” الطايح رايح ” !!

 

” الطايح رايح ، مثل دارج يشير الى ان الطايح من طاح وسقط ، والرايح من ضاع وراح ، ولا يمكن العثور عليه”(1).

هذا المثل الشعبي العراقي ينطبق في العراق أكثر من غيره ، بسبب سوء الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية ، والمتغيرات الإجتماعية ، ومن ذلك تداخل السلطات ، ووجود دولة عميقة ، وانفلات عام ، معروف للقاصي والداني ، والأمثلة كثيرة لاتعد ولاتحصى.

اليوم ساتوقف عند حالة شقيقي رحمه الله الذي فارق الحياة ليلة الخميس الفائت ، في أحدى مستشفيات بغداد ، وهي واقعة تجسد بالفعل معنى هذا المثل.

المرحوم كان يعاني من الربو وضيق التنفس ، شعر بألم ، فتم نقله الى مستشفى النعمان في الأعظمية للعلاج ، وهناك تم الاشتباه باصابته بجائحة كورونا ، تم أخذ مسحة منه ، وبقي لمدة اسبوع ينتظر نتيجة الفحص .

بعد تأخر المستشفى في اظهار النتيجة ولأسباب نفسية وصحية ، أعيد الى داره بعد تهيئة المستلزمات المطلوبة ، لكن بعد ساعات زادت حالته سوءا ، فأعيد الى مستشفى النعمان ، التي اعتذرت عن استقباله بسبب كثرة المصابين ، فنقل الى مستشفى اليرموك ، بعد عزوف المستشفيات الخاصة عن استقباله ، وهناك تم أخذ مسحه منه مجددا ، في وقت كان ولده يراجع مستشفى النعمان التي أفادت بان نتيجة الفحص المختبري لم تصل اليهم ، أو ربما تكون قد فقدت !!. في حين تردد ان بعض المختبرات تظهرها بوقت قياسي مقابل مبالغ مالية معينة.!!..

وهكذا ظل يصارع الألم حتى فارق الحياة ولاأحد يعلم أسباب وفاته ، وبعد مراجعة المستشفى لتسلم جثمانه وإكمال إجراءات إكرامه ، رفضت الادارة تسليمه لذويه حتى ظهور النتيجة !!، وبقي مسجى في ثلاجة حفظ الجثث لبضعة أيام أخرى الى أن ظهر التقرير .

أحد الأطباء المخضرمين ممن قدموا لي التعزية قال في معرض حديثه عن أسباب إنتشار الجائحة : إن التأخير في فرض حظر التجوال ، وترك الأمور سائبة وفق قاعدة نظام القطيع ثم الغاءه ثم فرضه ، عزز من فرص إنتشار الفيروس ، يصاحب ذلك ، ضعف الإجراءات الأمنية ، مع أن بعض اختصاصيي الأمراض الوبائية في وزارة الصحة ، سبق وان حذروا وطلبوا التهيؤ والاستعداد مبكرا ، من خلال تحضير عدة الوقاية والسلامة ومواد التطهير والمعقمات ، من كفوف وكمامات و( كاونات) ، أي بدلات مضادة كاملة على شكل عباءة لحماية الأطباء والكوادر الصحية ، لكن الاستجابة كانت ضعيفة بحجة عدم وجود تخصيصات مالية .

وأضاف : والغريب انه بعد وصول الفيروس الى إيران لم يتم غلق الحدود ساعتها ، مما أدى الى قيام أعضاء خلية الأزمة بإنتقاد عدم جدية الحكومة التي أبقتها مفتوحة لضمان تحركات عوائلهم من والى ايران وللإستفادة المالية ، علما أن أول اصابة في العراق كانت لطالب ايراني يدرس في الحوزة العلمية . والأنكى من ذلك ان أول مجموعة من المصابين بالفيروس كانوا ايرانيين ، تم نقلهم عبر مطاري بغداد والنجف ليلا، وحجروا في فنادق كربلاء والنجف.!!

و استدرك الطبيب قائلا : تم جمع تبرعات من مختلف شركات الإتصالات والأنترنت ، بمعدل لايقل عن 150 مليون دينار للشركة الواحدة..أين ذهبت ؟ الله أعلم . مع ان الصين ارسلت خبراء وأكملوا افتتاح مختبرات صغيرة للتهيؤ للأخطر من الوباء ، لكن الفاسدين كانوا بالمرصاد ، حيث بدأت الاصوات تتعالى بشأن نقص ( الكيتات ) أي عدة الفحص .
ويختتم ضيفي حديثه والألم يعتريه : أضف الى ذلك فإن قانون التقاعد الاجباري ، والذي بموجبه تم احالة مواليد الأربعة أجيال دفعة واحدة بدون سابق انذار وتنظيم ، أسهم في خلو المؤسسات الصحية من خبرات وكفاءات عالية كنا أحوج اليها ، وهو ما شكى منه وكيل وزير الصحة أكثر من مرة .

بالطبع هذا قضاء الله وقدره ، ولاراد لإرادته ، لكن هناك ثمة أسئلة حول هذه الجريمة ، أولها : لماذا الإبقاء على مختبر مركزي واحد في العراق حتى الان لفحص عينات المشتبه باصابتهم بجائحة كورونا ؟! ، ولماذا هذه الفوضى والإرباك وانعدام التنظيم في مجابهة أكبر خطر يهدد المجتمع العراقي والعالم أجمع ؟!. ، ولانسأل هنا عن مصير أموال العراق ، لأننا نعي جميعا انها نهبت وماتزال ، لكن نخصص الإستفسار بالقول : أين أموال الأوقاف والعتبات المقدسة ؟! ، ثم من يتحمل مسؤولية قتل شقيقي ، نتيجة كل هذا وذاك ؟!.

بلاشك فإن ( المغدور) ، ليس أول شهيد في العراق ، فقد سبقه شهداء ، ممن ( صكوا ) ، ومرضوا ، وجاعوا ، وأهملوا ، وحزنوا ، وسرقوا ، وهجروا ، وغيبوا ، منذ عام 2003 وحتى الان ، و مع ذلك العالم صامت ، يتفرج على مذبحة الأبرياء بسبب النفاق الدولي والمصالح الاستعمارية ، وانحلال الالتزام بمقومات الأمة العربية ، وضعف التمسك بالدين ، والإنشغال بالكراسي والملذات ، واذا لم يحرك العراقيون ساكنا ، فإنهم سيذعنون للباطل ، ويرضون بمن ولي عليهم ، وهم مقتنعون بأن ( الطايح رايح)!!.

-1 غسان كريشان ، الطايح رايح ، وكالة رم للأنباء ، 1-1- 1970

لا تعليقات

اترك رد