العراق .. إلى أين ..؟؟

 
العراق .. إلى أين ..؟؟

العراق إلى أين، سؤال أعتقد أن الأغلبية ممن لهم عقل و ضمير ، يطرحونه على أنفسهم و على الآخرين، إلى أين يتجه العراق منذ إحتلاله عام ٢٠٠٣ و حتى اليوم، هل فقد البوصلة، هل فقد إحساسه بالإتجاهات و التوجهات، ماذا بعد بعد كل هذه السنين، فقدنا
الملايين من البشر بين مهاجر و مهجر و لاجئ و مقتول و محروق و مجروح و مفقود، فقدنا و سرقت و بددت عشرات المليارات من الدولارات، دمرت معظم المدن التي كانت زاهية مزدانة بخيرها و أهلها حتى للحظات قبل الإحتلال ..

لكن هذه المقالة لن تتكلم عن هذه الحروب و المجازر و المعارك و المهازل و المآسي، سنتناول جانبا واحدا مهما، ربما لا زال خافيا عن البعض، ألا و هو القطاع الزراعي العراقي، و مدى تأثره بالإحتلال، و الخطط و البرامج التي جلبتها قوات الإحتلال و
صاغت بنودها لتحكم سيطرتها على مستقبل القطاع الزراعي في العراق، و تسلمه لقمة سائغة لكبار الشركات الإحتكارية الأمريكية المتخصصة في هذا المجال ..

بلاد ما بين النهرين، أو أرض السواد، أسم كان يطلق على العراق منذ آلاف السنوات، و كان السبب الرئيس وراء هذه التسمية، هو إنتشار و إزدهار الزراعة في هذه الأرض، و خصوبة الأرض و التربة، و ملاءمة و تنوع الطقس بين حار و بارد و معتدل، ممطر و جاف و متوسط، و وجود النهرين العظيمين، دجلة و الفرات، و التنوع الكبير في التضاريس الأرضية، بين أرض منبسطة إلى واحات إلى جبال و تلال إلى أهوار، و غيرها ..

إلى عهد قريب، كان النشاط الزراعي هو النشاط الأهم في البلد، و قد تمكنت البلاد و المزارعين و ملاك الأراضي و الحكومات المتعاقبة منذ القدم، إلي تطوير النشاط الزراعي و كل ما يتعلق به، من بذور و تقنيات، و عمالة و تدريب، و مكننة بسيطة أولية و من ثم متطورة و معقدة، و ربما كان العراق و سوريا و لبنان و بعدها الأردن من بين الأفضل و الأخصب في المنطقة في مجالات الزراعة و نشاطاتها المتنوعة، مع بعض المزايا للعراق قد
لا نجدها في البلاد الأخرى، و كان هناك بنك للبذور في العراق يعمل بشكل متطور لتأمين البذور المناسبة و المطلوبة للمزارعين ..

لقد كان الإحتلال الأمريكي للعراق بحجج و ذرائع مختلفة و متنوعة، ثبت فيما بعد كذبها و عدم صحتها، كانت قوة الإحتلال قد أعدت العدة، و وضعت البرامج و الخطط لتدمر البلاد و تعيدها مئات السنوات للخلف، لنصل إلى ما نراه اليوم، فسلطة الإحتلال برئاسة بريمر، جاءت بعدد من القرارات و الأنظمة في أوائل عام ٢٠٠٤، بعد أشهر قليلة فقط من الإحتلال، تحت غطاء ” إنتقال ألسلطة “، يبلغ عددها حوالي ال ١٠٠ قرار و نظام، كان الهدف الحقيقي منها هو إحكام السيطرة على جميع مفاصل الإقتصاد العراق و تدمير بنيته التحتية، و جعله ملحقا و ذيلا للشركات و الإقتصاد الأمريكي، و كان القرار رقم ٨١ هو الذي يتعلق بالنشاط الزراعي ..

و هنا أقف قليلا لأستذكر حوارات و نقاشات جرت أبان الإحتلال عام ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ مع بعض ممن أعتبرهم ضيقي الأفق صغيري العقول مغسولي الأدمغة، بالرغم من كونهم حاملين لشهادات عليا في إختصاصات مختلفة، حيث كانوا يصرون إصرارا عجيبا على أن ما جرى هو تحرير و ليس إحتلال، و أن العراق سرعان ما سيتمتع بمزايا و فوائد التحرير الأمريكي، ليكون دولة متطورة متقدمة كحال كوريا الجنوبية و اليابان ربما خلال خمس او عشر سنوات، و الحقيقة لا زلت أرثي لحال هؤلاء، الذين أعتقد أن بعضهم قد سارع ليحصل على حصته في المناصب ضمن حكومات الإحتلال المتتابعة المتعاقبة هناك ..

نعود لنلقي الضوء على القرار ٨١، مع التأكيد بأني لست من ذوي الإختصاص في هذا المجال، و أتمني من المختصين أن يدلو بدلوهم و ينورونا عن تطورات الموضوع اليوم، و حقيقة الأوضاع في القطاع الزراعي العراقي حاليا، مؤكدين على أن هذا الموضوع هو فقط لتوجيه الإنتباه و تسليط الضوء على هذا الجانب المهم من أزمة العراق المستمرة، و هو يتعلق مباشرة بالمواطن و طعامه و غذائه و الحصة التموينية و المستقبل الزراعي للبلد ..

لقد كانت قرارات بريمر المتعلقة بالغذاء و الزراعة في العراق ما هي إلا غطاء لتسليم هذه القطاعات لكبريات الشركات الأمريكية المتخصصة في هذا المجال، و بالتحديد مونسانتو ، سينجينتا، و دو كيميكال، و هذه الشركات معروف عنها سعيها الدؤوب للسيطرة على إنتاج الغذاء في العالم من خلال البذور و النباتات المعدلة وراثيا ..

على هذا الأساس قام بريمر بفرض القرار رقم ٨١، و أسماه ” براءة الإختراعات و التصميم الصناعي و سرية المعلومات و الدوائر المتكاملة و تنوع المحاصيل “، و خلاصته أن المزارع العراقي يجب أن يستغني عن إستخدام البذور التي توارثها و تعود إستخدامها و جربها و طورها منذ مئات و آلاف السنوات، و يستبدلها ببذور جديدة مقننة و معدلة تنتجها هذه الشركات، و أهم مزاياها أنه لا يمكن إستخدامها مرة ثانية، أي أن على المزارع أن يبقى تحت رحمة هذه الشركات طيلة حياته، و لكم أن تتصوروا معنى ذلك ، هذا إضافة إلى أن القرار نص على أنه لايجوز لأي حكومة في العراق بعد تاريخ هذا القرار أن تعدل نظام البذور المشار اليه، و الذي كما بينا صدر ضمن حزمة ال ١٠٠ قرار لبريمر، و لكم أن تفهموا كم هي ديموقراطية سلطة الإحتلال هذه لتمنع الدولة العراقية من تعديل قراراتها حتى في الأمد البعيد، و لو أني أعتقد أن بريمر و حكومته كانوا قد عقدوا العزم و أعدوا العدة على أن لا تكون هناك دولة بمعنى الدولة و نظام بمعنى النظام في عراق المستقبل الجديد تحت الإحتلال يكون قادرا على الفعل و التعديل و التجديد و التغيير، و هذا ما نراه فعلا اليوم ..

بموجب هذا القرار تحول العراق و أرضه و المزارعين فيه إلى حقل تجارب، فمثلا في مجال زراعة القمح، أقروا إستخدام ستة أنواع فقط من القمح من قبل مزارعي العراق، ثلاثة منها تستخدم لصناعة المعكرونة، علما أن الشعب العراقي ليس من مستهلكي المعكرونة بكثرة، فكيف يكون ٥٠٪ من إنتاجه مخصص لهذه الصناعة، مما يعني أن ذلك سيخصص للتصدير على الأغلب برعاية و لصالح و فائدة تلك الشركات و من يمثلها ..

الحقيقة هناك الكثير من التفاصيل الفنية و القانونية التي جاءت ضمن هذا القرار، و القرارات الأخرى ، لا مجال لذكرها في هذه العجالة، لكني كما أشرت آنفا أدعو ذوي الإختصاص و من يعملون عن قرب الآن مع القطاع الزراعي، أن يتوسعوا في شرح و تفصيل هذا القرار و تأثيراته و إنعكاساته على الوضع الإقتصادي و التكويني في البلد، و من الله العون ..

لا تعليقات

اترك رد