معتقدات سورية

 

في عام 2002 كنت في رحلة عمل جميلة إلى أوروبا الغربية وتحديدا إلى مدينة لاهاي ، وفي إحدى الأمسيات جلسنا جلسة عائلية مع عائلة هولندية، ورشفنا القهوة وعند الانتهاء من تناول قهوتنا قلبتُ الفنجان، وبدأت أستعرض طالعي، وبدأت الصبايا في الضحك وممازحتي لكي أقرأ لهن طالعهن . في الحقيقة أنا لا أعرف شيئا عن قراءة الفنجان، وإنما قلبت فنجاني لأختبر اهتمام الأجانب بقراءة الطالع ووسط الهرج والمرج الذي حدث تلك الأمسية سألت زوجة مضيفي ، وهو مالك كبير لإحدى أكبر شركات القواطر البحرية العالمية ، إن كانوا يهتمون بالطالع مثلنا ويؤمنون بالمعتقدات المتوارثة والخرافات فأجابتني بنعم ، وأن التراث الثقافي الهولندي مليء بالأساطير والخرافات، ولكنهم تخلوا عنها وبدأوا حياة جديدة، وأضافت أنه لو كان الهولنديون يؤمنون بالخرافات لما استطاعوا بناء حاجز بينهم وبين المحيط الأطلسي الذي يهددهم بغمر هولندا في أقل من ساعة من الزمن . في اليوم التالي ، اصطحبني مضيفي إلى شاطئ العراة أمام مدينة لاهاي، وأخبرني أن الهولنديين يحضرون إلى هذا الشاطئ ليلة رأس السنة ليستحموا بمياه البحر رغم برودة الطقس لأنهم يستبشرون خيرا بالانغماس بمياه البحر ليلة رأس السنة فأدركت بعد هنيهة أن الإنسان هو الإنسان في الشرق والغرب ، وأن المعتقدات أصيلة حتى في عقول أكثر العلماء إيمانا بالتكنولوجيا .
وفي بلادي ، ورغم أن السوريين يعتقدون ببعض الخرافات ويعرفون أنها مجرد معتقدات وخرافات ، إلا أنهم لا يخالفونها ويطبقونها في حياتهم الخاصة على مبدأ المثل القائل: “لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة” . يتناقل بعض السوريين الخرافات والمعتقدات المتوارثة على أنها نوع من الفكاهة والظرافة وعلى سبيل القصص الممتعة .
يزخر المجتمع السوري، كأي مجتمع في العالم، بالكثير من هذه الأفكار والمعتقدات، التي لا يستند أغلبها إلى أساس، ويرتبط بعضها الأخر بمعتقدات دينية أو حوادث معينة تزامنت معها، وتحولت إلى معتقد أضفى عليها الزمن قدسية أو رهبة معينة .
يحكى أن ” رش المياه على شخص ما فراق معه” وهذا المعتقد الذي يعتبره السوريون فأل شر ويتطيرون من فعله و نجده في ثقافات أخرى بمعنى معاكس تماما.
ويحكى أن “البومة ” رمز للفأل الشرير في المجتمع السوري في حين أنه رمز خير وحكمة في المجتمع الهولندي والألماني والسويدي والدنماركي ويندر أن ترى منزلا يخلو من صورة أو تمثال للبومة .
ويحكى أن ” الدق على الخشب” وهي خرافة شائعة في سورية يمنع انتقال الطاقة السلبية والعين الشريرة والحسد ، ويندر أن يسمع سوري خبرا جيدا عن صديقة إلا ويدق على الخشب خوفا من الحسد . ويعود هذا التقليد في الأساس إلى أوروبا ، فخلال القرون الوسطى ادّعت الكثير من الكنائس امتلاكها قطعًا من صليب المسيح ، ومنها أشاعت الكنائس رسميًا بأنّ الطرق على الخشب يجلب الحظ الجيد ويبعد السوء.
ويحكى أن ” العين لا تقاوم المخرز” وهو مثل سوري نشأ أواخر الاحتلال العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي ليغرس في عقول الناس أنهم عيون جميلة ضعيفة وأن المخرز ( الاحتلال ) لا يمكن مقاومته وهو نفس الفكرة التي شيعها الاستعمار الانكليزي والاسباني للقارة الأمريكية على أنهم لا يموتون أو يقتلون إلا برصاصة فضية يمتلكونها هم وحدهم دون غيرهم .
