب آخر، ولكن ينبغي ان لا نغفل امرا اخر في هذا الخصوص أي التحول الاجتماعي، فالانسان ومنه المبدع والمتلقي قد اصبح له هدف متطورعن نتاجاته السابقة , لان الحاجة التي اقتضت صنع الوسائل الانتاجية البدائية ثم المتطورة فيما بعد كانت وثبة في تفكير المبدع لان الاشياء الجميلة التي حسن مظهرها من فؤوس وآلات اخرى لم تكن لها مثيلات في الطبيعة من قبل وبذلك فهو مبدع ومبتكر واصبح يؤكد انسانيته الابداعية عن غيره من الحيوانات التي لا تضيف شيء سوى الاستمرار في البقاء على ديمومتها الحياتية الثابتة ، ان عملية التلقي منذ البدايات الاولى لبوادر التجميل في مظاهر الاشياء المرتبطة بحاجات الانسان الذي بدء يفكر ويعي ما يفعله لغرض تحقيق الضرورات النفعية كحجر الصيوان , وأواني الخزف , ووسائل الصيد والزراعة , التي تطورت فيما بعد , فالتلقي المرتكز على مقومات الوعي هو استجابة جدلية ومتبادلة مع انتاج المنجز الابداعي الجمالي الفني , من هنا خطى خطواته الاولى مع تطور وسائل الانتاج الماسة لتلبية منظومات حياته المتشعبة للاستمرار والبقاء من جهة التذوق، والمنفعة الجمالية والرفاهية من جهة اخرى , وعندما نتحدث هنا عن نتائج ما تفضي بآلية تلك المسارات الابداعية الجمالية وتحولاتها اللاحقة فاننا لا نفصل عمليا مديات التحقق الواعي في ذهنية المتلقي لان الفاعل للمنجز الفني وهو المتلقي الاول له والناقد الاول كذلك ، يحتكم في نهاية المطاف الى معايير تجربته الشخصية التي تشكل صورة من صور التلقي الجمعي الاشمل , وعلينا ان نلتفت الى فهم مستويات الوعي وتشكله ازاء ما يرتبط به الانسان من تصورات وحلول لمعضلات حياتية تصل الى ما يشبه التهويمات والكوابيس ، ولكن الانسان في هذه المرحلة يغدو الان صانعها ، انه يغدو مبدع الطبيعة والعالم ، ولأن عدم التمييز هو النشاط الرئيس للانسان في الماضي ، وكان عالم التمييز هو اغراق جميع الاشياء في الرحم ، فان الانسانية لاول مرة تنتقل من خلق اشياء جديدة ، الى التمييز بين ما يحيط من مواد جاهزة ، وبصنع الاشياء الجديدة ثم لاول مرة تم اكتشاف الصلة الفردية بين الشيء والتصور عنه من الخارج ، لذلك لم يكن هناك تحديد بعد ، بل كانت الحدود بين الشيء وجوهره غير موجود ، مما ادى الى ظهور تعدد المعاني ، أي التجسيد ، من هنا يبدأ التفاعل بين الشيء وجوهره , وبدلا من الصلة الخارجية بين المجرد الحي ، وبين الجزء الكلي وبين الشكل والمضمون في نمط الصورة الجديدة ، تبدأ وحدتها الداخلية في الترسخ ، وهذه الوحدة موجودة في الاشياء المصنوعة فأس، وثن، وبيتالخ وهنا يعاد خلق المادة الخارجية الموجودة ، أي خلف الشكل من خلال صلته بالجوهر،  وهذا الامر اصعب , وهنا تتجسد رابطية الابداع الشكلاني مع جوهر المضامين الفكرية الهادفة التي تتعلق بالمشتركات الانسانية في كل الازمنة والامكنة , بغض النظر عن انحيازية التاقلم العقائدي الضيق التفكير , ومحدودية الابعاد , ويتم ذلك الامر بعمليات مشتركة تصنعها قوانين الاعراف التذوقية للمنهج التفكير الجمعي للمجتمع , وبين دور المبدع في قفزات التوثب المنتفض نحو اطلالة التحرر من قيود التفكير الجمعي المشترط لمسار منهج التلقيلذلك فالوعي هو الحافز الرئيس الذي يصدر من باثات العمل الابداعي الذي ينبثق  من مصدر الاثر وهوالمبدععندئذ ستكون لتلك التحولات اثرا يوءسس الى تحولات لاحقة , برغم وحدانية تلك التحولات في مراحلها الاولى وفي وقت نشوئها , كالمدارس الفنية الانطباعية , والسوريالية , والدادئية , والتجريدية , وما لحقها من مراحل الحداثة وما بعد الحداثة .

المقال السابقرسائل
المقال التالىلكلماتي اِصغ
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد