هل تستخدم أمريكا تركيا ورقة ضد العرب بسبب تحالفهم مع روسيا ؟

 

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عاش العالم توازن قوى بين مركزي قوة متعارضين كبح تحكم أحد مركزي القوتين في الهيمنة على منطقة دون حساب مصالح القوة الأخرى، ومرت حالات كانت فيها القوتين على شفا حرب نووية خلال الأزمة الكوبية عام 1962.

ومنذ عام 1977 دعم الغرب الثورة الإسلامية الإيرانية وفي 16 يناير 1979 غادر الشاة طهران، وتعبر ثورة فريدة من نوعها باعتبارها مفاجأة على مسرح الأحداث الدولية من حيث السرعة التي حدث بها التغيير العميق، وكذلك الدور القيادي للدين مع انعدام الأسباب الاعتيادية للثورات كالأزمات المالية أو الهزائم العسكرية أو عصيان فلاحين أو التمرد العسكري، لكن متابعة الاتحاد السوفيتي وجد أن الاستخبارات الأمريكية قدمت مساعدات لمعارضي النظام الموالي لها في أفغانستان في يوليو 1979 أي بعد الثورة الخمينية بأشهر.

وشعر الاتحاد السوفيتي أن الولايات المتحدة تحاصره خصوصا وأنه يريد الوصول إلى المياه الدفيئة، فأقدم باحتلال أفغانستان في ديسمبر 1979 باعتبار أن أفغانستان حزام الأمان للشرق الأوسط، فبدأت مرحلة استخدم الدين مرة أخرى في دعم الجهاد لقتال المحتل السوفيت بدعم أمريكي سعودي، حتى خرجت القوات السوفياتية من أفغانستان في 15 فبراير 1978.

تمكنت القاعدة بمشاركة الجهاديين في إخراج القوات السوفيتية من أفغانستان، وبعد مشاركة القوات الأمريكية من إخراج صدام حسين من الكويت 1991، انقلبت القاعدة على أمريكا ومعها جماعة الإخوان المسلمين، لكن القاعدة بمفردها قامت بهجمات 11 سبتمبر 2001، بعدما تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عظمى أحادية منذ إخراج قوات صدام حسين من الكويت وتفكك الاتحاد السوفيتي، بدأت الولايات المتحدة تسرح وتمرح في الساحة الدولية، ولم تتنبه إلى ارتفاع تكاليف تلك القيادة المفردة، ولكنها عندما أدركت تلك التكاليف اعتقدت أنها يمكن تعويض تكاليف القيادة المفردة باحتلال العراق عام 2003 ومن قبلها أفغانستان في 2001 ظنا منها أنها تعوض تلك التكاليف على يد بوش الابن ضيق الأفق، ولا يختلف عنه أوباما الذي دعم ثورات الربيع العربي وتيارات الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني معتقدا أن مواجهة الإرهاب لا يكون إلا بدعم تيارات الإسلام السياسي على غرار حزب العدالة والتنمية في تركيا، فيما الصين وضعت خطط التحول في نفس هذا التاريخ 1979 حتى أصبحت الاقتصاد الثاني في الوقت الحاضر تنافس الولايات المتحدة على الزعامة بعدما دفعت أمريكا ثمن الزعامة الأوحادية المفرطة.

تأخذ المواجهة بين الولايات المتحدة والصين من جهة وبينها وبين روسيا من جهة أخرى، فأصبحت المواجهة مزدوجة ،وبدأت تأخذ أبعادا كبيرة، ونقطة اللاعودة، ويبدو الانتقال إلى عالم جديد ليس فقط ثنائي القطب بل متعدد الأقطاب، رغم ذلك تحاول الولايات المتحد كبح جماح النمو السريع للصين في جميع المجالات، والتفاوض معها من أجل تقديم التنازلات أيضا في جميع المجالات، ليس هذا فحسب فاستراتيجية ترمب هي التدمير المستمر لنظام المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي يقوم عليها النظام العالمي برمته، وما نراه في إضعاف المنظمات الدولية كما في الهجوم على منظمة الصحة العالمية، ونقض اتفاقية الأجواء المفتوحة التي قررت مؤخرا الانسحاب منها لأنها تراها اتفاقية ليست أساسية في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي.

وبعدما ظلت الولايات المتحدة أربعة عقود تقنع موسكو بالبت في تبادل التفتيش ورحلات المراقبة الجوية والآن تنسحب منها، كل ذلك من أجل بناء نظام عالمي جديد يطلق عليه عالم من دون قواعد، حيث تعتبره الولايات المتحدة هو الأفضل لها، وهي تعني حرب غير معلنه ضد المنافسين وضد جميع من لا يتفق مع الهيمنة الأمريكية، فمثلا معاهدة ستارت الجديدة التي قررت إدارة ترمب عدم تجديد معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية في مايو 2020 لقادة أمريكا وروسيا عبر الانترنت في حوار دار تموت الممتد منذ 70 عاما تم التأكيد مرة أخرى على الأهمية الاستثنائية والوجودية لتمديد هذه المعاهدة.

لكن أمريكا وضعت شروطا لتمديد المعاهدة أهمها انضمام الصين إليها، لكن الصين تعارض انضمامها إلى هذه المعاهد باعتبار أن قدراتها النووية محدودة ولا يمكن مقارنتها بالقدرات النووية الروسية وبالولايات المتحدة ،وأصرت على تمديد المعاهدة باعتبارها آخر معقل للاستقرار الاستراتيجي.

لكن مطلب انضمام الصين للمعاهدة ليست فقط أميركية بل أيضا روسية، ويضرب رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية الكسندر دينكين أن العلاقات الروسية الصينية في سوريا دبلوماسية فقط ،ورفضت الصين المساندة العسكرية، وهي بذلك لا يمكن أن تكونا ضد بعضهما البعض أبدا، ولكن ليستا دائما معا، لذلك هناك عدد من المحللين الروس يستبعدون أي نجاح تحالف على المستوى الاستراتيجي الذي تم إبرامه مع الصين، وليست الصين على استعداد أن تصبح الزعيم العالمي الوحيد، حيث تدرك أن الجميع بحاجة إلى السوق الصينية العملاقة بعد كورونا بمن فيهم الأميركيون، وكذلك روسيا ليست لديها رغبة في المنافسة على زعامة العالم، لكنها تلعب دور قوة توازن رئيسية ( وبناء على ذلك إذا لم تحدث مفاجآت أتوقع أن يستمر ترمب في منصبه للفترة الثانية ليكمل ما بدأه في الفترة الأولى لصالح نظام عالمي جديد بلا قواعد).

أمريكا تستخدم تركيا أداة ضد أوربا وروسيا والعرب، فتمكنت روسيا من التوافق مع تركيا في سوريا حفاظا على مصالحها في تركيا في عبور أنبوب الغاز الروسي الذي يمر بالأراضي التركية إلى جنوب وشرق أوربا، وكذلك تحاول روسيا إمكانية عقد اتفاق روسي تركي في ليبيا كالاتفاق الذي وقعته معها في سوريا، وهو ما يقلق فرنسا بشكل خاص والتي كما تعلن أنها لا تريد غلبة فريق على آخر بل بدء المفاوضات انطلاقا من الواقع القائم اليوم على الأرض بما في ذلك تقاسم الموارد النفطية، لكنها فشلت في إقناع الأطراف خلال الفترة الماضية.

حيث انتقدت الأطراف الدولية التدخل التركي في ليبيا وذلك عبر تمويل مليشيات الوفاق بالسلاح والمرتزقة في انتهاك واضح للقرارات الدولية بحظر السلاح على ليبيا ولو لم يكن هناك ضوء أخضر لتركيا لما تمكنت تركيا من إرسال سلاح ومرتزقة للوفاق، وأوربا غير قادرة على منع تركيا، من خلال عملية المراقبة الأوربية ( إيريني )، حيث بدأت المليشيات المولاية للسراج بدعم تركي تسابق الزمن لتحقيق إنجاز عسكري على الأرض وخصوصا وصولا إلى مطارها الدولي المغلق منذ 2014 لما يمثله من أهمية رمزية ودعائية، وتسعى لحشد أوراقها التفاوضية في ثالث جولات حوارات جنيف للجنة العسكرية المشتركة التي تضم خمسة ممثلين من الوفاق وخمسة من الجيش الوطني.

كذلك بدورها تعرضت روسيا لانتقادات من قبل الولايات المتحدة حيث اتهمت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أفريكوم روسيا بتزويد الجيش الليبي بطائرات سوخوي وميغ حديثة، ما يعني أن أمريكا توافق ضمنيا على التدخل التركي في ليبيا بحجة منع التواجد الروسي في ليبيا بموافقة عربية مصر والسعودية ودولة الإمارات.

فأصبحت هناك ثلاث دول الحل السياسي فيها أصبح معقدا وهي سوريا وليبيا واليمن، ومن يعطل الحل السياسي هي الولايات المتحدة ومفتاح الحل أيضا بيديها، لذلك اضطر العرب الاستعانة بروسيا في الملف الليبي بعد السوري الذي استعانت به إيران وليس العرب، فيما ترفض الصين التدخل، مما يزعج الولايات المتحدة استعانة العرب بروسيا في ليبيا لتحييد تركيا في المنقطة، بسبب أن روسيا تحرص على مصالحها، لكن الولايات المتحدة تفرض على روسيا شروط استبعاد إيران، لكنها لم تضع شروط استبعاد تركيا، وتدرك أميركا رغم ضعف العرب وتفككهم، لكن بيدهم أيضا القدرة على تضييع أحلام الامبراطورية الأميركية وتحجيمها من أجل عالم متعدد الأقطاب، لذلك هي تضغط عليهم في ملفات عديدة في المنطقة من الملف القطري والسوري والليبي ولا زالت هناك اتفاقيات بينها وبين إيران حول العراق بشكل خاص وبينها وبين تركيا حول سوريا وليبيا، ومواقفها غامضة حول سد النهضة.

لا زالت روسيا تشعر من أنها خدعت عندما تم استصدار قرار من مجلس الأمن 1973 يسمح بحامية المدنيين لكن سرعان ما أصدرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة موقفا مشتركا فسرت حماية المدنيين بأنه يعني تدخلا عسكريا لإطاحة النظام في عام 2011، ولم تكتف الطائرات الفرنسية بضرب الرتل العسكري المتقدم نحو بنغازي وتدميره بل شارك الناتو بأكمله في عملية تدمير القوات الحكومية الليبية أينما وجدت، والسماح لجماعات الثوار بإسقاط القذافي وقتله في مسقط رأسه في مدينة سرت في أكتوبر 2011.

لكن الانتخابات التي أجريت في 2012 حقق تحالف القوى الوطنية بزعامة الراحل محمود جبريل، لكن تكتلات عديدة تهيمن عليها التيارات الإسلامية بإشراف وتمويل قطري وقفت أمام تنصيب محمود جبريل، وكذلك في 2014 مثلت نتيجة الانتخابات هزيمة مدوية للإسلاميين التابعين لقطر ما جعلهم يتجهون نحو المليشيات كتنظيم القاعدة ومنافسه تنظيم داعش وسيطر أنصار القاعدة على درنة التي عرفت بسيل المتطوعين الانتحاريين فيما سيطر أنصار داعش على مدينة بنغازي قبل أن يقيموا إمارة في سرت مسقط رأس القذافي.

مما فرض على الدول المجاورة إنقاذ الوضع وبشكل خاص دولة مصر بتأييد المشير حفتر لتجميع ما تبقى من الجيش الذي دمره الناتو، لكن وقفت قطر في مواجهة حفتر منذ البداية في المقابل نجحت الأمم المتحدة في جمع شرائح واسعة من الفرقاء في الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015 نتج عنه قيام حكومة الوفاق، لكن لم تنل ثقة مجلس النواب الليبي الذي اتخذ من طبرق مقرا له، وهكذا اتسع الشرخ السياسي في ليبيا.

دعمت فرنسا حفتر ولكن عندما وسع هجومه على طرابلس لطرد المليشيات المسلحة وعندما شعر أن فرنسا لن تقدم له الدعم الكاف استعان بروسيا وفي المقابل وقع السراج اتفاقيات مع أردوغان الداعم الرئيسي للإخوان في العالم العربي الذي قلب موازين المعركة ضد حفتر وتم التنسيق بين روسيا وتركيا في ليبيا كما في سوريا.

تدعم أمريكا تدخل تركيا في ليبيا من أجل حرمان الروس من موطئ قدم جديد على سواحل المتوسط ،وإقامة قاعدة عسكرية لهم في ليبيا مقابل القاعدة العسكرية في طرطوس في سوريا، وتقف أمريكا مع تركيا في ليبيا ضد روسيا كما وقفت مع تركيا في إدلب لمنع روسيا من السيطرة على إدلب، رغم أنها معقل المتشددين، وبذلك يكون أدروغان يمتلك ورقتين يهدد بهما أوربا في فتح أبواب الهجرة من سوريا وليبيا إلى أوربا لابتزاز مواقف ينتزعها من الأوربيين وهو خطر لا يهدد الأمريكيين وعلى رأسها التنقيب في السواحل الليبية وفي شرق المتوسط ومشاركة الشركات التركية في إعادة اعمار ليبيا.

وأمريكا تترك اليد التركية تعبث بالمنطقة، مثلما تركت اليد الإيرانية تعبث بالمنطقة العربية، رغم أن ترمب عند مقاطعة قطر في 2017 قائلا في تغريدته أنه اقتنع من الدول المقاطعة ستعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف، وكل الدلائل تشير إلى قطر قد يكون ذلك بداية نهاية رعب الإرهاب، وأكد في تغريدة أخرى أن قطر لديها سجل طويل من دعم وتمويل الإرهاب لكنه غير لهجته فيما بعد بسبب أن قطر توجد فيها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وأيضا هي ورقة أخرى تابعة لتركيا يستخدمها ترمب لمقايضة السعودية في ملفات متعددة أهمها ملف الطاقة وملفات أخرى.

تعاملت إيران وتركيا مع قطر بمنطق الغنيمة ،ويحاول أردوغان استغلال قطر لإنعاش اقتصاد بلاده المتعثر، فيما استثمرت إيران للتنفيس في أزمتها الاقتصادية، ما يعني أن قطر ارتمت في أحضان تركيا وإيران، قد تكون منح تقدمها أمريكا لتركيا وإيران مقابل مقايضات تحصل عليها أمريكا من قبل الطرفين، وبالفعل أفرجت أمريكا عن العالم الإيراني سايروس عسكري إلى بلده إثر إفراج الولايات المتحدة عنه بعد نحو ثلاثة أعوام من سجنه بتهمة التجسس، في المقابل أفرجت إيران عن الجندي الأميركي السابق مايكل وايت الذي تم توقيفه في يوليو 2018 بتهمة إهانة المرشد الأعلى علي خامنئ في 4/6/2020.

وفي نفس الوقت تقايض أمريكا السعودية ومصر في وقف التحالف مع روسيا إذا أرادات وقف التدخلين التركي والإيراني، وبشكل خاص التدخل التركي في ليبيا بالنسبة لمصر، والإيراني بالنسبة للسعودية في اليمن، خصوصا وأن تركيا وإيران وقطر دول تحيط بهم تهم الإرهاب، يمكن أن تستخدمها أمريكا ضدهم إن أوقفت مصر والسعودية تحالفهما مع روسيا الذي سيكون على حساب المصالح الأمريكية في المنطقة، والذي يؤذن بتراجع الدور الأمريكي على يد السعودية ومصر، لكن بشكل خاص السعودية لديها مصالح كبيرة مع روسيا خصوصا فيما يتعلق باستقرار أسواق النفط، ومصر لا تثق في الموقف الأمريكي الذي لا يزال يتخذ موقفا مواربيا تجاه تيارات الإسلام السياسي الذي يهدد امن مصر، فيما روسيا تدعم الموقف المصري تجاه مثل هذه الجماعات بل أن الولايات المتحدة تستخدمها ضد روسيا حتى الآن ولا زالت منذ زمن الاتحاد السوفيتي، رغم أن السعودية وترمب عندما زار السعودية في 2017 قررتا بوقف استخدام تلك الجماعات بشكل نهائي لكن يبدو أنها أدوات جاهزة ولا يمكن التخلي عنها من قبل أميركا وتركيا وإيران من أجل تحقيق أجندات مشتركة.

فكلا الجانبين كل منهما يمتلك مفاتيح ضد الآخر، فكيف يستخدم كل طرف تلك الأدوات للحفاظ على أمنه، خصوصا وأن الموقف الأوربي لا يمتلك القدرة في مواجهة تركيا وإيران، بل مواقفهما مترددة وغير حاسمة، وبشكل خاص بين أوربا وروسيا مصالح اقتصادية مشتركة، وكذلك مع الصين، فلن تسير أوربا خلف أمريكا ضد الصين وروسيا ولن تستطيع مواجهة تركيا، وكذلك السعودية ومصر لن تقبل أن تسير خلف الولايات المتحدة من أجل الحفاظ على امبراطوريتها على حساب مصالحها.

1 تعليقك

  1. Avatar حميد الموسوي

    صحيح ان اوربا لن تسير خلف اميركا في معاداتها للصين وروسيا لكنها تنفذ معظم ما تطلبه بل ما تفرضه اميركا وابسط مثال فرض الحصار على ايران وفنزويلا ..اما السعودية ومصر ومعظم الدول العربية فتسير خلف اميركا مغمضة العيون .
    ومتى كانت الدول العربية تدور اوتتمسك بعلاقات ثابتة مع الروس ؟. حتى تدفع امييركا تركيا لمعاداة العرب … تركيا تعمل على اعادة الامبراطورية العثمانية والاسلام السني يرحب بمشروعها .

اترك رد