ويحكى أن ” تقليم الأظافر ليلا ” يجلب الفقر للإنسان وهو معتقد هندي قديم وتعود القصة وراء هذا الاعتقاد إلى فكرة أنّ الأشخاص عامةً كانوا يتجنبون استخدام أية أدوات حادة ليلًا وفي الضوء الضعيف، خوفًا من أن يؤذي الشخص نفسه دون أن ينتبه.
ويحكى أن “ترك الحقيبة أو محفظة النقود على الأرض” قد يجلب الفقر في حين أنه دليل إهمال في بعض المجتمعات المتقدمة .
ويحكى أن “سكب القهوة على الطاولة” فأل حسن في بعض المجتمعات السورية في أنه دليل على عدم الرتابة في مجتمعات أخرى .
ويحكى أن ” العروس ع الحصير ما منعرف لمين بتصير ” وهو مثل شائع في بعض المجتمعات السورية لكنه في الحقيقة رسالة مبطنة تحضر العريس إلى أن العروس يمكن أن تترك عريسها في أي لحظة في حال وجدت الأفضل .
ويحكى أن “المرأة يجب أن لا تترك قرشا في جيب زوجها حتى لا يتزوج عليها” في بعض البيئات السورية ، ولهذا المثل معنى سطحي، ومعنى عميق. المعنى السطحي دليل على الروح المادية في حين أن المعنى العميق هو الايحاء للزوجة بأن لا تترك لدى زوجها فراغا عاطفيا حتى لا ينظر إلى غيرها .
ويحكى أن “عدم تكنيس وتنظيف الأرض خلف المسافر” فأل سيء يمنع المسافر من العودة سالما .
ويحكى أن ” رشق الماء خلف المسافر” أو “كسر الجرة خلفه” يمنعه من العودة مرة ثانية .
ويحكى أن “فتح المظلة أو المقص وإغلاقه من دون استخدام” يجلب الشؤم والحظ العاثر والسيء والموت للبيت .
ويحكى أن المثل الذي يقول ” الله يلعن بيت صنعون” قد تأصل لدى السوريين أيام الاحتلال العثماني كنوع من كبح جماح الاهتمام بالصناعات والحرف المهنية الجيدة لأن الاحتلال كان يأخذ الصناع المهرة إلى الأستانة للأبد ولا يمكنهم العودة إلى أهلهم . للأسف لا زال المثل قائما لدى بعض المجتمعات السورية رغم زوال السبب.
ويحكى أن ” الدوس على قدم العروس ليلة عرسها أو شكها بإبرة أو قرصها ” من قبل عازبة يجلب عريسا للعازبة قبل انتهاء العام .
ويحكى أن “العروس يجب أن تلصق عجينة على جدار بيتها الجديد” فإن التصقت يكون الزواج مباركا وإن سقطت يكون فألا سيئا .
ويحكى أن “الوحام بالأطعمة الحامضة “يدل أن المرأة الحامل ستلد ولدا ذكرا وإذا توحمت “بالأطعمة الحلوة” تكون المولودة أنثى .
ويحكى أن “رش الملح في زوايا البيت” يمتص المشاكل السلبية المنتشرة في الأسرة ويقرب الزوجين روحيا.
ويحكى أن “إعارة السلم ليلا للجيران” نذير شؤم لأهل المنزل.
ويحكى أن “خروج أحد من أسرة المتوفى” لزيارة أحد المعارف يجلب الحزن معه للمنزل الآخر.
ويحكى أن “ضرب العريس وتكسير البيض على جسده” نوع من العقاب له لأنه رحل عن العزوبية .
ويحكى أن” قلب الحذاء يرمي الفتنة” بين شخصين وأن “قلب الحذاء” يوقف عواء الحيوانات المفترسة البرية ليلا .
ويحكى أن “طنة الأذن” دليل على أن أحدا يتكلم عنه بغيابه
ويحكى أن “دخول نحلة” إلى المنزل دليل على أن أحد يشتاق إليك وأن روحه تزورك .
ويحكى أن “حك اليد” دليل على أن الشخص سيتلقى نقودا من طرف ما في القريب العاجل .
هذا غيض من فيض الأمثال الشعبية والمعتقدات السورية التي يؤمن بها كثيرون ورغم عدم صحتها إلا أنها منتشرة جدا في المجتمع السوري وتتناقلها الأجيال المتعلمة وغير المتعلمة .
فما رأيكم دام فضلكم !

لا تعليقات

اترك رد